A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Text size
Back to articles
Series · Episode 40
Concepts of Faith
Concepts of Faith

Dhikr in the Qurʾan: A Presence Set Against Forgetting

A Presence Set Against Forgetting

Dr. Ahmed Abouseif•October 18, 2026•11 min read

سأل موسى عليه السلام ربَّه سؤال العبد الذي أثقلته النعمة وأراد أن يؤدي حقَّها: «يا رب، كيف أشكرك؟». ولم يأتِه جوابٌ في صورة وظيفةٍ معقدة، بل في كلمتين: «تذكرني ولا تنساني، فإذا ذكرتني فقد شكرتني، وإذا نسيتني فقد كفرتني»[1]. فكأنّ ما بين الشكر والكفر شيءٌ واحد يتأرجح بين طرفين: أن يكون الله حاضرًا في الوعي، أو أن يغيب. وهذا هو الذكر في أصله القرآني: ليس ترديد ألفاظٍ على لسانٍ ساهٍ، بل حضورٌ يقابله نسيان، وحياةٌ يقابلها موت، كما سنرى.

مادةٌ تملأ المصحف

يرد جذر «ذ ك ر» في القرآن اثنتين وتسعين ومئتي مرة في أربع عشرة صيغة، بحسب مدوّنة القرآن اللغوية (corpus.quran.com)، ثمانية عشر منها «ذَكَر» بمعنى المذكّر ضد الأنثى، وهو أصلٌ مستقل في اللغة، فيبقى للذكر والتذكّر أربعة وسبعون ومئتا موضع. وفيها الفعل المجرد، و«ذكّر» المضعّف، و«تذكّر»، و«ادّكر»، والمصدر «ذِكر» وحده ستة وسبعون موضعًا، ثم «ذِكرى» و«تذكرة» و«مُذكِّر» و«ذاكرون» و«ذاكرات». ويظهر في الصفحة نفسها أن «كثيرًا» ترتبط بمادة الذكر في ثمانية مواضع، منها: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٨:٤٥)، وهي آية لقاء العدو[2]. ولا أزيد على هذا الإحصاء شيئًا، فلم أُجرِ مسحًا لسائر العبادات حتى أقارن.

وفي سياق هذه الآية قال قتادة في رواية الطبري: «افترض الله ذكره عند أشغل ما تكونون عند الضراب بالسيوف»[3]. أي أن الأمر بالذكر يلاقي المؤمنين في أضيق ساعات الانشغال، لا في أصفى ساعات الفراغ. وعند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (٣٣:٤١) فسّره الطبري بقوله: «اذكروا الله بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم»، وروى عن ابن عباس: «لا يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدًّا معلومًا، ثم عذر أهلها في حال عذر، غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حدًّا ينتهي إليه ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبًا على عقله»[4]. وهذا قول ابن عباس كما رواه الطبري، أنقله على حاله ولا أبني عليه حكمًا عامًّا.

نقيضٌ واحد: النسيان

يرجع ابن فارس هذا الباب إلى أصلين، ومما قاله في الثاني: «ذكرتُ الشيء، خلاف نسيتُه. ثم حُمل عليه الذِّكر باللسان»[5]. فالنسيان هو الضد، واللسان فرعٌ حُمل على الأصل. وهذا بالضبط ما نراه في القرآن: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (١٨:٢٤)، ثم اتساع الضد من النسيان إلى الغفلة في قوله: ﴿وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٧:٢٠٥).

أما الراغب فيعطينا ميزانًا دقيقًا: «الحفظ يقال اعتبارًا بإحرازه، والذِّكر يقال اعتبارًا باستحضاره». فالمحفوظ مخزونٌ، والمذكور حاضر. ثم يقسم: «الذّكر ذكران: ذكر بالقلب، وذكر باللسان. وكلّ واحد منهما ضربان: ذكر عن نسيان، وذكر لا عن نسيان بل عن إدامة الحفظ»، ويستشهد بقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (٢:٢٠٠) مثالًا على الذكر بالقلب واللسان معًا[6]. وأفهم من هذا، وهي قراءتي لا قول الراغب، أن المقارنة بذكر الآباء تفترض ذكرًا يشغل القلب والفم معًا، ثم يُطلب ما هو أشدّ منه؛ ولو كان الذكر لفظًا مجردًا لما استقامت المقارنة.

