A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Text size
Back to articles
Series · Episode 44
Concepts of Faith
Concepts of Faith

Ibtilāʾ in the Qurʾan: A Test by Hardship and by Favour Alike

A Test by Hardship and by Favour Alike

Dr. Ahmed Abouseif•October 18, 2026•11 min read

أبٌ رُزق غلامًا حليمًا، فلما بلغ الغلام معه السعي جاءه الأمر في المنام. وما بين الأب والابن حوارٌ يقطع القلب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (٣٧:١٠٢). ثم تتوقف الكلمات وتتكلم المشاهد: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (٣٧:١٠٣). وفي هذه اللحظة التي يتوقف عندها الزمن يأتي التعليق الإلهي الموجز: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ (٣٧:١٠٦)، ثم الفرج: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (٣٧:١٠٧).

لم يقل القرآن «إنها لمحنة»، ولا «إنها مصيبة»، بل قال «البلاء المبين»، فاختار الكلمة التي تعني في أصلها الاختبار قبل أن تعني الألم. وهذا هو الباب الذي ندخل منه إلى مفهوم الابتلاء: كلمةٌ تُستعمل في ألسنتنا اليوم لوصف الشدة، وهي في القرآن أوسع من ذلك وأدق، فيها المحنة وفيها المنحة، وفيها الفعل الإلهي الذي لا يخطئ الغاية.

ثمانٍ وثلاثون مرة في خمس صيغ

يرد جذر «ب ل و» في القرآن ثمانيًا وثلاثين مرة موزعةً على خمس صيغ[1]: الفعل المجرد «بلا/يبلو» عشرين مرة، والفعل المزيد «يُبلي» مرتين، والفعل «ابتلى» بصيغة الافتعال ثماني مرات، والاسم «بلاء» ست مرات، واسم الفاعل «مبتلٍ» مرتين. ويحسن أن ننبّه إلى أن الموضع الأخير من المجرد، وهو قوله تعالى في ملك لا ينفد: ﴿لَا يَبْلَىٰ﴾ (٢٠:١٢٠)، ليس من الاختبار في شيء، بل من «بَلِيَ الثوبُ» أي خَلِق وفنِي، فتبقى مواضع الاختبار في صيغة المجرد تسعة عشر موضعًا.

وهذا التنبيه ليس ترفًا لغويًا، فهو يضع أيدينا على أصلين التقيا في الجذر نفسه. يقول ابن فارس: «الباء واللام والواو والياء، أصلان: أحدهما إخلاق الشئ، والثانى نوعٌ من الاختبار، ويحمل عليه الإخبار أيضا»[2]. أما الراغب فيرى أن الأصل واحد، فيقول: «بَلِيَ الثوب بِلًى وبَلاءً، أي: خلق… وبَلَوْتُهُ: اختبرته كأني أخلقته من كثرة اختباري له»[3]. ويضيف ابن فارس ما يخص موضوعنا: «ويكونُ البَلَاءُ فى الخير والشرّ. واللّه تعالى يُبْلى العَبْدَ بلاءً حسناً وبَلاءً سِيِّئا… لأن بذلك يُختَبَر فى صَبْرِه وشُكْرِه»[2]. وسواء أخذنا برأي ابن فارس في استقلال الأصلين أو برأي الراغب في اتصالهما، فالصورة التي يرسمها الراغب صورةٌ بليغة: المُختَبِر يقلّب المختَبَر ويعاوده حتى يُبليه، ولا يُعرف جوهر الشيء إلا بطول الملابسة. والقرآن كله في الابتلاء على الأصل الثاني، أصل الاختبار، إلا ذلك الموضع الواحد.

غايةٌ تتكرر: «أيكم أحسن عملًا»

أول ما يلفت من فريد هذا الاستعمال أن الفعل «يبلو» يُقرن بغايةٍ بعينها في ثلاثة مواضع بعينها: في خلق السماوات والأرض وعرشه على الماء (١١:٧)، وفي جعل ما على الأرض زينةً لها (١٨:٧)، وفي خلق الموت والحياة: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (٦٧:٢). فكأن الكون من علوه إلى أرضه، ومن زينته إلى فنائه، قد رُتّب ليكون ميدانًا واحدًا لسؤالٍ واحد.

