The Last Ten Nights: The Deal of a Lifetime
What do you lose by withdrawing from the world for some days, and what do you gain?
المناسبة: خلاصة خطبة جمعة أُلقيت بتاريخ 1 يونيو 2018م، على أعتاب العشر الأواخر من رمضانالمصدر: تفريغ خطبة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله ﷺ. أما بعد:
فنحن على أعتاب العشر الأواخر من رمضان، ويعدّ الخطباء هذه الخطبة «كوكتيلًا» لا بد أن يتضمن كل عام موضوعات معلومة: سنة الاعتكاف، وزكاة الفطر، وتحري ليلة القدر، والاجتهاد في العبادة بقدر الطاقة اتباعًا لهدي النبي ﷺ. غير أني أدعوكم إلى أن ننظر إلى المسألة من زاوية أخرى: زاوية الربح والخسارة.
فرصةٌ لا يخسر فيها إلا المفرّط
نحن أمام فرصة عظيمة يحصّلها الفائزون. فما منطق مسلم يؤمن بالله ورسوله وبالكتاب والجنة والنار، ثم يترك الغنيمة التي أودعها الله في هذه الأيام؟ تعالوا نحسب نسبة الأرباح والخسائر. تأمّل يومك في رمضان كما تعيشه: تفطر مع أهلك أو عند أصدقائك، ثم تصلي التراويح، ثم تعود إلى البيت فتنام قليلًا أو تسهر، ويأتي الفجر فتصليه، ثم تنطلق إلى عملك. أتحدث هنا عن نمط الصالحين، لا عمّن ترك الأمر كله فلا يأتي إلا لصلاة الجمعة. أربع وعشرون ساعة تدور بسرعة الريح، وهكذا يمضي العمر نفسه. فهل هذا كل ما في الأمر؟
فماذا أخسر لو اعتزلت الدنيا بعض أيام؟ أخسر أيامًا ابتعدت فيها عن أنواع المتع، وأنا في حياتي أصلًا من «الغلابة» الذين يكافحون ويُضرَب فيهم ويضربون. فإن اعتزلتُ هذا الهمّ الكبير ولو وقتًا قصيرًا أو جزئيًّا، فهو خير.
وماذا أربح؟ أربح نفسي. وأقل ما أربحه أن يُرفع عن قلبي ذلك الران، وهو الغبش الذي تراكم عليه عامًا بعد عام. وإن كنا لم نجرِ عملية تنظيف في السنة الماضية، فتخيّل ما تراكم على مدى سنوات. وقد قال ربنا: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم﴾ [المطففين: 14]، أي غطّتها المعاصي، حتى الصغير منها يتراكم فيصير رصيدًا على القلب. فأول ما ينبغي أن نربحه في هذه الليالي أن نربح أنفسنا.
وقد تداولت وسائل التواصل في الأيام الماضية قصة شاب أسترالي كان من أصحاب المليارات، أخبره الأطباء عام 2015 أنه مصاب بالسرطان وأن أمامه سبعة أشهر على أبعد تقدير. فسجّل مقاطع يقول فيها إن أعظم نعمة وقعت له أنه ابتُلي بهذا المرض؛ لأنه اكتشف عندها أن الغايات ليست ما كان يطلبه من سيارات رياضية وأرقام طائلة. فخرج من ذلك النمط من الحياة كله، وعاش وسط الفقراء في أفريقيا يجتهد في إسعادهم، فمدّ الله في عمره إلى قرابة ثلاث سنوات، قضاها مكرِّسًا حياته وماله لإسعاد أولئك الناس. تلك تجربة عملية أذكرها لشباب أعلم أن لديهم مالًا وطموحات وأملًا في الحياة، أسأل الله أن يبارك لهم فيها. لكن هل الحياة نفسها هي الغاية من أعمالنا؟
كيف يعلّمنا النبي ﷺ بالقدوة الصامتة
انظروا كيف نقلت إلينا كتب السنة حاله في العشر الأواخر. لا يتحدث ﷺ عن نفسه ولا عن عبادته، وإنما يصفه من حوله: كان يجتهد في العشر الأواخر.[1] كأنه يقدّم نموذجًا عمليًّا صامتًا يعلّم بالمثال والقدوة.
