Wakeful Consciences
What moved Ibrāhīm, Hājar and Ismāʿīl? A conscience that never slept
المناسبة: خلاصة خطبة جمعة أُلقيت في AIA Masjid بتاريخ 15 مايو 2026مالمصدر: تفريغ خطبة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
هناك سؤالٌ خالد عبر الزمن: ما السرّ في هذه البقعة؟ ما موطن الإثارة الذي يجعل القلوب تهفو إليها والعقول تتعلق بها، والنفوس لا تكفّ عن الذكر والاشتياق؟ وموسم الحج على الأبواب، ينتقل فيه الناس من آفاقٍ بعيدة إلى رحاب بيت رب العالمين، نسأل الله أن يبلغنا إياه. وقد اخترتُ لخطبة اليوم عنوانًا يناسب ما نحن مقبلون عليه: «الضمائر اليقظة».
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيدنا محمدًا عبده ونبيه ورسوله ﷺ. أما بعد،
فقد دارت حركةٌ عبر آلاف السنين، لمجموعة قليلة جدًّا من الأفراد، في بيئة خالية من الزخم والزحام: منطقٌ بسيط ولغةٌ يسيرة وهدوءٌ في كل حركة، وتركيزٌ تام على ما يجري على أرض الواقع، لا مشوِّشات إلا يسيرها. وكان في مركز هذه الحركة إبراهيم عليه السلام، ثم هاجر، ثم إسماعيل. وأريد أن أقف عند شيءٍ واحدٍ يجمعهم: الضمير.
بشارةٌ تختبر القلوب
جاء إبراهيم عليه السلام أمرٌ بالبشارة، وقبول البشارات نوعٌ من الاختبار. فمن الناس من يُبشَّر فيطمع ويطلب المزيد، ومنهم من يُبشَّر فيجزع لأن ما بُشِّر به أقل من طموحه، ومنهم من تكون عينه على المعطي لا على العطاء، فيرضى به قلَّ أو كثر، وتأخّر أو تقدّم، ويقدّر حكمة معطيه. ولذلك ترى إبراهيم عليه السلام لم يعلّق على بشارته بولده بشيء، وإنما علّقت امرأته: عجوزٌ لا منطق في الأمر. وكأن ضمير إبراهيم يتحرك في داخله بالطمأنينة والاستقرار: نعمة ربي لا أردّها ولا أنكرها ولا أتعجّل لها، وإن كنت أتلهّف إليها.
وادٍ لا شيء فيه
ثم تمضي أيامٌ قليلة، ويؤمر هذا الشيخ أن يأخذ الرضيع وأمَّه إلى أرضٍ ليس بها شيء. لا طائرات إنقاذ ولا عمليات دعم ولا اتصالات فورية ولا رادارات تراقب. قدرٌ من الماء في وعاء سيُنفَد بعد حين، وطعامٌ لا يُدرى كيف يُحفظ. والمشهد في ذاته، إذا نظرت إليه عقولٌ لا تتعلق إلا بالمادة، عملية انتحار متعمدة، أو رجلٌ يقتل امرأته وولده بأن يتركهم هناك وينصرف: قتلٌ مع سبق الإصرار. هكذا تفكّر العقول البشرية المجرّدة. لكن للمؤمن ضميرًا عاهد الله على الالتزام بما يأمره به، وإن كان قاسيًا على النفس، وإن لم يستوعبه حالًا ومنطقًا. آمنتُ، وللإيمان لوازم، أولها التسليم. والتسليم لا يعرف: لِمَ، ولا كيف، ولا متى، ولا ماذا؛ فهذه أسئلة لا تصلح مع التسليم أيًّا كان حكم الله وقضاؤه. آمنتُ فحسب.
ثم تتجدد اللحظات، ونرى الرجل يذهب ويأتي بين حينٍ وآخر، لا أحد يعلم متى إلا الله، لكنه يسير بحركةٍ أوامرها تصدر من السماء. ليست المرأة أعزَّ عليه من أمر الله، ولا الولد أشدَّ تعلّقًا به منه. يمضي في بوصلةٍ تحرّكها السماء، وضميره لا يدعه يتصرف بما يخالف أمر الله ولو للحظة.