كلمةٌ واحدة، وجوهٌ كثيرة

وأعجب ما في هذه المادة أن اللفظ ذاته جاء اسمًا للوحي: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١٥:٩). قال الطبري: «وهو القرآن»، وإنه محفوظ «من أن يزاد فيه باطل ما ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه». ورأى الزمخشري في «إنا نحن» ردًّا على إنكارهم واستهزائهم حين قالوا: يا أيها الذي نزل عليه الذكر، فأُكِّد أنه المنزَّل على القطع. ونقل القرطبي عن قتادة وثابت البناني أن الله حفظه من زيادة الشياطين ونقصهم، بخلاف ما استُحفظه أهل الكتاب: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾، فبدّلوا (٥:٤٤)[7]. فمن سمّى الله كتابه ذكرًا، فقد جمع في اسمٍ واحد معنى الإنزال ومعنى الحفظ: ما يُذكَّر به الناس، وما يبقى حاضرًا لا يُنسى.

ثم يتسع المعنى إلى الشرف: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (٤٣:٤٤). يقول الراغب: «أي: شرف لك ولقومك». وبه قال الطبري عن ابن عباس: «إن القرآن شرف لك»، وهو قول الزمخشري، وحكاه ابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد، وقال إن ابن جرير اختاره. وذكر ابن كثير قولًا آخر: أنه شرف لهم من حيث أُنزل بلغتهم، «فينبغي أن يكونوا أقوم الناس به». وجاءت العبارة عند الزمخشري صريحة: «وسوف تسألون عنه يوم القيامة، وعن قيامكم بحقه، وعن تعظيمكم له، وشكركم»، وعند ابن عاشور في أن هذا الدين يكسب النبي وقومه «حسن السمعة في الأمم»[8]. فالذكر هنا صيتٌ طيب، لكنه صيتٌ مشروط بسؤال: شرفٌ يتبعه حساب. ولعلّ هذا ما يجعل القرآن يضع «سوف تسألون» بجانب «لذكرٌ لك»، حتى لا يتحول الشرف إلى تفاخر.

وهذه الوجوه الثلاثة، الاستحضار والوحي والشرف، تبدو لي من خيطٍ واحد، وهذا فهمي أنا لا قولُ أحدٍ ممن ذكرتهم: أن الذكر هو ما يبقى حاضرًا في الوجود: يحضر في القلب فيُذكَر، ويُنزَّل في كتابٍ فيُحفَظ، ويُخلَّد في السمعة فيُشرَّف.

أما قوله: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (١٨:٢٤) فقد اختلف فيه أهل التأويل. رأى الطبري أنه تأديبٌ للنبي ﷺ ألا يجزم بما سيكون إلا مشفوعًا بمشيئة الله، ثم ذكر أقوالًا منها قول ابن عباس في الاستثناء ولو بعد سنة، وقول عكرمة: «اذكر ربك إذا عصيت»، ورجّح هو أن المعنى: «واذكر ربك إذا تركتَ ذكره، لأن أحد معاني النسيان في كلام العرب الترك». وحمله ابن كثير على من نسي الاستثناء فيستثني عند تذكره، وهو قول أبي العالية والحسن، وأوضح أن قول ابن عباس معناه أن يستثني من نسي ولو بعد سنة. أما القرطبي فحكى عن ابن عطية أن الآية «ليست في الأيمان وإنما هي في سنة الاستثناء في غير اليمين»[9]. وهذه الأقوال الثلاثة، النسيان تركًا، والنسيان للاستثناء، والنسيان معصيةً، كلها تدل على أن الذكر عند المفسرين هو الطريق إلى إصلاح الخلل متى وقع.

«فاذكروني أذكركم»

ويبلغ الأمر ذروته في آية البقرة: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (٢:١٥٢). والآية بناء تبادلي: أمرٌ، ثم جوابٌ يتعلّق بالفعل ذاته. وقد اختلفت العبارات في تحديد ما يُذكر به: فالطبري يجعل الذكر طاعةً: «فاذكروني أيها المؤمنون بطاعتكم إياي فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه، أذكركم برحمتي إياكم ومغفرتي لكم»، وروى عن سعيد بن جبير: «اذكروني بطاعتي، أذكركم بمغفرتي». وأورد ابن كثير ما سمعناه في افتتاح المقال من جواب موسى، ونقل عن الحسن وأبي العالية والسدي والربيع: «إن الله يذكر من ذكره، ويزيد من شكره ويعذب من كفره». ولئلا يُفهم الذكر على أنه لفظٌ يدفع عن العاصي، أورد ابن كثير قول ابن عمر في ذاكر الله وهو يعصي: «إذا ذكر الله هذا ذكره الله بلعنته»[10].

