Shaping the Future
How the Companions of the Prophet ﷺ shaped their future, and what separates the makers from those who sit back
المناسبة: خلاصة خطبة جمعة أُلقيت بتاريخ 28 سبتمبر 2018مالمصدر: تفريغ خطبة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده مقاليد السماوات والأرض وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله وصفيّه من خلقه وحبيبه، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، فجزاه الله عنا وعن أمة الإسلام خير الجزاء، وبعد:
المستقبل كلمة لا يفكر فيها كثير من الناس، وشغلنا الشاغل ما نعيشه اليوم وما بين أيدينا. وإن فكّر بعضنا في المستقبل انحصر تفكيره في العيال والأموال: ما الذي أدّخره للغد، وماذا أبني في المكان الفلاني، وماذا أُبقي لعيالي. فتعالوا نرى لقطةً من حياة النبي ﷺ لنعرف كيف كان أصحابه يصنعون مستقبلهم.
فتى قريش المدلَّل
يجلس رسول الله ﷺ في أصحابه يومًا، فيمرّ عليهم شابٌّ من شباب الصحابة اسمه مصعب بن عمير، عليه ثوب خشن مرقَّع. فتفيض عينا النبي ﷺ إشفاقًا على هذا الفتى الذي كان يُسمّى يومًا فتى قريش المدلَّل. كان مدلَّلًا إلى درجة أنه لا يستطيع أن يمشي حافيًا، ويشمّ الناس رائحته من بعيد فيعلمون أن الذي يسير في الطريق فلان، مصعب بن عمير رضوان الله عليه. وروايات كثيرة تعبّر عن مدى النعيم المادي الذي عاشه.
ثم يسمع يومًا أن النبي ﷺ يجلس في وسط أصحابه في دار صغيرة في أطراف مكة تسمى دار الأرقم بن أبي الأرقم، فينتقل إليه ويسمع منه ويؤمن على يديه. لكن أمامه عقبة كبيرة هي أمه، التي ستغضب غضبًا شديدًا إذا عرفت أنه أسلم مع محمد بن عبد الله ﷺ. فأخفى عليها إسلامه وتظاهر بحياته العادية، لكن واحدًا من المشركين رآه يصلي فأخبرها. فمنعت عنه ما عندها من الخير. وهذا أول سلاح نضغط به على من خرج عن إرادتنا: أن نسلبه ما هو فيه من النعيم. وهو سلاح يُتَّبع حتى مع أصحاب الكراسي في كل مكان، فيسمعون الكلام خشية أن يُشَدَّ منهم الكرسي. لكن مصعبًا رضي الله عنه أبى عليها، وأسلم لما أراده له رسول الله ﷺ.
وتبدأ مرحلة أخرى من المنع، فتأمر بحبسه، فيصير محبوسًا بعد أن كان الطليق الوحيد الذي يفعل ما يشاء، وكانت سلطته في مال أبويه تامة. هو الآن في غرفة صغيرة يُدخَل عليه بشيء من الطعام والماء، ممنوع عنه كل ما كان يتمتع به من العطور والفراش، وبنات قريش كنّ يتهافتن حوله. ثم يبلغه خبر هجرة أصحاب النبي ﷺ إلى الحبشة، فيريد أن يخرج من هذا الأسر ويتحيّل بأسباب حتى يخرج معهم. وفي الطريق، كما يُروى، رُئيت قدماه تقطران دمًا من السير على الرمل، فأعطاه أحدهم خفّين ليواصل مسيره. رجلاه ناعمتان لم تعتادا المشقة، لكنه يمضي في سبيله حتى يتم هجرته إلى الحبشة. ثم يعود مع من عاد، ثم يهاجر إلى المدينة بأمر مباشر من النبي ﷺ، إذ أمره أن ينطلق مع الوفد الكريم إلى يثرب ليعلّمهم الإسلام.