ولنا أن نسأل: أي اجتهاد هذا؟ وهو ﷺ صائم النهار قائم الليل حتى يرقّ له من حوله ويقولون: يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فارفق بنفسك. فيجيبهم: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟»[2] وتسمع في الروايات أنه كان يستغفر الله في اليوم الواحد أكثر من سبعين مرة،[3] فهل تتصور ثانية تمضي بغير ذكر لله وعبادة؟ ومع هذا كان يجتهد في العشر الأواخر. وأرى، والله أعلم، أن هذا الاجتهاد تمثّل في أمرين رئيسين.
الأمر الأول: الاعتكاف، أن تسلّم نفسك لله
حين تدخل في الصلاة وتقول «الله أكبر» فإنك تسلّم نفسك بين يدي الله، لكنه تسليم مؤقت ينتهي بكلمة «السلام عليكم ورحمة الله». وإذا صمتَ عزلتَ نفسك عن الطعام والشراب والشهوة، لكنه انعزال مؤقت كذلك، ويبقى للنفس حظٌّ ونصيب. فمتى ينكسر حظ النفس؟ حين يترك العبد ذلك كله ويسلّم نفسه لله تسليمًا تامًّا، لا دقائق في صلاة المغرب أو العشاء، ولا ساعة أو ساعتين في التراويح، بل عشرة أيام يصل فيها الليل بالنهار وهو مع ربه، لا يشوّش عليه شيء. وفي العام الذي توفي فيه ﷺ اعتكف عشرين يومًا.
وكلمة «المعتكف» توحي بأنه يريد أن يخلو بذاته وأن يكون مع ربه، ليس معه ما يشغل باله. فلا سبيل إلى فيسبوك ولا إنستغرام ولا واتساب في هذه الأيام؛ إنها تشوّش الرؤية. وسل نفسك: ما الذي تقصده؟ إن كنت صادقًا في دعوى طلب الجنة فلا تدع هذه المشوّشات تشغلك عن هدفك. هذا هو الأمر الأول: تنقية النفس.
الأمر الثاني: الجود، أن تنفق وأنت محتاج
كان ﷺ في رمضان أجود من الريح المرسلة،[4] يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. فإذا جاءت العشر الأواخر زاد إنفاقه. ويعود السؤال: ما الذي كان بيده ليزيد منه؟ أكان له حساب في البنك؟ أكان الناس يأتونه كل ليلة هذا يتبرع لليمن وهذا لفلسطين، ثم نقول: أنفقنا كثيرًا، ونُبقي القليل لأجل العيد؟ الإنفاق الحقيقي لا يكون إلا عن قلّة.
اسأل صاحب مال: كم ميزانية الإنفاق عندك في رمضان؟ فإن كان عنده مال كثير أنفق منه جزءًا يسيرًا، ويعطي من يأتونه مبالغ صغيرة هنا وهناك، وتمضي الدنيا إلى آخر الشهر. فأين النسبة بين ما أنفق وما يملك؟ لكن الصورة تتغير حين لا يكون في الجيب إلا القليل ثم يعطيه صاحبه كله. وفي الحديث: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ».[5] وهل سألنا أنفسنا: أين الشق الآخر؟ هو في فم الآكل؛ قضم نصف التمرة وبقي نصفها بين يديه، فيقول له ﷺ: اتقِ النار بما تبقى بين يديك وأنت أحوج ما تكون إليه. أي أن الإنفاق مقدّم حتى على إتمام أكلك، لأن به تزكية النفس وتطهيرها: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: 103].
لا تبخل على نفسك بسويعات
فلا تبخلوا على أنفسكم ولو بساعات من النهار. تعال إلى المسجد بما تيسّر من لقمة تحملها في يدك، نصلي المغرب معًا ونفطر معًا، ثم نقوم الليل نسجد لله خالصين. وإني أعجب من أناس يختارهم الله ليكونوا بين المصلين في التراويح، ثم ينصرف أحدهم بعد أربع ركعات. ما الذي يصرفك؟ قد تقول: عندي عمل. وأنا أحترم ذلك، ولهذا نحرص ألا تطول صلاتنا، احترامًا لأعمال الناس في اليوم التالي. لكن ما الذي تغيّره دقائق قليلة؟ وما الذي ينتظرك في الخارج؟ ومن بقي مع إمامه حتى ينصرف فقد حصّل قيام ليلة،[6] فلو عدتَ بعدها إلى بيتك لنمتَ مرتاحًا أنك وفّيت وزدت.
