Whoever Relies on God, He Is Sufficient for Him
Reliance in the lives of the prophets: a heart in God’s hand, a body and mind in the field
المناسبة: خلاصة خطبة جمعة أُلقيت في مسجد AIA بتاريخ 16 أكتوبر 2026مالمصدر: تفريغ خطبة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
مظاهرات في شوارع فرنسا، وأزمات اقتصادية تهزّ القارة العجوز، وأرقام تضخّم يعلنها الاحتياطي الفيدرالي تصعد وتهبط والناس لا يدرون ما وراءها. وإذا اتسعت الدائرة رأيتَ من يشهد أن لا إله إلا الله ويموت تحت القصف في بلاد المسلمين. وإذا ضاقت عدتَ إلى البيت فوجدتَ همَّ تربية الأبناء في الغرب، وما يلقاه أولادنا في المدارس، وحملات تُشنّ على المسلمين أو تتحدث باسمهم. ومن كان هذا حاله فقلقُه طبيعي؛ فنحن بشر.
غير أن في كتاب الله جملةً يتخذها بعض الناس مسكِّنًا، وهي عند الفاهمين منطلق قوة: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3]. ثلاث جمل تنقل نظام التفكير كله من ناحية القلق إلى ناحية الإيجاب.
ثلاث جمل تختصر الطريق
«فهو حسبه»: الله متصرّفٌ نيابةً عنك، مدبّرٌ لخفايا الأمور وظواهرها، مهيمنٌ على الموقف. «إن الله بالغ أمره»: فلا يصدر أمرٌ إلا بأمره، ولا يتصرف أحدٌ في ملكه إلا بإذنه، فلا سلطان لضعيف على قويّ، ولا لفقير على غنيّ، ولا لقليل الحيلة على صاحب الأمر. «قد جعل الله لكل شيء قدرًا»: فظهور ظاهرةٍ أو شخصٍ أو كلمةٍ أو برنامجٍ أو اضطهادٍ، كل ذلك مقدَّرٌ عند ربّ العزة.
وموضع الآية في سورة الطلاق يستحق وقفة. فالأزمات التي تمرّ بالرجال تتعامل في الغالب مع عقولهم وأبدانهم؛ وقد خُلقنا رجالًا لنغالب الدنيا، ونتحدى التحديات، ونصبر على المعضلات، وننهض بعد كل وقوع، لا لنبكي ولا لننزوي. وفي هذه السورة تختلط المشاعر بأنماط التفكير: فعلاقتي بالعمل علاقة أرقام، أما علاقتي بزوجتي فـ«ميثاقٌ غليظ»[1]، فإذا وقع الانفصال بدا وكأن ربّ العالمين يقول لي إن التوكل عليه يكون في أشقّ الأوقات وأصعبها، حتى على الرجال.
توكّلٌ لا يشبه القعود
إذا تتبّعتَ سياقات التوكل في المصحف وجدتَ ألفاظه كثيرةً جدًّا، وهو وحده يرد — بحسب ما ذكر الخطيب — أكثر من سبعين مرة بصيغ مختلفة. فلنبدأ من الأول.
نوحٌ عليه السلام يقول لقومه: ﴿يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [يونس: 71]. أيُعقل أن تكون هذه كلمته الوحيدة؟ لم يكن توكّله انعزالًا عن القوم، بل جهدًا موصولًا على امتداد تسعمئة وخمسين عامًا[2]. كأنه أخذ قلبه من صدره فأودعه يد الله، ولم يبقَ بين يديه إلا بدنٌ وعقلٌ يعملان: إذا نطق القلب قال «يا رب»، وإذا تحدثت الأيدي قالت «الأسباب».
وهودٌ عليه السلام يقول الجملة نفسها ويزيد بعدًا آخر: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [هود: 56]. فما دلالة «آخذٌ بناصيتها»؟ ليس على ظهر الأرض وجهٌ، تحبه أو تكرهه، يظهر على الشاشات ويكتب التغريدات، إلا وناصيته في يد الله. يأخذ بناصية من يعتدي، ويأخذ بناصية من يصبر ويتحمل، بناصية من يتجبّر ويفتري، وبناصية من يلتمس الاحتساب منهجًا. وكل ما يدبّ، ومنه أنا وأنت، ناصيته بيده. ثم تأمّل الخاتمة: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. نردّد في كل يوم سبعة عشر مرة على الأقل «اهدنا الصراط المستقيم»، وهذه الآية تقول إن الصراط ما جعله الله منهجًا؛ ومن حاد عنه فلا يعرف التوكل.
