A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Text size
Back to articles
Series · Episode 36
Concepts of Faith
Concepts of Faith

Imān in the Qurʾan: A Trust in Which the Heart Finds Rest

A Trust in Which the Heart Finds Rest

Dr. Ahmed Abouseif•October 18, 2026•12 min read

جاء إخوة يوسف أباهم عشاءً: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ (١٢:١٦). دموعٌ سخيّة، وصوتٌ مخنوق، وقصةٌ مرتّبة: ذهبنا نستبق، وتركنا يوسف عند متاعنا، فأكله الذئب. ثم قالوا كلمةً كأنهم يعرفون أنها لن تجد من يصدّقها: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ (١٢:١٧). والتفتَ يعقوب إلى القميص، فإذا الدم عليه دمُ كذب: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (١٢:١٨). فمعنى «بمؤمن لنا» أنك لست بمصدّقنا، لكنّ الزمخشري يلتقط في الجملة ما وراء التصديق، فيقول في معناها: «ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة، لشدة محبتك ليوسف، فكيف وأنت سيء الظن بنا، غير واثق بقولنا»[1]. فالإيمان في هذا المشهد ليس معلومةً تُستلم، بل ثقةٌ بشخص تطمئن بها النفس، والأب الذي فقدها لا تُقنعه الدموع ولا القميص.

وهذه الكلمة نفسها، حين ينتقل القرآن بها من حجرة يعقوب إلى المسجد، يصير لها شأنٌ آخر. فهي التي يقولها الأعراب لرسول الله ﷺ فيردّها القرآن عليهم، وهي التي تزيد في القلب ويكتبها الله فيه، وهي التي سُمّيت بها صلاة إلى بيت المقدس. فلنتتبع ما تصنعه الآيات بها.

ثمانمئة واثنا عشر موضعًا من جذرٍ في تسعة وسبعين وثمانمئة

يرد جذر «أ م ن» في القرآن ٨٧٩ مرة موزعةً على سبع عشرة صيغة، بحسب مدوّنة القرآن اللغوية (corpus.quran.com)[2]. وهذا الجذر يحمل فروعًا ثلاثة: الأمن، والأمانة (وقد خصصنا لها مقالًا سابقًا هو «الأمانة في القرآن: حين يأبى الجبل ويقبل الإنسان»)، والإيمان، وهو موضوعنا. وفرع الإيمان هو الغالب بفارقٍ كبير: الفعل «آمن» ٥٣٧ مرة، واسم الفاعل «مؤمن» ٢٠٢، ومصدر «إيمان» ٤٥، و«مؤمنات» ٢٢، و«مؤمنة» ٦؛ فمجموعها ٨١٢ موضعًا، أي أن أكثر من تسعة أعشار الجذر إنما هو في هذا الباب، ويبقى سبعة وستون موضعًا للأمن والأمانة والائتمان. وهذا الجمع حسابٌ مني على أرقام الصفحة المذكورة، وقد اطمأننتُ إلى سلامة القراءة لأن صفوف الصفحة بلغت ٨٧٩ كما هو معلن.

وفي الصيغ ما يلفت النظر: صيغة «آمنوا» وحدها بلغت ٢٥٣ موضعًا، وهي قرابة نصف مواضع الفعل. وبحسب ما عددتُه على نصوص الآيات في الصفحة نفسها، يرد النداء «يا أيها الذين آمنوا» في سبعين آية، وتقترن «آمنوا» بـ«وعملوا الصالحات» في أربع وأربعين آية، بينما لا يأتي بصيغة المفرد «آمن وعمل صالحًا» إلا في خمس آيات[3]. ومما يلوح لي من هذا أن القرآن يتحدث عن الإيمان في الغالب حديث الجماعة المخاطَبة المنادَاة، لا حديث الفرد المنعزل، وأنه يكاد لا يترك «الإيمان» وحده في موضع الوعد من غير أن يقرن به العمل. وهي ملاحظة في بنية الألفاظ، لا حكمٌ في مسائل الخلاف الآتية.

أصلان متدانيان: سكون القلب والتصديق

يفتتح ابن فارس مادة «أمن» بقوله: «الهمزة والميم والنون أصلان متقاربان: أحدهما الأمانة التى هى ضد الخيانة، ومعناها سكون القلب؛ والآخر التصديق. والمعنيان كما قلنا متدانيان»، ثم يستشهد للتصديق بقوله تعالى «وما أنت بمؤمن لنا» أي مصدّق لنا[4]. وعلى هذا اتفق المفسّرون في الآية: الطبري والقرطبي والزمخشري كلهم: «بمصدّق»، ويزيد القرطبي أن الفعل «يتعدى بالباء واللام»[5].

