The Lasting Good Deeds Are Better
What did you eat yesterday, and where is it today? And what truly remains of a lifetime
المناسبة: خلاصة خطبة جمعة أُلقيت في أكاديمية الأئمة بتاريخ 13 مايو 2022مالمصدر: تفريغ خطبة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
ماذا أكلتَ بالأمس؟ إن كنت تذكر، فأين هو اليوم؟ عُدْ بذاكرتك إلى أسبوع مضى: ماذا أكلت، وأين ذلك الطعام؟ ثم إلى عام، وخمسة أعوام، وعشرة. أكلنا من الطعام كمًّا هائلًا ثم ذهب كله.
وبهذا السؤال البسيط يتأمل الخطيب في آية يكررها القرآن في موضعين: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: 46]، و﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا﴾ [مريم: 76]. وفي سياق الكهف خاصة، كما يلفت، أن الله أورد قصة صاحب الجنتين، ثم أعقبها بضرب مثل الحياة الدنيا، ثم قال: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 46].
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ونبيه ورسوله ﷺ. أما بعد:
رجلٌ ظنّ أن الدنيا لن تزول
يفهم المتأمل من السياق أن الله أرانا نموذجًا لرجل تعامل مع الحياة على أنها كل شيء؛ ادّخر لها وعشقها وعاش لأجلها وحدها، بل توهّم أنها لن تزول من بين يديه: ﴿مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف: 35-36]. وهكذا تصوّر كثيرٌ منا اليوم حين يعيشون دنياهم بهذا الشغف. ثم يرينا الله كيف أن الدنيا التي اخضرّت وازدهرت في عين صاحبها صارت مندثرة تحت قدميه ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: 40]، لا أثر فيها ولا عين باقية.
ثم ضرب الله لنا المثل حتى نفيق: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾ [الكهف: 45].
ماءٌ نزل من السماء
يرى الخطيب في هذا الماء تشبيهًا مبسّطًا جدًّا لمصدر الرزق الذي بين يديك، طبيبًا كنتَ أو أستاذًا جامعيًّا أو مدرّسًا أو فلكيًّا؛ فلكلٍّ مصدرٌ يمثل الماء الذي أنزله الله ولم تصنعه أنت. ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾: اختلطت به الأطعمة والأشربة في البيت، ونفقات الزوجة والعيال، ومتطلبات المدارس والطلاب، وما تلبس وما تأكل وما تنام عليه، كل شيء. ثم ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا﴾.
وهو لا يريد أن يقول إن ذلك بالموت أو بذهاب النعمة بالكلية. لكن عدْ إلى سؤال الطعام: كل ما أكلناه مضى. ومع ذلك فاللقمة التي أكلتَها فأثمرت في بدنك طاعةً صارت من الباقيات الصالحات. والقرش الذي أعطيتَه لولدك لتنمّي فيه مهارة أو تكسبه عادة حسنة، صارت باقيات صالحات؛ لأننا قسنا على الطعام ورأينا كيف اندثر، ثم نظرنا فيما بقي منه أثرًا.
وانظر في سجل نفقاتك خلال الحياة: دفعات البيت، والأكل والشرب، والكهرباء والماء والغاز. احسب حساباتك لعشر سنين وانظر كم أنفقتَ، مئات الآلاف. أتدري لماذا نشتكي الفقر؟ لأننا لا ننظر إلا إلى اللحظة التي نعيشها. لو راجعتَ ما أنفقتَه في الأسفار، والهدايا، والطعام، والملابس المكدّسة عندنا كأنها أكوام، لرأيت أن كل ذلك ثراء. لكن هل هو من الباقيات الصالحات أم ليس منها؟ هذا هو الفيصل عند المسلم وعند غيره.
كيف فسّرها النبي ﷺ؟
ومما يرويه الخطيب في تفسير الباقيات الصالحات عن النبي ﷺ: «خُذُوا جُنَّتَكُمْ». قالوا: يا رسول الله، أمِن عدوٍّ قد حضر؟ قال: «لَا، وَلَكِنْ خُذُوا جُنَّتَكُمْ مِنَ النَّارِ». قالوا: وما جنّتنا من النار؟ قال: «سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ؛ فَإِنَّهُنَّ يَأْتِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُنَجِّيَاتٍ وَمُعَقِّبَاتٍ، وَهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ»[1].