وهنا تنتقل بعقلك وقلبك إلى امرأة صارت وحدها، وعنوانها التسليم. تسأل: إلى من تتركنا؟ ثم تسأل: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا.[1] لماذا صدر منها هذا السؤال؟ لأنها عرفت أن زوجها لا يتحرك من تلقاء نفسه، وأنه عندها مصدر الثقة، لا يتصرف بعشوائية ولا يتحرك من رأسه، وإنما هو رجل مسلم مسالم يعيش الحياة تحت هدي الله. فجاءها الجواب: نعم. فكان جوابها الأعجب: إذن لن يضيعنا. أيُّ ضمير في داخل هذه الإنسانة يجعلها تتلفّت حولها فلا ترى شيئًا إلا فضاء الله وسعة كونه، ومع ذلك تسلّم، لأن كلمة خرجت من لسان زوجها: الله أمرني؟
ويعود فيرى المرأة كما تركها: بعفّتها وصونها لنفسها وحفظها لولدها، ومتانة دينها وقوة شخصيتها. لم تنحرف لأن زوجها غائب سنواتٍ أو أشهرًا كثيرة، الله أعلم. وتدرون كم تستوعب المسافة سيرًا على ناقة أو فرس من الزمن، فكيف بمن خرج لمهمةٍ ورسالة لا يدري متى يعود، ولن يعود إلا بعد أن ينفّذها؟ وكانت المرأة وحدها، ليس معها إلا هذا الوليد، وكان الذين جاؤوا بعد ذلك لوجود الماء. كيف كان يتحدث ضمير الأمومة، وكيف كان يتحرك وازع التدين في هذه النفس التي صانها الله؟ لم تحرّكها أسباب الفتنة لتنظر يمنةً أو يسرة، ولا لتغيّر قراراتها في الحياة. إنها أَمَةُ الله، وليست أسيرة الجسد ولا الشهوة. لم تتحول إلى متصفّحة للشاشة، تراقب المشاهد المخلّة أو المتزنة، وتستمتع بلحظات الحب والهيام التي تدور بين ممثلين على شاشةٍ صغُرت أو كبُرت. لم تفعل ذلك، وإنما وقف ضميرها.
ثم يأتي الأمر بالذبح
وبعد أعوامٍ طويلة يأتي أمرٌ آخر: يزورنا إبراهيم عليه السلام برسالةٍ جديدة، مأمورٌ فيها بأن يذبح ولده بعد هذا العمر. هو رسولٌ من أولي العزم، يستوعب الأمر الإلهي ويلتزم به وينفّذه، لا يتأخر ولا ينحرف ولا يجادل ولا يناقش. مع أن الأعذار كثيرة، وهو شيخ المنطق في العالم، الذي علّم الدنيا كيف يكون الحوار وكيف تكون أساليب الإقناع وكيف يجري السياق إلى حيث يريد، ولكنه لم يناقش ربه في حرف. ولو شاء لتأخر في التنفيذ حينًا عسى أن يلطف الله به، لكنه لم يفعل.
ولو قلنا إن هذه الأم عاشت زمنًا طويلًا مع نبيٍّ من أنبياء الله، فاكتسبت من شخصيته وتشرّبت من سماته واعتادت على نمطه، لقلنا إنها في المستوى نفسه من التسليم. لكن ما لنا بغلامٍ عاش منذ الصغر معتمدًا على ذاته بإذن ربه، يزوره والده بين الحين والآخر يتفقد حاله، ثم يأتيه أمر: إنك الليلة مذبوح؟ ما المنطق؟ لكن إسماعيل عليه السلام رُبّي قبل كل شيء على ضميرٍ يتحرك في داخله.