وللمفسرين في هذه الآية مسالك تتكامل ولا تتنافى. فالطبري يرى أن المعنى «ليختبركم فينظر أيكم له أيها الناس أطوع، وإلى طلب رضاه أسرع»[4]. وينبّه ابن كثير إلى دقيقة في اللفظ، إذ جعل «أحسن» بمعنى «خير عملًا»، وقال: «كما قال محمد بن عَجْلان: ولم يقل أكثر عملا»[5]. فالمعيار الحسن لا الكثرة، والإتقان لا الإكثار. وأما القرطبي فيوسّع المعنى، فينقل أن «ليبلوكم» معناه «ليعاملكم معاملة المختبر، أي ليبلو العبد بموت من يعز عليه ليبين صبره، وبالحياة ليبين شكره»، وينقل عن الزجاج أن اللام تتعلق بخلق الحياة لا بخلق الموت[6]. وهكذا ترى الموت والحياة معًا يدخلان في الامتحان: هذا يمتحن الصبر، وتلك تمتحن الشكر.

وإذا تأملنا هذا القدر المشترك رأينا أن الابتلاء في القرآن ليس حادثةً تطرأ على الحياة، بل هو الغاية المعلنة لوجودها. ومن ثَمّ فسؤال «لماذا ابتُلينا؟» يُستبدل بسؤال أنفع منه: «كيف نُحسن العمل في ميدانٍ خُلق من أجل هذا؟».

بالشر والخير: ميزانٌ لا يعرف الإكرام والإهانة

ثم يأتي الاستعمال الذي يكسر تصوّرًا شائعًا في أذهاننا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٢١:٣٥). فالابتلاء يقع بالضدّين معًا. وفي موضع آخر: ﴿وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٧:١٦٨). يقول الطبري في الأولى إنه اختبارٌ «بالشر وهو الشدة»، و«بالخير وهو الرخاء والسعة العافية»، وينقل عن ابن عباس: «بالرخاء والشدة، وكلاهما بلاء»، وعن ابن زيد: «لننظر كيف شكرهم فيما يحبون، وكيف صبرهم فيما يكرهون»[7].

وتبلغ الصورة غايتها في سورة الفجر: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ (٨٩:١٥)، ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ (٨٩:١٦). تأمّل أن الفعل واحد في الموضعين: «ابتلاه». فالله تعالى يسمّي الإكرام والنعمة ابتلاءً، ويسمّي التقتير ابتلاءً، والإنسان هو الذي يقرأ الأولى كرامةً مستحقة والثانية إهانة. وقد فسّر الطبري الآية بأن الله «امتحنه ربه بالنعم والغنى فأكرمه بالمال»، فيظن الإنسان ذلك كرامةً[8]. ففي هذه الآيات تصحيحٌ لميزان القراءة: ليس الغنى علامة الرضا ولا الفقر علامة السخط، وإنما هما ظرفان لسؤالٍ واحد.

وعلى هذا الأساس بنى الراغب أحد وجوه تسمية التكليف بلاءً، فقال: «اختبار الله تعالى للعباد تارة بالمسار ليشكروا، وتارة بالمضار ليصبروا، فصارت المحنة والمنحة جميعا بلاء، فالمحنة مقتضية للصبر، والمنحة مقتضية للشكر. والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر فصارت المنحة أعظم البلاءين»[9]. وهي عبارة تستحق وقفة؛ فنحن نتهيّب المحنة ونتمنى المنحة، والراغب يقول إن الاختبار الأثقل هو الثاني. ويشهد لذلك مشهد سليمان عليه السلام حين رأى عرش بلقيس بين يديه في طرفة عين: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (٢٧:٤٠). نبيٌّ ملك، وفي لحظة التمكين لا يرى النعمة نهاية الطريق، بل يراها سؤالًا: أأشكر أم أكفر؟ وقد شرحها ابن كثير بقوله: «ليختبرني، أأشكر أم أكفر»[10].

كلمةٌ تحمل المحنة والنعمة

وفي الاسم «بلاء» ازدواجٌ دلاليّ لا يكاد يوجد له نظير. ففي قوله تعالى عن بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (٢:٤٩). نقل الطبري عن ابن عباس ومجاهد والسدي وابن جريج أن «بلاء» هنا بمعنى «نعمة»، ثم قرر أن «أصل البلاء في كلام العرب: الاختبار والامتحان، ثم يستعمل في الخير والشر»[11]. وأما الراغب فجمع القولين، إذ قال إن البلاء هنا «راجع إلى الأمرين، إلى المحنة التي في قوله… يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ… وإلى المنحة التي أنجاهم»[12]. فالآية واحدة، والكلمة واحدة، وفيها وجه الشدة ووجه النجاة.