فمفهومٌ من كلامه ﷺ أن الباقيات الصالحات هذه الكلمات الأربع. فكيف نوفّق بين هذا وبين أن اللقمة قد تكون من الباقيات الصالحات وقد لا تكون؟ يجيب الخطيب بمنتهى البساطة: إذا سبّح العبد ربّه عظّمه فوق كل مراد له في الحياة، فصارت كل نفقة منه لأجل من يسبّحه، فتحولت الحياة كلها إلى باقيات صالحات. وإذا حمد العبد ربه رضي بما بين يديه، فلم ينتهز الفرص ولم يستغل إمكانات الخلق ولم يكن جشعًا، بل كان متواضعًا في طلباته يكفيه القليل ويعمل الكثير، فعمّت الدنيا بوجوده. وإذا كبّر استشعر أنه ينتسب إلى القوة العظمى التي لا قوة مثلها، فكان في الدنيا أقوى من أي أحد، يجترئ على المصاعب ويخترق المشاق، لأنه يستند إلى الله الأكبر. فإن أصابته مصيبة أو أوقفه عائق جاءت «لا حول ولا قوة إلا بالله»، لأنه حين تحرك لم يتحرك بذاته، وإنما بإمداد الله له.
ذكرٌ بلا أثر
وليست الباقيات الصالحات، يقول الخطيب، ترديد الذكر في الخلوة ثم لا شيء بعد ذلك. وهو لا يحب هذا أبدًا: أن يجلس الرجل من فجره إلى الضحى يقرأ ويسمع القرآن، ثم إذا عاد إلى بيته سبّ امرأته ولعنها وأساء إليها. ما الذي أثمرته كلمات الذكر في نفسك؟ هل وضعتَ الذكر في أرض سبخة لا تستجيب، أم في أرض صلدة تقاوم الزرع ولا تخرج نبتًا؟ تصوّر رجلًا يقف في الصف فيبكي بكاءً شديدًا من تأثره بالآيات، ثم تراه يعامل الناس بالدينار والدرهم في أسوأ ما يمكن، أو يخلف مواعيده ولا يصدق في واحد منها، أو لا يوفّي الناس بكلمة طيبة. أيّ باقيات صالحات هذه؟ وأيّ ذكر أثّر في حياته؟
وما من ذكر نصّ عليه النبي ﷺ إلا وفي ترتيب كلماته وفحواه واختيار ألفاظه أثرٌ عظيم في حياة المرء. إن الذكر الواحد قادر على أن يغيّر معالم شخصيتك تمامًا، وكأنك خلق آخر، بشرط أن تستوعب دلالة الكلمات وأن تكون لديك القابلية للتأثر. فالباقيات الصالحات كلمات، لكنها لا بد أن تتحول إلى أثر.
لكل غاية ثمن
الغايات عند الناس مختلفة باختلاف صنائعهم وأمزجتهم، ولكل غاية ثمن ولكل هدف طريق. والوصول إلى الهدف يحتاج إلى جهد. من أراد الجنة فكانت له هدفًا فلا بد أن يبذل لها، وإلا فهو يكذب على نفسه ويكذب على الله.
وها هو مثال يسير على من يترك وراءه أثرًا حقيقيًّا: أستاذ جامعي يرى طالبًا نابغًا يجلس إلى جوار الحائط مهمومًا، فيسلّم عليه فلا يردّ، فيقترب منه ويربّت على كتفه. فيعتذر الطالب أنه ما انتبه، ويقول إن الحال المادية ومتطلبات الجامعة تثقل عليه. فيقول له الأستاذ: لا تحمل همًّا، ثم يكلّم إدارة شؤون الطلاب ويتكفل بهذا الولد أربع سنوات أو خمسًا. فتمر الأيام ويتخرج الطالب كما ظنّ فيه أستاذه، ثم يصير أستاذًا في الجامعة نفسها، وإذا ابن ذلك الأستاذ الأول يدرس فيها فلا يجد هَمًّا في تسهيل أموره. لقد ترك باقيات صالحات حين ترك لولده مثل ما صنعه في حياته. وكذلك من تكفّل يتيمًا حتى صار رجلًا قويًّا قادرًا على الإنتاج، ومن علّم طالب علم. أمثلة كثيرة معلومة لدى الجميع.
المال والبنون زينة
ويتأمل الخطيب في الآية: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. ذُكر «المال» بصيغة المفرد لأنه مهما كثر فهو قليل؛ من كان عنده مائة ألف طمح إلى مائتين، وإذا بلغ المليون رنّ المليار في رأسه كالنحلة، ولا يكتفي. حساب في البنك قدر كذا وبطاقة في الجيب ولا يشعر بشيء. وجُمع «البنون» لأن الفرحة بهم أسعد، واستشعار العزّ بوجودهم أقوى؛ ترى رجلًا فقيرًا جدًّا يفاخر دائمًا بعياله، وترى رجلًا غنيًّا جدًّا لا عيال له مطأطئ الرأس في غالب أحواله، ليس عنده من يحمل معه هذه التركة العظيمة.