وللمواقف الدعوية التي صنعها مصعب في المدينة شأن عظيم، نتعلم منها إلى اليوم فنون الخطابة والدعوة: كيف تستقطب خصمك، وكيف تصنع حوارًا من لا شيء، وكيف تستميل من أمامك، وكيف تقنع بالحجة والبرهان. هي مدرسة كاملة تسمى مدرسة مصعب بن عمير في الدعوة إلى الله. اختاره النبي ﷺ موفدًا إلى أهل المدينة من قِبَل الإسلام كله، فمضى وفتح الله على يديه قلوب هؤلاء الناس فدخلوا في الإسلام، وهم يسجّلون النقاط في صحيفة أعمال مصعب يوم لقاء الله.
«كيف بكم إذا غدا أحدكم في حلّة وراح في حلّة؟»
ثم يمرّ يومًا أمام النبي ﷺ وهو بمثل هذا الهندام المرقَّع، فيبكي النبي لحاله. ولعل الصحابة لاحظوا بكاءه فتعجّبوا، فبادرهم ﷺ، كما رُوي، بقوله: «كَيْفَ بِكُمْ إِذَا غَدَا أَحَدُكُمْ فِي حُلَّةٍ وَرَاحَ فِي حُلَّةٍ، وَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ صَحْفَةٌ وَرُفِعَتْ أُخْرَى، وَسَتَرْتُمْ بُيُوتَكُمْ كَمَا تُسْتَرُ الْكَعْبَةُ؟»[1]. أي: ماذا لو انفتحت علينا الدنيا حتى تروا أحدكم يأتي صلاة الفجر بقميص أنيق ويأتي العشاء بثياب أخرى، وتجلسون إلى مائدة فيها أصناف وأطباق، وتكون في بيوتكم الستائر؟
قال الصحابة: يا رسول الله، نحن يومئذ خير منا اليوم. وكان منطقهم أننا حينئذ نتفرغ للعبادة. فقال ﷺ: «والله لأنتم اليوم خير منكم يومئذ». وهنا نتوقف عند هذه الكلمات لندرك سر ما حدّث به رسول الله ﷺ وهو يقارن بين حالَي مصعب. فقد قال عنه النبي ﷺ، فيما يرويه الخطيب: ما رأيتُ بمكة أحسن لمّةً ولا أرقّ حلّةً ولا أنعم نعمةً من مصعب بن عمير. ذلك العزّ الذي كان فيه قبل الإسلام، وهو منعَّم دنيويًّا، فلما دخل الإسلام ما كان الذي يقنعه بهذا إلا أنه ترك كل شيء لله.
«ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة»
ثم تعالوا نشاهد الصحابة وهم يتعاملون مع أسباب الدنيا والآخرة، وكيف كانت صناعة المستقبل عندهم. يقف أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وقد قارب الثمانين، على أبواب القسطنطينية. الحصون قوية لا يستطيع أحد أن يفتحها، فيقتحم المشهد جندي ويلقي بنفسه في صفوف العدو حتى يفتح الله على يديه. فيقول الناس: هذا الرجل غامر بنفسه، وقد قال الله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. منطق صحيح في ظاهره! فقال أبو أيوب: حسبكم، توقفوا. نحن أصحاب النبي ﷺ، وفينا نزلت هذه الآية. اجتمعنا معشر الأنصار يومًا نتحدث فيما بيننا أننا قد أدّينا ما علينا وبذلنا مع النبي ﷺ وضحّينا حتى فتح الله للإسلام وثبّته في الأرض، فتشاورنا أن نجلس في بيوتنا وننظر في أموالنا وأحوالنا وعيالنا، فأنزل الله فينا: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195][2].