فإذا بلغنا الراغب وجدنا الجمع بين الأصلين في عبارةٍ واحدة. فهو يذكر القول بأن المعنى «بمصدق لنا»، ثم يقول: «إلا أن الإيمان هو التصديق الذي معه أمن»[6]. أي أن الإيمان تصديقٌ تسكن به النفس ويزول معه الخوف، لا مجرد إقرارٍ ذهني. ثم يفصّل: إذا استُعمل على سبيل المدح فهو «إذعان النفس للحق على سبيل التصديق، وذلك باجتماع ثلاثة أشياء: تحقيق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بحسب ذلك بالجوارح»[7]. وعند الجمع بين قولي ابن فارس والراغب تتلاقى العبارتان عند ما سنراه في الآيات: أن الإيمان في القرآن حركةٌ داخل القلب قبل أن يكون كلمةً على اللسان.

وللراغب لطيفةٌ في الباب: إذا قيل «يؤمنون بالجبت والطاغوت» (٤:٥١) فهو مذكورٌ على سبيل الذم، «وأنه قد حصل لهم الأمن بما لا يقع به الأمن، إذ ليس من شأن القلب ما لم يكن مطبوعًا عليه أن يطمئن إلى الباطل»[6]. فمن اطمأن إلى الباطل فقد «آمن» في اللغة، لكن القرآن يذمّه بما أودع قلبه.

أعرابٌ على باب النبوة: بين الإسلام والإيمان

أوضح ما يصنعه القرآن بهذه الكلمة في سورة الحجرات. جاء الأعراب قائلين: آمنّا. وفي القرطبي أنهم قدموا في سنةٍ مجدبة يقولون: أتيناك بالأثقال والعيال، وجعلوا يمنّون على النبي ﷺ، فنزلت الآيات. فجاء الردّ حازمًا ولطيفًا معًا: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤٩:١٤). ثم يرسم القرآن ما يجب أن يتحقق بعد الدعوى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٤٩:١٥). فالآيتان تُرتّبان المراحل: دعوى باللسان، فدخولٌ في القلب، فنفيُ الارتياب، فبذلٌ بالمال والنفس. وفي الآية نفسها بابٌ للرجاء: «وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئًا»، فلم يغلق القرآن الباب على من قال «أسلمنا».

وهنا اختلف المفسّرون اختلافًا نافعًا نعرضه كما هو. رجّح الطبري أن الله تقدّم إلى هؤلاء الأعراب، الذين دخلوا في الملة إقرارًا بالقول، «ولم يحققوا قولهم بعملهم أن يقولوا بالإطلاق آمنا دون تقييد»، وحكى قول الزهري: «إن الإسلام: الكلمة، والإيمان: العمل»[8]. وذهب ابن كثير إلى أن الآية تفيد «أن الإيمان أخص من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة»، وأن الأعراب «ليسوا بمنافقين، وإنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم، فادعوا لأنفسهم مقامًا أعلى مما وصلوا إليه، فأدبوا في ذلك»، ونسبه إلى ابن عباس وإبراهيم النخعي وقتادة، واختاره ابن جرير[9]. أما القرطبي فعلى خلاف ذلك: «ومعنى ولكن قولوا أسلمنا أي استسلمنا خوف القتل والسبي، وهذه صفة المنافقين»، وحقيقة الإيمان عنده «التصديق بالقلب»، والإسلام «قبول ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم في الظاهر، وذلك يحقن الدم»[10]. وعبارة الزمخشري تجمع طرفي الخلاف في تعريفٍ واحد: «الإيمان: هو التصديق مع الثقة وطمأنينة النفس. والإسلام: الدخول في السلم»[11].

فالخلاف في أمرين: هل الأعراب منافقون أم مسلمون ضعاف الإيمان؟ وهل الإيمان عملٌ يحقّق القول أم تصديقٌ قلبيٌّ تطمئن به النفس؟ وقد نقل ابن كثير ما يؤيد التفريق بين الاسمين من السنة، ونحن نقف عند حديثين. أولهما حديث سعد، وفيه أنه شهد لرجل: «فوالله إني لأراه مؤمنا»، فاستدرك عليه النبي ﷺ: «أو مسلما»، ثم قال: «يا سعد، إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه، خشية أن يكبه الله في النار»[12]. وثانيهما حديث جبريل، وفيه أن الإيمان «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره»، وأن الإحسان «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»[13]. وفي رواية أبي هريرة عند البخاري يأتي الإيمان بصيغةٍ فيها «وبلقائه» و«وتؤمن بالبعث»، فالأصول ثابتة وإن اختلفت ألفاظ الرواة في سردها[13].