«بل الإنسان على نفسه بصيرة»
وحين تفتح المصحف وتنظر في الآيات التي تتحدث عن قضية الضمير، تجد قول الله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: 14-15]. في سورة القيامة، وهي من أسماء اليوم الآخر. فالضمير لا يتحرك وهو نائم، وإنما لا بد له من قيامٍ متقد ويقظةٍ مستمرة. والإنسان على نفسه بصيرة: عينه مفتوحة لا إلى الخارج، لا إلى لون ثيابك أو أحوال الناس، وإنما إلى الداخل. ولو كانت الكلمة «مبصِر» لوفت بالغرض، لكنها «بصيرة»، والبصيرة تعني الاستيعاب الكامل لكل جزئيات ما بين يدي، فأنا أعرف نفسي وحركتها وتقلباتها وميلها واعوجاجها واستقامتها. ولما علم ربنا منا التماس المعاذير مع كل تكليف يأتينا، أردف الآية الأولى بالثانية: ﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾.
ثم يأتي أمرٌ آخر: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: 16-19]. فما الرابط؟ كأن ربي يعلّمني أن هذا نموذج الهمّة التي تتحرك بها الضمائر اليقظة. فرسولنا ﷺ لم يكن يصبر حتى يفرغ جبريل من وحيه، فيريد أن يلاحقه حرصًا على ألّا يفوته شيء، وربنا يقول له: سنودعك كل شيء. وذاك هو الضمير الذي يحرص على استقامة المعنى وقوام المبنى. هو الضمير الذي لا يتحرك فقط، بل يحرِّك أيضًا.
ثم: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ [القيامة: 20]. هنا تُفتَك الضمائر. أموالٌ كثيرة، وبريق الذهب، ولمعان الفضة، وإثارةٌ من الدولار معبود الجماهير، تجعل العاجلة تُسكت الضمير: انتظر قليلًا ونتكلم لاحقًا. تُسكت الضمير وتُخرس الألسنة، وتدفع الشهوة إلى مزيدٍ من التحصيل، مبرَّرًا كان أو غير مبرَّر. والسورة نفسها افتتحها ربنا بقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 1-2]. فاحتمال الخطأ في حياتنا ليس مستبعدًا، لكن المستبعد ألّا يصاحب الخطأ ضميرٌ يوقف صاحبه بين الحين والآخر: انتبه يا بني، فهناك مؤشرٌ يصدر إنذارًا. وهذا المؤشر هو الضمير.
ضمير حيٌّ يصنع العزة
من مات ضميره فقد مات مع إيقاف التنفيذ لبقية جسده. ومن حيَّ ضميره فهو حيٌّ وإن تعطّل جسده عن الحركة. ومن استنفر الضمير في نفسه عاش عزيزًا طوال حياته، لا يموت ولا يذلّ، لأنه متصل بالسماء، ومداده من ربه وزاده من خالقه، لا يحتاج إلى يدٍ تمتد إلى الناس، وإنما يده دائمًا ترتفع إلى الأعلى، لا تتلقى على المستوى الأفقي وإنما تتلقى من السماء. وذاك أعظم عطاء يحصّله إنسان في الحياة.
وأصحاب الضمائر تراهم بين الحين والآخر يعتزلون الناس، ولا يصبرون على كثرة المخالطة. وإني والله لأحسّ بذلك الصحابي الذي جاء إلى النبي ﷺ يقول: يا رسول الله، أردت أن أعتزل الناس وأبقى في بيتي. فصبّره النبي ﷺ بما يحمله على مزيدٍ من المجاهدة والمثابرة، فمخالطة الناس والصبر على أذاهم خيرٌ لك،[2] وكأنه يقول له: استعن بالله فالمدد من عنده.
وضمائرنا نحملها كآباء لا نضيّع عيالنا، وكأزواج لا نضيّع نساءنا، وضمائر أخواتنا كزوجات لا يضيّعن رجالهن، وكأصحاب أعمال، مالكين كنا أو عاملين، وكأصحاب رسالة عن الإسلام في هذه الأرض. لا يغيبنّ ذلك عن ذهنك. نحن لسنا هنا للقمة ستذهب إلى موطنٍ أسوأ من الذي دخلت منه إلى البدن، ولا لأموالٍ يعرفون كيف يعطوننا إياها ويأخذونها مرة أخرى، ولا لمتاعٍ من الدنيا، فالأجساد مهما تمتّعت ستعود إلى ما تحت التراب. نحن هنا لغاية، ومن ضاع هدفه ضاعت هويته، ومن ضاعت هويته ضاع في وسط بقية الناس.