ويبلغ هذا الازدواج ذروته في قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ (٨:١٧). فهنا «بلاءً حسنًا» لا يُراد به الشدة قطعًا. يفسره الطبري بأنه «النعمة الحسنة الجميلة»[13]. وقد أضاف ابن عاشور تحليلًا للصيغة، فقال: «والغالب أن الإصابة بشر، ثم توسع فيه فأطلق على ما يشمل الإصابة بخير»، وإن الذين استعملوه «جعلوا الهمزة فيه دالة على الإزالة أي إزالة البلاء الذي غلب في إصابة الشر»، ثم فسّر الآية بأن يعطي الله المؤمنين «عطاء حسنا يشكرونه عليه»[14]. وكأن الهمزة في «يُبلي» تنزع من الكلمة ثقل المحنة، فيبقى معنى الاختبار الجميل: عطاءٌ هو في الوقت نفسه سؤال.

وبهذا يتبيّن أن الاسم «بلاء» قد يكون محنة، وقد يكون نعمة، والجامع بينهما أنهما اختبار. وهنا يختلف المفسرون في موضعٍ حاسم: ففي قوله تعالى «إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ» (٣٧:١٠٦) يرى الطبري أنه «الاختبار الذي يبين لمن فكر فيه أنه بلاء شديد ومحنة عظيمة»، وينقل عن ابن زيد أن «البلاء في هذا الموضع الشر وليس باختبار»[15]. أما ابن كثير فيجعله «الاختبار الواضح الجلي؛ حيث أمر بذبح ولده، فسارع إلى ذلك مستسلما لأمر الله»[16]. وأرجّح، وهو ترجيح أعرضه قراءةً لا حكمًا، أن الأقرب إلى استعمال الجذر في الآية هو الاختبار البيّن، لأن الله سبحانه علّق عليه ما يُظهر نتيجته: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ (٣٧:١٠٥)، والاختبار هو الذي يُنتظر منه تصديق. لكن في قول ابن زيد تنبيهٌ إلى شدّة ما وقع، فلا يُهوَّن.

إبراهيم: من الكلمات إلى الذبح

والذي يُلفت أن النبيّ نفسه الذي مرّ بهذا المشهد هو الذي افتتح القرآن به باب الابتلاء في البقرة: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (٢:١٢٤). وبين المشهدين صلةٌ تستحق أن تُرى. فالطبري يفسّر الابتلاء هنا بأنه «اختبارا بفرائض فرضها عليه، وأمر أمره به»، ويذكر أن أهل التأويل اختلفوا في تعيين تلك الكلمات[17]. وأما ابن عاشور فيقول: «الابتلاء افتعال من البلاء… وهو مجاز مشهور فيه، لأن الذي يكلف غيره بشيء يكون تكليفه متضمنا انتظار فعله أو تركه فيلزمه الاختبار فهو مجاز على مجاز، والمراد هنا التكليف»، ويضيف أنه لا إشكال في إسناد الابتلاء إلى الله «بعد أن عرفت أنه مجاز في التكليف»[18].

وهنا يتجلى لنا وجهٌ من الراغب لا يُستغنى عنه. فهو يقرر أن الابتلاء إذا نُسب إلى الله فليس المراد منه «إلا ظهور جودته ورداءته، دون التعرف لحاله… إذ كان الله علّام الغيوب»، ويمثّل لذلك بهذه الآية نفسها[19]. أي أن المراد ظهور ما في العبد من جودةٍ أو رداءة لا استحداث علمٍ عند الله. وعلى هذا الأصل، في قراءتي، يُفهم قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (٤٧:٣١)؛ فيكون العلم هنا علم ظهورٍ ووقوع، وهو توجيه أعرضه ولا أنسبه إلى أحد. ولعل أول من ينتفع بهذا الظهور العبد نفسه، إذ يرى حقيقته بعد أن كانت مخبوءةً عنه.

ويحسن أن نلاحظ بعد ذلك ما ذكره ابن عاشور من إمكان أن يكون قوله «إني جاعلك للناس إماما» بدلًا من «ابتلى» أو تفسيرًا للابتلاء[18]؛ فالابتلاء بالتكاليف هنا يقود إلى الإمامة، لا إلى الإعنات. وإذا جمعنا هذه الآية بآية الصافات أدركنا أن ابتلاء إبراهيم لم يكن دفعة واحدة، بل مسارًا: تكاليف أُتمّت فكانت إمامة، ثم ذبحٌ استُسلم له فكان فداءً. كل ما يُتمّه العبد من الابتلاء يرفعه درجة، وهذا استنتاج أعرضه تأملًا من النصين، والمفسرون لم ينصّوا عليه بهذه الصيغة.