وأرى في هذه الآيات أدبًا في الخطاب: لم يقل القرآن للأعراب «كذبتم»، بل قال «لم تؤمنوا»، ثم أعطاهم الاسم الذي يحق لهم: «أسلمنا». أي أن الأمر ميزانٌ دقيق لا ازدراء فيه. ثم يختم المشهد بتصحيح الوجهة: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٤٩:١٧). فالإيمان منّةٌ من الله على العبد لا منّةٌ من العبد على الله.

إيمانٌ يدخل ويُحبَّب ويزداد

وإذا جمعنا آيات المصدر «إيمان» (وهو في ٤٥ موضعًا) رأينا أن القرآن يصوّره شيئًا يتحرك في القلب: «ولما يدخل الإيمان في قلوبكم»، وهو شيءٌ يُحبَّب ويُزيَّن: ﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (٤٩:٧)، وشيءٌ يزداد: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٨:٢). ومثله في الشدة: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٣:١٧٣)، وفي السكينة: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٤٨:٤). فتجتمع في هذه المواضع: الوجل عند الذكر، والتلاوة، والمحنة، والسكينة، والتوكل؛ وكلها أحوال قلب لا أقوال لسان.

وهنا أيضًا خلافٌ يستحق العرض. يقول الطبري في آية الأنفال إن المؤمن «هو الذي إذا ذكر الله وجل قلبه وانقاد لأمره… وإذا قرئت عليه آيات كتابه صدق بها وأيقن أنها من عند الله، فازداد بتصديقه بذلك»[14]. ويقول ابن كثير إن البخاري وغيره استدلّوا بهذه الآية وأشباهها «على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب، كما هو مذهب جمهور الأمة، بل قد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من الأئمة، كالشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيد»[15]. وأما الرازي فيوجّه الزيادة وجهًا آخر في ما قرأتُه من كلامه: فلما كانت التكاليف تتوالى في زمن الرسول ﷺ، «فعند حدوث كل تكليف كانوا يزيدون تصديقا وإقرارا»، وكلما سمعوا آية جديدة «أتوا بإقرار جديد فكان ذلك زيادة في الإيمان والتصديق»، ثم يذكر وجهًا ثالثًا هو أن كمال قدرة الله وحكمته تُعرف بآثارها في مخلوقاته[16]. فتفسيره للزيادة يدور على تعدد المتعلَّق وازدياد المعرفة، ولم أقف على تمام موقفه في المسألة، فلا أنسب إليه أكثر مما قاله هنا. ويبقى القدر المشترك: أن الآية تتحدث عن إيمانٍ يتحرك عند سماع كلام الله، فلا يجمد.

حين يُسمّى العمل إيمانًا

وفي البقرة موضعٌ يوسّع الكلمة توسيعًا مدهشًا. حين حُوّلت القبلة وتساءل الناس عن إخوانهم الذين ماتوا وهم يصلّون إلى بيت المقدس، نزل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢:١٤٣). قال الطبري: «عنى بالإيمان في هذا الموضع الصلاة»، وقال ابن كثير: «أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك لا يضيع ثوابها عند الله»، وروى عن ابن عباس أن المعنى: «بالقبلة الأولى، وتصديقكم نبيكم، واتباعه إلى القبلة الأخرى»[17]. فهنا سمّى القرآن الركوع والسجود نحو جهةٍ معيّنة «إيمانًا»، وعلى هذا بنى الراغب قوله: «ويقال لكل واحد من الاعتقاد والقول الصدق والعمل الصالح: إيمان»[18].

وقد جاء في السنة ما يوافق هذا الاتساع: «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان» عند البخاري، وفي رواية مسلم «بضع وسبعون شعبة»[19]. وقد وقع الاختلاف في العدد بين الروايتين، ولا يغيّر شيئًا من المعنى: الإيمان بيتٌ كثير الأبواب. فتأمّل كيف تلتقي الآية والحديث: الصلاة إلى القبلة إيمان، والحياء إيمان، وبين الكلمتين حياةٌ كاملة تُبنى بالقلب والجوارح معًا.