فإن قلتَ: كيف يكونون زينة وهم سندي في عاجل أيامي؟ فانظر ماذا يصنع ولدك إذا تألمتَ. غاية ما يفعله أن يقول: سلامتك يا أبي، لا بأس عليك، أسأل الله أن يشفيك، أو يحضر لك طبيبًا. وماذا يستطيع الطبيب؟ يعالج بمسكنات، ويبقى الألم الذي لا يشاركك فيه أحد على الإطلاق. بذل لك الابن كل الإمكانات المادية والطبية، وبقي فيك الألم صنعةَ رب العالمين. ثم إنك ربيت ولدك وشيّدت بنيانًا عظيمًا من البشر، وجاءت بنت الحلال فأخذته إلى بلد آخر أو شغلٍ في مكان آخر. وأغلب الحاضرين، لا أريد أن أحصي نسبة، بعيدون عن أهاليهم، تركناهم خلف ظهورنا وانطلقنا في الأرض، منا من سعى لله ومنا من سعى لدنيا ومنا من سعى هربًا من شيء.
فالمال والبنون زينة، كالحُليّ يُركَّب على الثوب؛ إن انتُزع لم يؤثر في أصل الثوب، وإنما هو زينة مكمِّلة للشكل العام. وبقي ما عندك أنت، بنيانك من داخلك. فإن كانت لنا باقيات صالحات فلتكن في عمل صالح.
أنفع الناس للناس
وفي الخطبة الثانية يروي الخطيب حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ فسأله: أيُّ الناس أحبُّ إلى الله؟ ويقف أولًا عند علوّ طموح هذا السائل، الذي يريد أن يرتقي إلى أحبّ الأعمال إلى الله، عينُه فوق ما تقع عليه أعين بقية الخلق. وكذلك كانت نظرة الصحابة إلى السماء مباشرة، فلم يقف أمامهم حدٌّ في أبدانهم ولا قلوبهم ولا عقولهم، واكتسحوا الدنيا لأنهم يرمقون السماء.
فقال النبي ﷺ: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ»[2]. ويلاحظ الخطيب أن السؤال في بعض الروايات عن الأعمال، ومع ذلك يحدثه النبي ﷺ عن الناس، وكأنه يقول له: قبل أن تصنع عملًا لا بد أن تصنع ذاتك، وتغيّر نفسك أولًا حتى تكون قابلًا لأن تعمل. وهو يمثل لذلك بجهازٍ لا يعمل منفذه مع جهاز آخر حتى نأتي له بمحوّل؛ فقبل أن يصدر من الصحابي عمل صالح تحتاج الوصلة الموجودة بالداخل إلى بعض التعديل.
ثم قال ﷺ: «أنفعهم للناس»، ولم يقل: أكثرهم أخذًا من الناس. فإن كانت اعتباراتك تجاه السماء فابذل ما بين يديك لرب العالمين، وليكن خيرك على من حولك يكن خير الله عليك، فربك يعطي بقدر ما تعطي العباد حولك. والوالد العاقل يحب من أبنائه أكثرهم حبًّا لإخوته. كان يوسف أحبّ إلى أبيه، وكان الباقون ناقمين، وكان في نفس الأب أَلَمٌ من ولدٍ انتهازي يريد أن يحصل على أكبر قدر، يأخذ المصروف أولًا ويجري يخطف الشيء الكبير وينتقي الحلوى، يعامل إخوته كأنهم في غابة. فتخيل ماذا يصنع رب العالمين بأحب الناس إليه، الذي هو أنفع الناس للخلق.
خاتمة: اترك وراءك شيئًا
اللهم انفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا، اللهم دلنا على الخير ومواطنه واجعلنا من أهل السبق إليه، اللهم نعوذ بك من السلب بعد العطاء ولا تحرمنا ما وهبتنا، اللهم لا تخزنا ولا تفضحنا لا في الدنيا ولا في الآخرة.
وقال في كلمة بعد الصلاة: احرص ألا تموت إلا وقد تركتَ وراءك شيئًا.
--- [1]: توثيق المحرر: أخرجه الحاكم والنسائي في الكبرى بنحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه عندهما: «فَإِنَّهُنَّ يَأْتِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُقَدِّمَاتٍ وَمُعَقِّبَاتٍ وَمُجَنِّبَاتٍ، وَهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ»؛ وكلمة «منجيات» وسياق الأسئلة من لفظ الخطيب، فالمثبت نقلٌ بالمعنى. [2]: توثيق المحرر: رواه الطبراني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وقد حسّنه بعض أهل العلم؛ ولفظ الخطيب مختصر.
Comments
Share a benefit or a thought about the article — we welcome your view.
No comments published yet. Be the first to comment.