وجوه ثلاثة لتسمية التكليف بلاءً

ومن ثمرات هذا الباب أن الراغب لا يكتفي بالقول إن التكليف ابتلاء، بل يعلّله بثلاثة وجوه: أولها أن التكاليف كلها «مشاق على الأبدان»، فهي من هذا الوجه بلاء. وثانيها أنها اختبارات. وثالثها ما سبق من أن الله يختبر بالمسار والمضار[9]. وهذا يفسّر لنا لماذا لا ينفصل في القرآن معنى التكليف عن معنى الابتلاء: فالصلاة والصيام والجهاد وأداء الأمانة كلها أسئلة في ميدان واحد، وكل جواب منها يُظهر جودة صاحبه.

بين الابتلاء والفتنة

وقد يُسأل: أين الفتنة من هذا كله، وقد عرضنا لها في مقالٍ سابق من هذه السلسلة؟ هنا يحسن الانتباه إلى أن اللفظين يلتقيان في آية واحدة هي آية الأنبياء (٢١:٣٥) التي مرّت بنا: «نبلوكم… فتنة». وقد نقل الطبري عن قتادة تفريقًا لطيفًا: «نبلوكم بالشر بلاء، والخير فتنة»، فيما جعل ابن عباس الشدة والرخاء «كلاهما بلاء»[7]؛ وذكر القرطبي أن «فتنة» مصدر على غير لفظه، أي أن المعنى «نختبركم بالشدة والرخاء والحلال والحرام، فننظر كيف شكركم وصبركم»[20].

وأما سورة العنكبوت فتقول: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (٢٩:٢). والآية كثيرًا ما تُستدل بها على «سنة الابتلاء»، لكنّ الجذر «ب ل و» لا يرد فيها، واللفظ فيها «يُفتنون». وقد فسّرها ابن كثير باللفظ الآخر فقال إن الله «لا بد أن يبتلي عباده المؤمنين»[21]. فاللفظان متجاوران في الاستعمال والتفسير. وأميل في قراءتي، وهي قراءة لم أجد من نصّ عليها صراحةً، إلى أن «الابتلاء» هو الإطار الذي يشمل الحياة كلها وتكليفها، وأن «الفتنة» هي لحظة التمحيص التي يظهر فيها المعدن داخل هذا الإطار؛ غير أن هذا فرقٌ في الاستعمال لا قاعدة مطّردة، وللقارئ أن يراجع مقال الفتنة في هذه السلسلة ليرى تفصيل جانبها.

ما قاله النبي ﷺ

ومن السنة ما يبيّن هذا الباب. فقد روى مصعب بن سعد عن أبيه، قال: قلتُ يا رسول الله، أيّ الناس أشدّ بلاءً؟ فقال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتدّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقّة ابتُلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة»[22]. فالابتلاء هنا مقدَّر على قدر الدين، وغايته المذكورة في الحديث أن يخرج العبد منه «ما عليه خطيئة». ورواه ابن ماجه بمعناه بلفظ «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل»[23].

وأما الشطر الآخر من الابتلاء، وهو الابتلاء بالنعمة، فقد جمعه النبي ﷺ مع الأول في ميزان واحد: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له»[24]. وهو بعينه تقسيم الراغب: المنحة تقتضي الشكر، والمحنة تقتضي الصبر.

حين نقرأ الابتلاء في حياتنا

وإذا انتقلنا من النص إلى الحياة وجدنا أن لهذا الفهم أثرًا مباشرًا في التربية. فأول ما يعلّمنا إياه أن نكفّ عن قراءة أحوالنا بميزان «أكرمني/أهانني». فالمريض لم يُهَن، والغنيّ لم يُكرَم بالضرورة؛ كل منهما أمام سؤال. وليس هذا دعوة إلى الجمود أمام الألم، فقد قال الراغب إن «المحنة مقتضية للصبر»، لكنه صبرٌ يُنظر إليه على أنه جوابٌ لا استسلام.

وثانيها أن نغيّر موضع السؤال. فبدل أن نسأل: متى ينتهي هذا؟ نسأل: ما «أحسن العمل» الآن، في هذه الحال بعينها؟ والقرآن لم يجعل المعيار كثرة العمل بل حسنه، فرُبّ عملٍ قليل متقن يُظهر ما لا يظهره كثيرٌ مستعجل. وهذا ينفع الآباء والمعلمين والأئمة خاصة؛ فكم من شابٍّ يُقاس في بيئته بكثرة ما يؤدي لا بحسنه، وكم من خادمٍ للناس يُرهَق وهو ينسى أن الله سأل عن «الأحسن».