مؤمنٌ في قصر الطاغية

وإذا أردنا نموذجًا بشريًا يتجسّد فيه ما سبق، فالآية ماثلة في سورة غافر: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٤٠:٢٨). رجلٌ في بيت الطاغية، سمّاه القرآن «مؤمنًا» وهو لم يعلن إيمانه بعد، فالإيمان هنا قائمٌ في القلب مستقرٌّ يُنسب إلى صاحبه وإن كتمه. ثم نراه ينطق ويحتجّ بحجةٍ هادئة على قومٍ همّوا بقتل رجلٍ لأنه يقول ربي الله. ونكتفي هنا بما في الآية نفسها، وفيه ما يكفي: قلبٌ سبق لسانه، ثم لسانٌ لحق قلبه حين اشتدّ الأمر. وقد جمع الرجل في موقفٍ واحد معنى «الإيمان الذي يدخل القلب» ومعنى «الإيمان الذي يصدق فيه القول العمل».

أين تلتقي هذه الخيوط؟

إذا جمعنا ما سبق ظهر أن القرآن يعمل في هذه الكلمة عملًا يقوم على ثلاث ركائز. الأولى لغوية: الأصل تصديقٌ وسكون قلب، كما قال ابن فارس والراغب. والثانية موضعية: يتعدّى الفعل بالباء حين يكون الموضوع هو الله وكتبه ورسله، وباللام حين يكون الموضوع شخصًا نستجيب له أو نثق به، كما في «بمؤمن لنا» وفي قول القرطبي إنه «يتعدى بالباء واللام» وفي شاهده «فما آمن لموسى» (يونس ٨٣). وهذا التمييز في التعدية ملاحظةٌ تحريرية مني، لم أحصِ مواضع الباء كلها في القرآن، ولذلك لا أبني عليها أكثر من الإشارة. والثالثة بنيوية: الإيمان في القرآن بابٌ مفتوح على الدرجات، فهو يُدّعى، ثم يدخل، ثم يزداد، ثم يُترجم عملًا، ثم يُمتحن بالارتياب والجهاد.

ومما يلوح لي أن في الآيات تدريجًا تربويًا: لا يُطلب من الأعرابي أن ينتقل من «أسلمنا» إلى «آمنا» بقرارٍ لساني، ولا يُهان لأنه لم يصل بعد؛ يُقال له إن الطريق أن «تُطيعوا الله ورسوله»، وإن الإيمان «منّةٌ» تُطلب. وكأن الآية تقول إن الإيمان لا يُنتزع بقوة الحجة وحدها، بل يدخل حين يشاء الله ويُحبّبه إلى القلب، وإن على العبد أن يفتح له الباب بالطاعة والذكر والتلاوة.

الإيمان في بيوتنا ومساجدنا

وتطبيق هذا في حياتنا واسع. فالمربّي الذي يسمع ابنه يقول «أنا مؤمن» يتعلم من الحجرات أن يفرّق بين الدعوى والدخول: لا يزدريه ولا يغتر بقوله، بل يحمله على ما يزيد الإيمان في القلب. والآية تدلّه على الأدوات: ذكرٌ يوجل القلب، وتلاوةٌ تزيد، وسكينةٌ تنزل، وصحبةٌ تُشبه صحبة الرجل المؤمن حين يقف وحده.

وللإمام والداعية درسٌ آخر في أدب الخطاب. فمن جاءك يقول «آمنت» أو «تبت» لا تُكذّبه ولا تضخّم مقامه؛ قل له كما قال القرآن للأعراب: ما يصحّ لك اليوم هو الذي قلتَه صادقًا، وأمامك طريقٌ لا يغلقه الله عليك ما دمتَ تطيع. وكذلك في الأسرة، فالأب الذي يتهم ابنه على كل حادثة يتعلّم من مشهد يعقوب أن «الإيمان» بالناس ثقةٌ تُبنى بسيرةٍ طويلة، فمما يلوح لي أن يعقوب لم يطمئن إلى الدموع لأن الثقة لا تنشأ في ساعة واحدة. وإذا أردنا أن يؤمن بنا من حولنا، فلنكن ممن يُصدَّق إذا قال، وممن يطمئن الناس إلى كلمته قبل دليله.

وفي الميدان العملي: الحياء شعبة من الإيمان، وقد ذكر الراغب الحياء وإماطة الأذى في عداد ما يُسمّى إيمانًا، فلا تُقصَر صورة المؤمن على من يحسن الجدل في الاعتقاد، بل يدخل فيها الخلق والعمل الصالح. وهذا يردّنا إلى ما بدأنا به من أن الجذر نفسه يجمع التصديق والطمأنينة.