وبين هذين الفهمين، الذكر بالطاعة والذكر باللسان مع الطاعة، تقوم الآية. ولا ينفصلان عندي، فاللسان الذي لا يشهد له السلوك يبقى ظلًّا، والسلوك بلا ذكر قلبٍ يصير عادة. وفي الحديث القدسي ما يفتح المعنى الآخر، أي ذكر الله للعبد: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم…»[11]. وأقرأ فيه، فيما أرى، ما رأيناه عند الراغب: «في نفسه» ذكرُ القلب، و«في ملأ» ذكرٌ يسمعه الناس.

وللراغب ملحظٌ في الفرق بين ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ (٢:١٥٢) و﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ (٢:٤٠): نقل عن بعض العلماء أن الأولى خطابٌ لأصحاب النبي ﷺ الذين حصل لهم فضل قوة بمعرفته تعالى، فأُمروا أن يذكروه بغير واسطة، والثانية خطابٌ لبني إسرائيل الذين لم يعرفوا الله إلا بآلائه[6]. فكأن الذكر درجات: أدناها أن تذكر النعمة فتهتدي إلى المنعم، وأعلاها أن تذكر المنعم نفسه.

سكونٌ ورجفة: الاطمئنان والوجل

تأتي الآية التي يحفظها الناس: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (١٣:٢٨). قال الطبري: «تسكن قلوبهم وتستأنس بذكر الله»، وقال ابن كثير: «تطيب وتركن إلى جانب الله، وتسكن عند ذكره، وترضى به مولى ونصيرًا». لكن القرطبي يعرض خلافهم في المراد بـ«ذكر الله» هنا: بتوحيده أو بألسنتهم، أو بالقرآن كما قال مجاهد وقتادة وغيرهما، أو بأمره كما قال سفيان بن عيينة، أو بوعده كما قال مقاتل، أو «بالحلف باسمه، أو بذكر فضله وإنعامه» عن ابن عباس[12]. وهذا الخلاف نفسه يدل على أن الذكر ليس صيغةً واحدة تنحصر في تسبيحٍ ونحوه، بل اسم لما يُحضِر الله في القلب.

غير أن الرازي طرح إشكالًا لا يمكن تجاهله: «أليس أنه تعالى قال في سورة الأنفال: إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والوجل ضد الاطمئنان، فكيف وصفهم ههنا بالاطمئنان؟». ومن أجوبته: «الوجل هو بذكر العقاب والطمأنينة بذكر الثواب»[13]. فالقلب الواحد يرتجف حين يستحضر عظمة من يذكره، ويسكن حين يستحضر رحمته ووعده. وأرى، وهذا من فهمي لا من نقلي، أن الاثنين لا يتعاقبان فقط بل يجتمعان: رجفة المهابة التي لا تنفك عن سكينة الأمان، كطفلٍ في حضن أبيه المهيب. والحياة الإيمانية تسير بين هذين، فمن فقد الوجل صار أمنُه غرورًا، ومن فقد الاطمئنان صار خوفه يأسًا.

ولَذِكْرُ اللهِ أكبر

ثم تأتي آية العنكبوت: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (٢٩:٤٥)، وفيها خلافٌ قديم ظاهر. روى الطبري أن بعضهم قال: المراد ذكر الله إياكم أفضل من ذكركم، وأن ابن عباس قال لعبد الله بن ربيعة، حين ذكر الأخير التسبيح والتحميد والتكبير في الصلاة وقراءة القرآن: «لقد قلت قولًا عجبًا وما هو كذلك، ولكنه إنما يقول: ذكر الله إياكم عندما أمر به أو نهى عنه إذا ذكرتموه أكبر من ذكركم إياه». وبه قال مجاهد وغيره عند ابن كثير، وبه فسّر الراغب: «ذكر الله لعبده أكبر من ذكر العبد له، وذلك حثّ على الإكثار من ذكره». أما ابن كثير في سياقه فرأى أن الصلاة تشتمل على ذكر الله، «وهو المطلوب الأكبر»[14]. فالسؤال الذي تفتحه الآية: هل الأكبر ذكرُنا أم ذكرُه؟ وجواب ابن عباس يقلب الميزان: مهما بلغ ذكرنا فذكره لنا أكبر، ولعل في هذا ما يردّ الذاكر عن الفخر بذكره.