شعيب: توكّلٌ ثم دعاءٌ ثم بذل
ولا يحسبنّ أحدٌ أنه إذا قال «توكلنا على الله» فقد أنهى الأمر ونام. هذا شعيب عليه السلام يقول: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ۚ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۚ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: 89].
لاحظ أن الجملة لم تنتهِ عند «على الله توكلنا»، بل تبعها «ربنا افتح بيننا». وهو لسان الداعية الذي يقترب من الناس ويقتحم مجالسهم ويقدّم لهم الخير. وليس التوكل أن أقول «توكلتُ» ثم أخرج إلى الدنيا أرجو من الله زبونين أو ثلاثة. فما الذي نبذله؟ هذا سؤال أكرّره على نفسي وعلى الناس: ما الذي نبذله لأجل هذا الدين؟ وفي موضع آخر يقول شعيب: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: 88]. هذا لسان القائد العامل المتحرك المؤمن بقضيته، المنفّذ لإرادة ربه، من لا يعرف إلا مصطلح «العمل» مقرونًا بالتوكل.
موسى: أن تُسلِم نفسك لا أن تؤمن بقضية فحسب
وموسى عليه السلام يضعنا في موقف محرج عندما يتحدث عن التوكل: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾ [يونس: 84]. وكم يقعدنا الخوف والتواري عن الأعين وتجنّب المواجهات! «لا نريد صدامًا مع أحد، نختبئ ونأكل عيشنا، جئنا إلى أمريكا لنجمع قرشين ونعود». هذا الذي يقعد بنا.
وانظر كيف قال: «إن كنتم مسلمين» ولم يكتفِ بـ«مؤمنين». فلفظ الإسلام في بعض مواضعه أشدّ نطقًا بالحق من لفظ الإيمان. كثيرون يؤمنون بقضايا ولا يتفاعلون معها، وفارقٌ بين من آمن بقضية ومن أسلم نفسه لها. شرط الإسلام أن تُسلِم نفسك: ألّا يكون لك في ذاتك اختيار، لا في اختيار الزمان ولا المكان ولا الأداة ولا الفعل. يأتيك الأذان فيغيّر نمط تخطيطك اليومي. وتُتاح أمامك الخيارات فتقول: هذا حلال أقبله، وهذا حرام لا أقربه، وهذه وسيلة لكسب المال مرفوضة، وهذا فيه شبهة فأتورّع عنه. ذلك هو الإسلام.
الرسل ويعقوب والرجلان: الأخذ بالأسباب ثم التوكل
وعلى لسان الرسل لأقوامهم في سورة إبراهيم: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: 12].[3] ما فعلناه اليوم لا يزيد على جمع بعض الجمل القرآنية في موضوع واحد، فإذا أمامك خريطةُ طريق: المؤمن الحق هو من يملك زمام قلبه، ويتحرك في المجتمع بقوة يستمدّها من الله.
ويعقوب عليه السلام كان يومًا عاجزًا عن كل الأسباب، وقد سُلِّم الأمر تمامًا ولم تبقَ له حيلة، ومع ذلك قال لبنيه: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: 67]. أخذ بالسبب، ثم رفع الأمر إلى الله.
وفي الموقف الصعب يقول الرجلان اللذان أنعم الله عليهما: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 23]. «ادخلوا»؛ أي لا تقعدوا في البيوت. فنحن في ساعات الأزمات، وفي أوقات الاضطراب وغياب الارتكاز على الحقائق، ليس بين أيدينا إلا الله. لكن يبقى السؤال: ما الذي نبذله؟
أين أسماؤنا من المجتمع؟
متى يكون لأسمائنا جميعًا مكانٌ معتبَر داخل هذا المجتمع؟ لا ينبغي أن نظن أن أقصى ما نفعله أن نقف عند صندوق انتخاب. المطلوب حضورٌ حقيقي في تفاصيل المجتمع، ومشاركةٌ تتضاعف مرةً بعد مرة. وربما كان ذلك سبيلًا إلى مزيد من التحديات، لكنه طريق الأنبياء والمرسلين، ولن ننال الجنة بهذه السهولة.