ختام: ثقةٌ يضعها الله في القلب

بدأنا بأبٍ يقول لأبنائه إنه لا يطمئن إلى قولهم، وانتهينا إلى ربٍّ يمنّ على عباده بأن «حبّب إليهم الإيمان وزيّنه في قلوبهم». وبين المشهدين طريقٌ طويل: كلمةٌ على اللسان، ثم سكونٌ في القلب، ثم زيادةٌ عند الذكر والتلاوة، ثم عملٌ يشهد، ثم ثباتٌ حين يأتي الاختبار. اللهم كما حبّبتَ إلينا الإيمان فزيّنه في قلوبنا، وأدخله فيها دخولَ من لا يخرج، وزدنا منه عند كل ذكر وكل آية وكل محنة، وأنزل علينا السكينة لنزداد إيمانًا مع إيماننا، واجعلنا ممن لا يرتاب ولا يخذل، وارزقنا صدق «حسبنا الله ونعم الوكيل»، ولا تضيّع إيماننا، إنك بالناس لرؤوفٌ رحيم.


الهوامش

  1. الزمخشري، «الكشاف»، تفسير يوسف ١٧ (بحسب موقع quran-tafsir.net). [2]: مدوّنة القرآن اللغوية (corpus.quran.com)، صفحة القاموس القرآني، مادة «أ م ن» (qurandictionary.jsp?q=Amn): الفعل «آمن» (الوزن IV) ٥٣٧، والمصدر «إيمان» ٤٥، واسم الفاعل «مؤمن» ٢٠٢، و«مؤمنات» ٢٢، و«مؤمنة» ٦. والمجموع ٨١٢ من ٨٧٩ حسابٌ من أرقام الصفحة. والأرقام لهذه المدوّنة وحدها، وقد تختلف يسيرًا في أدوات أخرى. [3]: العدّ بالآيات لا بالمرّات، وهو مستخرجٌ من نصوص الآيات في صفحة corpus نفسها بعد تجريد التشكيل؛ وعبارة «آمن وعمل صالحًا» بحثٌ نصيٌّ حرفي قد تفوته صيغٌ يفصل بين طرفيها فاصل. [4]: ابن فارس، «معجم مقاييس اللغة»، مادة «أمن». [5]: الطبري، «جامع البيان»، تفسير يوسف ١٧ وتفسير البقرة ٣؛ والقرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، تفسير يوسف ١٧ وتفسير البقرة ٣؛ والزمخشري، «الكشاف»، تفسير يوسف ١٧. [6]: الراغب الأصفهاني، «المفردات في غريب القرآن»، مادة «أمن». [7]: الراغب الأصفهاني، «المفردات في غريب القرآن»، مادة «أمن». [8]: الطبري، «جامع البيان»، تفسير الحجرات ١٤. [9]: ابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير الحجرات ١٤. [10]: القرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، تفسير الحجرات ١٤، وفيه أيضًا خبر قدوم الأعراب في سنة جدبة ومنّهم على النبي ﷺ. [11]: الزمخشري، «الكشاف»، تفسير الحجرات ١٤. [12]: رواه البخاري (٢٧) من حديث سعد رضي الله عنه، وهو الحديث الذي أورده ابن كثير في تفسير الحجرات ١٤؛ ولمسلم رواية مقابلة برقم ١٥٠. [13]: رواه مسلم (٨) في حديث جبريل من رواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه (حديث ٨a في ترقيم sunnah.com)؛ وروى البخاري (٥٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن الإيمان «أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله، وتؤمن بالبعث». [14]: الطبري، «جامع البيان»، تفسير الأنفال ٢. [15]: ابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير الأنفال ٢. [16]: الرازي، «مفاتيح الغيب»، تفسير الأنفال ٢. [17]: الطبري، «جامع البيان»، تفسير البقرة ١٤٣؛ وابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير البقرة ١٤٣ (وفيه رواية ابن عباس بسند ابن إسحاق). [18]: الراغب الأصفهاني، «المفردات في غريب القرآن»، مادة «أمن». [19]: رواه البخاري (٩) بلفظ «بضع وستون»، ومسلم (٣٥ في ترقيم رابط sunnah.com) بلفظ «بضع وسبعون»، وفيه «والحياء شعبة من الإيمان».↩
Share this article

Comments

Share a benefit or a thought about the article — we welcome your view.

No comments published yet. Be the first to comment.

We hope the article has benefited you, and we welcome your comment and advice.

Ask the Sheikh