نزلت الآية على خلاف ما يظنه الناس. فكأن الواحد منا يقول: لقد بذلتُ وفعلتُ، يطلبون مني بناء المسجد وقد أعطيتُ ما أعطيتُ، فلا تكلمني مرة أخرى، لقد أديتُ ما عليّ. أولئك خرجوا بأنفسهم وأموالهم ودمائهم وكل ما يملكون، مهاجرين ومقاتلين ومنفقين، وقدّموا ما عليهم وزيادة، فلما قالوا: كفى، نستريح قليلًا، نزل فيهم: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة. فأين التهلكة؟ التهلكة أن تقعد عن العمل، وأن تكفّ عن بسط يدك وعقلك وبدنك وجهدك لله، حينها تهلك نفسك. أما أن تنطلق وتعمل وتمدّ يدك بالعطاء وتكون مع المشاركين في العمل، فأنت تحيي نفسك وقلبك وبدنك وعقلك. وقد استشهد أبو أيوب بها لأنها نزلت حين أرادوا القعود، لا حين أرادوا الخروج. فكل انطلاقة في حق وكل سعي في سبيل الله إحياءٌ لهذه النفس.
سابع سبعة
ومن المشاهد البسيطة التي تُرينا ما ضحّى به الصحابة ما رواه خالد بن عمير قال: خطبنا عتبة بن غزوان رضي الله عنه، وهو من السابقين إلى الإسلام، فقال: «أما بعد، فإن الدنيا قد آذنت بصرم، وولّت حَذّاء، ولم يبقَ منها إلا صُبابة كصُبابة الإناء يتصابّها صاحبها». ثم قال: «ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ، ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قَرِحت أشداقنا، فالتقطتُ بُردةً فشققتُها بيني وبين سعد بن مالك، فاتزرتُ بنصفها واتزر سعد بنصفها، فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميرًا على مصر من الأمصار»[3].
سبعة أفراد حول النبي ﷺ لا يجدون إلا ورق الشجر، حتى جفّت حلوقهم وتقرّحت أشداقهم، وليس معهم شربة ماء تُرطّبها. فما الذي صبّرهم؟ دين يعمر القلوب. آثروا أن يُطعموا قلوبهم حلاوة الإيمان وزكاة القرآن، حتى وإن جاعت بطونهم. وهذا عتبة يخطب وهو أمير على البصرة كلها، لكنه يذكّر الناس بما بذله السابقون فداءً لهذا الدين.
كيف صنعوا هذا المستقبل؟ صنعوه لما ضحّوا من أجله. صنعوه لما شاركوا في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. صنعوه لما أثبتوا للدنيا كلها أن الإسلام جديرٌ أن يصنع رجالًا. صنعوه لما عرفوا أن لهم في الحياة أثرًا، وأنهم تاركون فيها بصمة، وأنهم معلّمون فيها شيئًا من الخير. صنعوه عندما عرفوا قيمة أنفسهم بـ«لا إله إلا الله، محمد رسول الله». صنعوه لما شعر الواحد منهم أنه يعلّم ولده الأخلاق كما يعلّمه السورة من القرآن، وأن وراءه ذرية صالحة تحمل «لا إله إلا الله» على كتفها وتنطلق بها في طول الحياة وعرضها. صنعوه لما أحسّوا أن الجنة قريبة وأنهم يتلذذون بوجودها كما يتنفسون الهواء حولهم. صنعوا المستقبل لأنهم أرادوا صناعته.
وأما القاعدون فشأنهم آخر. يكفيهم ما يملأ بطونهم ثلاث مرات في اليوم أو أكثر أو أقل. يكفيهم أنواع القهوة يتأملون حلاوتها ومرارتها، ويتخيّرون الماركات في الملابس وغيرها، ويتفننون في ذلك. هذا همّهم فقط. ولا أحرّم نعمة الله على أحد، ولكن الجمع بين السبيلين يقدر عليه من وازن بين الدنيا والآخرة. وذلك صنيع أهل التقوى.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية: سعيد بن عامر على حمص
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله ﷺ، وبعد:
رواية أخيرة في ولاة الأمر: سعيد بن عامر، ولّاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه يومًا على حمص، وما أدراك ما أرض الشام! نعيم. لكن أهل حمص يشكون سعيدًا إلى الخليفة. قالوا: عندنا أربع مسائل نشتكيه فيها. أما الأولى فإنه لا يخرج إلينا إلا بعد الضحى. وأما الثانية فإنه لا يجيب أحدًا بليل. وأما الثالثة فإنه يتخلف عن الخروج إلينا يومًا في الشهر. وأما الرابعة فإنه تصيبه بين الحين والآخر غشية.