الحيّ الذي لا يموت
وفي الأمر المباشر بالتوكل يقول ربنا: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ۚ وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: 58]. وجه الدلالة: أن الناس كلهم يموتون: رئيسٌ ونائب رئيس ووزير حرب ووزير دفاع وأستاذ ومستشار ووالٍ، يبلغ الواحد في طغيانه وافترائه وتعدّيه وضرباته ما يبلغ ثم يموت، أما أنا فأتوكل على الذي لا يموت.
وهذه الآية عجيبة؛ لا تحسن أن تربط بين جزئياتها إلا بالإيمان: «وتوكل» ثم «وسبّح بحمده» ثم «وكفى به بذنوب عباده خبيرًا». وعلاقة الذنوب بالتوكل واتباع الأسباب أن من أحسن تجنّب ذنبه التفتَ إلى طاعته، ومن التفت إلى طاعته التمس أعظم السبل إلى الجنة، ولا أعظم من طريق الدعوة بكل ما فيها من صعوبات.
ومثلها في هود: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: 123]. لا يحدث في ملك الله إلا ما يعلمه، ولا يكون في خلقه إلا ما يريده، ولن نواجه شيئًا إلا وهو من رزقنا. فتوبوا إلى الله من الشعور بالخوف، توبوا إلى الله من الركون إلى غير قدرته، توبوا إلى الله من عدم اتباع الأسباب والتفاعل. أثبتْ وجودك في المكان الذي أنت فيه.
لا تستهن بسبب
رسولنا ﷺ لم يكف عن المشاركة مع الناس في تفاصيل حياتهم ما دام رسولًا، ولم تقعده الأحداث ولا الاعتداءات. فأثبتْ وجودك بما ملكتَ من سبب. وأضرب لك مثلًا بسيطًا يضحك منه الناس: تخيّل أن يقول أحد: «والله فريق العمل معي أسلم بسبب الحلوى»! كيف؟ كل يوم آخذ في جيبي شيئًا من الحلوى فأُدخل به ابتسامة وأقول تسبيحة، فيسأل الناس: ما هذه الحلاوة؟ من أنت؟ فأقول: مسلم، ومعه أخلاق، وصلواتٌ على أوقاتها، والتزامٌ بالأدب وغضٌّ للبصر واحترامٌ للناس، فيشهد أنْ لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسول الله. ضربتُ هذا المثال لنتعلّم منه ألا نستهين بسبب: أثبتْ وجودك في نفسك يثبّته الله في نفوس من حولك، وطبّق الإسلام في خُلقك يؤثّر الله به فيمن حولك، ولا تستهن بلفظة تتردد على لسانك، فإن صداها في قلوب من حولك.
وتذكّر أن نداء الإسلام في أول أمره كان كلمةً نطق بها النبي ﷺ على ظهر الجبل: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا وراء هذا الوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدّقيَّ؟» قالوا: ما جرّبنا عليك كذبًا قط.[4] ثم نادى فيهم بالإسلام. فانظر ما أودعتَه في نفوس الناس من نفسك: هل لم يجرّبوا عليك كذبًا قط، ولا خيانة، ولا التواءً، ولا غشًّا ولا تزويرًا؟
ما بين يديك
ما مكّننا الله به من أسباب سنُسأل عنه بين يدي الملك الوهّاب. فاللهم استعملنا بما أودعتَ لنا من أسباب في حياتنا، وأرِنا من أنفسنا بين يديك خيرًا. اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى نزغات شياطيننا ولا إلى أهواء نفوسنا، وثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، واحفظ دماء المسلمين في كل موطن من مواطن الأرض.
--- [1]: توثيق المحرر: يشير الخطيب إلى معنى قوله تعالى في عقد النكاح: ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 21]؛ وعبارة التفريغ هنا مشوّشة، فاقتُصر على المعنى. [2]: توثيق المحرر: وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: 14]. [3]: توثيق المحرر: نسب الخطيب هذه الآية إلى إبراهيم عليه السلام، والصواب أنها من قول الرسل لأقوامهم في سورة إبراهيم. [4]: توثيق المحرر: أصل القصة، وهي نداء النبي ﷺ قريشًا من على الصفا، متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: رواه البخاري ومسلم. وألفاظ الروايات متقاربة، والمثبت هنا لفظ الخطيب.
Comments
Share a benefit or a thought about the article — we welcome your view.
No comments published yet. Be the first to comment.