في كل حال

وتصف آيةٌ أصحاب العقول: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾ (٣:١٩١). قال قتادة في رواية الطبري: «وهذه حالاتك كلها يا ابن آدم، فاذكره وأنت على جنبك يسرًا من الله وتخفيفًا»، وحمله ابن جريج على الذكر في الصلاة وغيرها وقراءة القرآن[15]. والآية تضع الذكر قرين التفكر: يذكرون ويتفكرون في خلق السماوات والأرض. فالذكر ليس بديلًا عن العقل، بل غذاؤه.

وفي الأعراف: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ (٧:٢٠٥) أمرٌ بذكر خفيٍّ مع التضرع والخيفة. وهنا اختلافٌ في العموم والتقييد: فالطبري يقيّده باتعاظٍ بالقرآن وتذكّر المعاد عند سماعه، وابن كثير يعمّمه على أول النهار وآخره، ويذكر أن الآية مكية، وكان هذا قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء[16].

من الحديث: حيٌّ وميت

وأجمل ما في السنة تشبيه البخاري: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر مثل الحي والميت»[17]. فمن غاب عنه الذكر غاب عنه نبض الحياة وإن تحرك. وفي مسلم أن النبي ﷺ قال في طريقٍ: «سيروا، هذا جُمدان، سبق المفرِّدون»، فلما سألوا عنهم قال: «الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات»[18]. وكأنه، فيما أفهم، يقول إن السباق في هذه الطريق لا يُحسم بالسرعة بل بالحضور. ولا أزيد على نص الحديث وصفًا لموضع جُمدان أو لحال الركب.

وتتجلى العلاقة بين الذكر والنسيان في أبسط صورة في حديث أنس كما يسوقه ابن كثير: «من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك»، ويتبعه في الروايتين قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٢٠:١٤)، وهي في رواية البخاري من قول همام، وفي مسلم من قول قتادة[19]. وفي معنى الآية ذكر الطبري: «أقم الصلاة لي فإنك إذا أقمتها ذكرتني»، وذكر ابن كثير أن المعنى: صلِّ لتذكرني، وقيل: صلِّ عند ذكرك لي. فالصلاة ذكر، والذكر يعيد الإنسان إلى الصلاة. وهكذا يكون ضد النسيان: عودة إلى الواجب.

مشاهد من الذاكرين والناسين

وفي القرآن مشاهد تعرض الذكر والنسيان وجهًا لوجه. يوسف يقول لصاحبه الذي سينجو: ﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾، ثم تقول الآية: ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ (١٢:٤٢)، ثم ذكر الصاحب بعد زمن: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ (١٢:٤٥). نسيانٌ تنسبه الآية إلى الشيطان، وتذكّرٌ لم يأتِ إلا بعد أمد. وفي مشهد الفتى والحوت: ﴿وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ (١٨:٦٣)، وقد جعله الراغب في «الذكر عن النسيان». والموضعان معًا ينسبان النسيان إلى الشيطان.

وفي مطلع قصة زكريا عليه السلام: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ (١٩:٢)، ذكرٌ لرحمة الله بعبدٍ نادى ربه. ويخطر لي أن بين هذه المشاهد معنًى واحدًا: إنسانٌ تخونه ذاكرته، وكتابٌ يحفظ ما يُنسى، فاللائق بالعبد أن يتعلق بما لا يغيب.

ما الذي يتغير فينا؟

إذا أردنا خلاصة، فأقول: الذكر في القرآن ليس حركة لسانٍ فحسب، بل حضورٌ يحرسه ضدُّه، وهو النسيان. وهو يتسع حتى يسمّي الوحي الذي يُنزَّل ويُحفَظ، والشرف الذي يُمنح ويُسأل عنه صاحبه. وتؤكد الآثار التي مرّت بنا أن للذكر ثلاثة أبواب: القلب، واللسان، والجوارح بطاعة تُقام. وللذكر ثمرتان: اطمئنانٌ يسكن به القلب، ووجلٌ يحميه من الغرور. وفوق ذلك كله أن ذكر الله لعبده أكبر.