وكان عمر قد اختار لحمص واحدًا من أوثق الناس عنده، فجلس إليه وإليهم وهو يدعو الله ألا يخيب فيه ظنه. فسألهم فقالوا ذلك. فسأل سعيدًا عن جوابه، فقال: والله ما كنت أحب أن أظهر للناس ما بيني وبين الله، ولكن يا أمير المؤمنين ليس عندي خادم، فأتأخر حتى أعدّ طعام أهلي وعيالي قبل أن أخرج إليهم. وأما الثانية فقد جعلتُ لهم النهار وجعلتُ الليل لله، فلماذا يريدون أن يشاركوني نصيبي مع ربي؟ وأما الثالثة فليس عندي إلا هذا الثوب، أغسله وأنتظره حتى يجفّ مرة في الشهر. وأما الرابعة فقد كنتُ مع الكفار حين قتلوا خُبيب بن عدي، وكانوا يقطّعون من بدنه ويقولون له: أتحب أن يكون محمد مكانك؟ فيقول: والله ما أحب أن يُشاك النبي ﷺ بشوكة وأنا آمن في نفسي وأهلي ومالي[4].
هكذا كانت تضحية هؤلاء الناس، وتلك كانت سمات حياتهم. لقد أرادوا الآخرة وسعوا لها سعيها وابتغوا سبيلها.
سؤالان لكل واحد منا
عباد الله، لا بد أن نقف مع أنفسنا ونتساءل سؤالين. السؤال الأول: هل نحن حقًّا نريد صناعة المستقبل، أم اكتفينا بما يصنعه لنا غيرنا؟ هل نريد حقًّا أن نسهم بأسمائنا وأعمالنا وجهدنا فيما سنتركه للأجيال التالية، أم نترك لهم من يبتكرون في عالم الأجهزة والهواتف ما يأخذ عقول الأطفال ويروّجون فيه ما يشاؤون؟
والسؤال الثاني: هل أنتم جاهزون للمعاونة، مستعدون للتضحية بوقت أو جهد أو مال؟ ذلك جواب لا يجيب عنه إلا كل واحد عن نفسه، ولا أحسن أن أجيب عن أحد، فما بينك وبين الله لا يعلمه إلا الله.
اللهم اجبر تقصيرنا في حق دينك والدعوة إليه، يا رب العالمين. اللهم استعملنا ولا تستبدلنا.
--- [1]: توثيق المحرر: أصل الحديث في سنن الترمذي من حديث علي رضي الله عنه في شأن مصعب بن عمير، وفي إسناده ضعف. وقد ساقه الخطيب بمعناه، والمثبت أقرب إلى لفظ الترمذي، وزيادة «والله» في قوله ﷺ الأخير من كلام الخطيب. [2]: رواه أبو داود والترمذي من حديث أسلم أبي عمران التُّجيبي رحمه الله في قصة أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه بالقسطنطينية. [3]: رواه مسلم من حديث خالد بن عمير العدوي عن عتبة بن غزوان رضي الله عنه. [4]: توثيق المحرر: لم يُوقف على إسناد قصة سعيد بن عامر مع أهل حمص، ولا من اجتماع شهود مقتل خُبيب فيها، فهي كما ساقها الخطيب. ويُلاحَظ أن المشهور في كتب السيرة أن قول «والله ما أحب أن يُشاك محمد بشوكة وأنا جالس في أهلي» هو قول زيد بن الدثنة رضي الله عنه حين أُخرج للقتل بمكة، وقد نسبه الخطيب إلى خُبيب، فيُراجع.
Comments
Share a benefit or a thought about the article — we welcome your view.
No comments published yet. Be the first to comment.