وثالثها أن نوقظ الانتباه إلى ابتلاء النعمة، فهو الأخفى. من أُتيح له علمٌ ومنبرٌ ومالٌ وصحة، فليقف عند قول سليمان عليه السلام: «أأشكر أم أكفر»، وليجعله سؤالًا يوميًا. وأخيرًا، أن نقتدي بإبراهيم عليه السلام: أن نسعى إلى إتمام ما كُلّفنا به، فهو الذي أتمّ الكلمات في الآية، ثم جاء بعدها قول ربه له: «إني جاعلك للناس إماما».

خاتمة

ثمانٍ وثلاثون مرة جاء هذا الجذر في القرآن، وفي مواضع الاختبار منها كان السؤال واحدًا وإن تعدّدت الصور: ماذا ستفعل بما أعطيناك وبما منعناك؟ فمن فهم أن الحياة والموت خُلقا ليبلوه أيّ العاملين أحسن، لم يتعلق قلبه بالرخاء ولم ينهزم أمام الشدة، وجعل ينظر في كل حالٍ إلى وجه السؤال فيها.

اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، وارزقنا عند المحنة صبر الصابرين، وعند المنحة شكر الشاكرين، واجعلنا ممن إذا ابتليتَهم أحسنوا العمل، وإذا أعطيتَهم شكروا، وإذا منعتَهم صبروا، وإذا أذنبوا استغفروا، ولا تَكِلنا إلى أنفسنا طرفة عين. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (٦٧:٢).


الهوامش

  1. بحسب مدوّنة القرآن اللغوية (corpus.quran.com، مدخل الجذر «blw»): الفعل المجرد (٢٠ موضعًا، منها ٢٠:١٢٠ «لا يبلى» وهو من البِلى لا من الاختبار)، والفعل «يُبلي» (٣:١٨٦؛ ٨:١٧)، و«ابتلى» (٢:١٢٤؛ ٣:١٥٢؛ ٣:١٥٤؛ ٤:٦؛ ٣٣:١١؛ ٧٦:٢؛ ٨٩:١٥؛ ٨٩:١٦)، والاسم «بلاء» (٢:٤٩؛ ٧:١٤١؛ ٨:١٧؛ ١٤:٦؛ ٣٧:١٠٦؛ ٤٤:٣٣)، واسم الفاعل «مبتلٍ» (٢:٢٤٩؛ ٢٣:٣٠). ولا يرد الجذر في ٢٩:٢-٣ إذ اللفظ فيهما «يُفتنون» و«فتنّا». [2]: ابن فارس، «مقاييس اللغة»، مادة «بلوى» (طبعة المكتبة الشاملة، ١/٢٩٢-٢٩٤). [3]: الراغب الأصفهاني، «المفردات في غريب القرآن»، مادة «بلى» (طبعة المكتبة الشاملة، ص١٢٧-١٢٨). [4]: الطبري، «جامع البيان»، تفسير سورة الملك ٢. [5]: ابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير سورة الملك ٢. [6]: القرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، تفسير سورة الملك ٢، ونقله عن الزجاج. [7]: الطبري، «جامع البيان»، تفسير الأنبياء ٣٥، وفيه قول ابن عباس وقتادة وابن زيد. [8]: الطبري، «جامع البيان»، تفسير الفجر ١٥. [9]: الراغب، «المفردات»، مادة «بلى» (الموضع السابق). [10]: ابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير النمل ٤٠. [11]: الطبري، «جامع البيان»، تفسير البقرة ٤٩. [12]: الراغب، «المفردات»، مادة «بلى»، في كلامه على آية البقرة ٤٩ وقد أشار فيه كذلك إلى ٤٤:٣٣. [13]: الطبري، «جامع البيان»، تفسير الأنفال ١٧. [14]: ابن عاشور، «التحرير والتنوير»، تفسير الأنفال ١٧. [15]: الطبري، «جامع البيان»، تفسير الصافات ١٠٦. [16]: ابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير الصافات ١٠٦. [17]: الطبري، «جامع البيان»، تفسير البقرة ١٢٤. [18]: ابن عاشور، «التحرير والتنوير»، تفسير البقرة ١٢٤. [19]: الراغب، «المفردات»، مادة «بلى»، وفيه الاستشهاد بالبقرة ١٢٤. [20]: القرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، تفسير الأنبياء ٣٥. [21]: ابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير العنكبوت ٢. [22]: رواه الترمذي (٢٣٩٨) من حديث مصعب بن سعد عن أبيه، وقال الترمذي: «حسن صحيح». [23]: رواه ابن ماجه (٤٠٢٣)، من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. [24]: رواه مسلم (٢٩٩٩).↩
Share this article

Comments

Share a benefit or a thought about the article — we welcome your view.

No comments published yet. Be the first to comment.

We hope the article has benefited you, and we welcome your comment and advice.

Ask the Sheikh