وأما التطبيق، فللمربّي أن يعلّم الناشئة أن الذكر ليس عددًا يُحصى فحسب. فلنربط أذكار الصباح والمساء بما يعقبها من سلوك، ولنذكّرهم بأن الصلاة نفسها «لذكري». ولنشجعهم على أن يذكروا الله في أشغل أوقاتهم، كما رأينا في آية القتال، لا في فراغهم وحده. وللواعظ أن يحذر من أن يفصل الذكر عن الطاعة، فقد رأينا قول ابن عمر في الذاكر العاصي. وأن يحذر من الاكتفاء بالطاعة دون استحضار، فقد رأينا قول الراغب في الذكر عن «إدامة الحفظ». وفي بيوتنا يكفي أن نتذكر في الزحام ما قيل لموسى: «تذكرني ولا تنساني». ولعل من دخل يومه بهذه الكلمات عرف طريقه إلى قلبه.

اللهم لا تجعلنا ممن ذُكِّروا فلم يتذكروا، ولا ممن غلبتهم الغفلة فلم يفيقوا، واجعلنا ممن إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم، ثم سكنت بذكرك أرواحهم، وإذا نسينا فذكّرنا، وإذا ذكرناك فاذكرنا في الملأ الأعلى بخير مما ذكرناك، ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾.


الهوامش

  1. ابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير البقرة ١٥٢، من رواية زيد بن أسلم أن موسى قال ذلك. [2]: بحسب مدوّنة القرآن اللغوية (corpus.quran.com)، صفحة الجذر «ذ ك ر»: ٢٩٢ ورودًا في ١٤ صيغة، منها ١٨ لـ«ذَكَر» (المذكّر)، فالباقي ٢٧٤ (حساب مني من الصفحة نفسها). و«كثيرًا» مع مادة الذكر في الآيات: ٣:٤١، ٨:٤٥، ٢٠:٣٤، ٢٦:٢٢٧، ٣٣:٢١، ٣٣:٣٥، ٣٣:٤١، ٦٢:١٠. [3]: الطبري، «جامع البيان»، تفسير الأنفال ٤٥، عن قتادة. [4]: الطبري، «جامع البيان»، تفسير الأحزاب ٤١، عن ابن عباس. [5]: ابن فارس، «معجم مقاييس اللغة»، مادة «ذكر» (ج٢ ص٣٥٢ من طبعة المكتبة الشاملة). [6]: الراغب الأصفهاني، «المفردات في غريب القرآن»، مادة «ذكر» (ص٣٢٨-٣٢٩ من طبعة المكتبة الشاملة). [7]: الطبري والزمخشري والقرطبي، في تفسير الحجر ٩. [8]: الراغب، «المفردات»، مادة «ذكر»؛ والطبري، والزمخشري «الكشاف»، وابن كثير، وابن عاشور «التحرير والتنوير»، في تفسير الزخرف ٤٤. [9]: الطبري، وابن كثير، والقرطبي، في تفسير الكهف ٢٤. [10]: الطبري وابن كثير، في تفسير البقرة ١٥٢. [11]: رواه البخاري (٧٤٠٥) ومسلم (٢٦٧٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، واللفظ المذكور للبخاري. [12]: الطبري، وابن كثير، والقرطبي، في تفسير الرعد ٢٨. [13]: الرازي، «مفاتيح الغيب»، تفسير الرعد ٢٨. [14]: الطبري وابن كثير، في تفسير العنكبوت ٤٥؛ والراغب، «المفردات»، مادة «ذكر». [15]: الطبري، «جامع البيان»، تفسير آل عمران ١٩١، عن قتادة وابن جريج. [16]: الطبري وابن كثير، في تفسير الأعراف ٢٠٥. [17]: رواه البخاري (٦٤٠٧) من حديث أبي موسى رضي الله عنه. [18]: رواه مسلم (٢٦٧٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [19]: رواه البخاري (٥٩٧) ومسلم (٦٨٤)، وأورده ابن كثير في تفسير طه ١٤ من حديث أنس؛ وانظر الطبري وابن كثير في تفسير الآية نفسها.↩
Share this article

Comments

Share a benefit or a thought about the article — we welcome your view.

No comments published yet. Be the first to comment.

We hope the article has benefited you, and we welcome your comment and advice.

Ask the Sheikh