فكرة التأمين، وأنت تقدّم لنفسك عند الله
عباد الله، الله غني عن عبادتك وعن مالك، بل غني عنا جميعًا، لكنه الغني ذو الرحمة. ومن رحمته أن فتح لنا أبواب العبادة، وجعل الصدقة سبيلًا إلى مرضاته، وسنّ لنا النبي ﷺ قيام الليل زيادةً على الفريضة. فلا تبخل على نفسك؛ فالأيام تتسارع والأحداث تتوالى، والنفس ضعيفة لا يقوّيها في زحمة الحياة إلا صلتها بالله. وما يدري العبد أي مرض يختبئ في جسده لم يحن أوان ظهوره، وأي شكوى ستصدر منه بعد أيام أو أشهر أو سنوات.
فلنقدّم بين أيدينا فكرة «التأمين». شركات الإنشورنس كلها قائمة على إقناع الناس بأنها ستكون معهم حين يحتاجون، وتتفاخر بأنها الأسرع خدمةً وأسبقها إلى نجدتك. ولا تعطيك إلا وقت الاحتياج مهما بلغت مدخراتها. فلماذا لا نحقق المضمون نفسه في جنب الله؟ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36]. وقد ضمن الله أرزاق الخلق، فأيُّ تصوّر هذا أن يتركك إلى الحاجة؟ حاشاه سبحانه. فليكن ما في يدك مضمونًا عند الله، وهو القائل: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: 9]. فمن تصدّق أمّن حياة أولاده بما يعطي.
زكاة الفطر: ما يُشبع وما يُطهّر
ولا أترك الجمعة دون كلمة في زكاة الفطر، فهي مسألة في غاية الأهمية. لا يقولن أحدكم: دفعتُ شيئًا يسيرًا وارتحت. فالأمر نسبي بين حالك وأحوال الفقراء، وقد حدّد النبي ﷺ هدفين: «طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ».[7] والأصل في الطُّعمة أن تُشبع، فيكون الإنفاق على قدر ما يُشبع الفقير. وكان بعض المشايخ يقول: ما دام الحديث «طهرة للصائم» فانظر ما اجترحتَ طوال الشهر وطهّر بالمقدار الذي يناسب ما صدر منك من ثغرات.
وما جعل الله الفقير في الحياة إلا اختبارًا للغني، ولو شاء لأغنى الناس جميعًا. ومن أعطاك قادر على أن يعطي غيرك، فإذا خصّك بالعطاء فإنه يختبرك. فلا تبخل على نفسك، فإنما تعطي مستقبلك وتؤمّن حياتك وحياة أولادك.
خاتمة: دعاء
نسأل الله أن يهدينا لأحب الأعمال إليه، وأن يأخذ بنواصينا إليه، وأن يسلّم لنا ديننا ودنيانا، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال في هذه الأيام المباركات، وألا يُخرجنا من رمضان إلا وقد غفر لنا ذنوبنا وكتبنا عنده من الأبرار. اللهم هيّئ لأمة نبيك أمر رشد، يعزّ فيه أهل طاعتك، ويهتدي فيه أهل معصيتك. والحمد لله رب العالمين.
--- [1]: توثيق المحرر: في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره». ولفظ الخطيب مختصر. [2]: متفق عليه من حديث المغيرة بن شعبة وعائشة رضي الله عنهما، في قيامه ﷺ حتى تتفطّر قدماه. [3]: توثيق المحرر: الثابت في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة». وقد قال الخطيب في التفريغ «في المجلس»، والثابت «في اليوم»؛ وروى أبو داود والترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنهم كانوا يعدّون للنبي ﷺ في المجلس الواحد مئة مرة: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ». [4]: رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه: «كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان». [5]: متفق عليه من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه. [6]: توثيق المحرر: لفظه «مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ»، رواه أبو داود والترمذي وغيرهما من حديث أبي ذر رضي الله عنه. ولم يذكر الخطيب لفظه صراحةً. [7]: رواه أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما.
Comments
Share a benefit or a thought about the article — we welcome your view.
No comments published yet. Be the first to comment.