والعبادات كلها منظومة تعمل في المقام الأول على إيقاظ الضمائر. أمرك الله أن تأتي إلى المسجد خمس مرات في اليوم والليلة، فتتوقف حياتك كلها، كأنه «ريفريش» يعيد إلى وعيك إنجاز ضميرك. وفي الصلاة تراقب الكلمة والحركة والسكنة والوقفة والركعة والسجود، وتراقب الآيات التي تتلوها، وتعلم ما الذي يفسد صلاتك وما الذي ينقذها، وهو إيقاد للوعي يحدث خمس مرات في اليوم. ثم تأتيك دورة تدريبية في السنة، يأمرك الله فيها أن تمتنع عن الحلال ليستيقظ فيك هذا الضمير فيحيا مرة أخرى. فإذا استقام الضمير استقامت الحياة، وانضبطت بوصلة الدنيا، وبلغ العبد مراده في إقامة ذاته بين يدي الله.
الصبر قليلًا
يا إخواني، يبذل الواحد منا حياته منذ الصف الأول الابتدائي إلى أن يتحقق مراده يوم يحصل على شهادة الدكتوراه. يتصور كل هذا الزمن لأجل هذه اللحظة، فما بالنا لا نتصبّر بقليل إلى أن نبلغ موطن الكرامة بين يدي الله؟ وإني أعظ نفسي قبل غيري: إن كانت بين أيدينا شبهة من مال فتركها لأجل الله أعزُّ وأكرم. وإن كانت بين أيدينا غواية تلفتنا عن بيوتنا فالاستعصام برب العالمين أوجه وأبلغ. وإن كانت غواية لشهوةٍ أو انحرافٍ في سلوك مما لا يعلمه إلا الله، فالتصبّر أحلى مذاقًا عند العاقبة وأرجى ثوابًا عند اللقاء الأعظم. حين تلقى الله وتقف بين يديه، يسدل عليك من ستره ويغمرك برحمته، ويذكّرك بما كان سترها عليك في الدنيا، ويقول: وأنا اليوم أسترها عليك،[3] انطلقوا به إلى الجنة. ويقال لك: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: 73]. فلا تبتغوا غرضًا غير هذا. ولو جاء الذين ماتوا مرة أخرى لحدّثونا عن حقارة الدنيا. ونحن كلما كبرنا في السن ازداد الرشد وتعددت المواهب الإدراكية لحقيقة الحياة، فنضحك اليوم على ما كنا نتشاجر عليه بالأمس. والإفاقة العاجلة خيرٌ من الندم الآتي.
اللهم إنا نسألك ألّا تميت لنا ضمائرنا، وأن توقظها في نفوسنا ما حيينا. ربنا حُل بيننا وبين ما يغضبك، وسلّم لنا قلوبنا، واحفظ علينا عافيتنا. اللهم آمنّا في أنفسنا وأهلينا، وأسدل علينا سترك، واجبر كسرنا وخواطرنا يا أرحم الراحمين. اللهم ارزق فلسطين وأهلها سترًا وعونًا، وكن لكل مستضعف في الأرض، واحفظ دماء المسلمين في كل موطنٍ وحين، وثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
--- [1]: توثيق المحرر: رواه البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قصة إسكان إبراهيم عليه السلام هاجر وإسماعيل بمكة، وفيه قولها: «آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا». [2]: توثيق المحرر: لم يعيّن الخطيب الواقعة. وفي معنى ذلك حديث: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» رواه الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما (وفي لفظ ابن ماجه «أَعْظَمُ أَجْرًا»). [3]: توثيق المحرر: في معنى حديث ستر الله على عبده يوم القيامة: «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»، متفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
Comments
Share a benefit or a thought about the article — we welcome your view.
No comments published yet. Be the first to comment.