A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Tamaño
Volver a los artículos
Destellos de la Luz Profética

همّة أبي هريرة: الهمّة تسبق العمل

همّة أبي هريرة رضي الله عنه: الهمّة تسبق العمل — من سلسلة خاطرة الفجر

Dr. Ahmed Abouseif•٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦•8 min de lectura
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

اللهم أصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، وبارك لنا فيما رزقتنا، وقنا عذاب النار، واصرف عنا أسباب العذاب في الدنيا والآخرة برحمة منك ورضوان ولطف وكرم يا رب العالمين.

سبحان الله القدير! سورة القصص لا تحكي لنا قصص من سبق فحسب، وإنما تحكي لنا قصص النفوس، لنكون نحن أيضًا أصحاب موقف منها بإذن ربنا سبحانه وتعالى. وكأنني أستشعر مما نتلوه أن همّة المرء أزكى من عمله؛ فهي المُوقِدة، وهي المحرِّك، ولولا الهمّة ما تحرّك الإنسان.

رجلٌ من أعماق الجزيرة

كنا نتحدث بالأمس عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأتذكر ذلك الرجل البسيط الذي جاء من أعماق الجزيرة، من دَوْس في اليمن، يسمع بوجود النبي محمد ﷺ ويسمع عنه من رجل لم يمكث مع النبي أكثر من جلسة. تقول الروايات إن قبيلة دَوْس أسلمت على يد الطُّفَيل بن عمرو الدَّوْسي رضي الله عنه، وكان قد دخل مكة فجعلوا يحذّرونه من رسول الله ﷺ: إياك أن تستمع إلى هذا الرجل فإنه يفرّق بين الرجل وامرأته! وتقول الرواية إنه بلغ به الحذر أن وضع في أذنيه كُرسُفًا (قطنًا) حتى لا يسمع ما يقوله محمد عليه الصلاة والسلام.

غير أن إرادة رب العالمين سبحانه تبلغ مرادها، فبلغت كلمات النبي ﷺ وهو يتلو القرآن مسامعَ الطفيل وهو يطوف حول الكعبة. تخيّلوا المشهد: طفيل يطوف في جاهليته، والنبي ﷺ يتلو القرآن، والرجل واضع في أذنيه قطنًا لئلا يسمع شيئًا، وإذا برب العالمين سبحانه يبلغ هذا القرآن إلى سمعه! فيقول لنفسه في عبارته المشهورة: «ويحك يا طفيل! أنت رجل عاقل، فلماذا لا تسمع من الرجل وتنظر ما عنده؟» وتخيّلوا أن يكون في الأمر من يسمع عنك ومن يسمع منك.

والشاهد أنه جلس بين يدي النبي ﷺ فقرأ عليه بداية سورة فُصِّلت (وقد تحدثنا عن هذه المسألة من قبل)، فأسلم بين يديه، ثم قال: يا رسول الله، إن دَوسًا قوم قد فشا فيهم الزنا، وطلب أن يرجع إليهم، فبعثه النبي ﷺ إليهم، ثم انطلق.

انظروا: لم يجلس مع النبي ﷺ ثلاث سنين أو أربعًا أو خمسًا يدرس العلم، ويأخذ الشهادة الجامعية ثم الماجستير، ولم يجلس ذلك العهد الطويل، لكنه انطلق بكلمات صادقة في قلبه ونفسه. وأريد أن أتخيل ما الذي كان يشرحه لقبيلة دَوْس كل هذه الفترة حتى أسلمت القبيلة وأسلم الناس. وهذا حصل ربما في السنة السادسة أو السابعة من البعثة، والنبي ﷺ باقٍ في مكة ثلاث عشرة سنة داعيًا ثم انتقل إلى المدينة.

شوقٌ بلا وسائل تواصل

ويزداد شوق أبي هريرة للنبي ﷺ مرة بعد مرة. بناءً على ماذا؟ وما آلية المعرفة الموجودة في ذلك التوقيت؟ ليس هناك من يرسل لبعضهم على «سناب شات»، ولا «ماسنجر» بصوت وصورة، فما آليات التواصل؟ لا شيء إلا أن الإيمان يتحرك في النفوس ويوقظ القلوب، فينطلق مع جمع من قومه من دَوْس في اليمن إلى المدينة مباشرة، فيصلون المدينة تقريبًا بعد خيبر، في السنة السادسة أو السابعة من هجرة النبي ﷺ.[1] ويدخل المدينة ويلازم شخص رسول الله ﷺ.

وضَعوا تحت كلمة «يلازم شخصَ النبي ﷺ» مئة خط؛ لأن عندك مسألة مهمة جدًّا، هي مسألة الملازمة وما تستوجبه. فحين نذكر القصص التي رُويت في مواقف أبي هريرة مع النبي ﷺ ترى ما كان يضحك له، وما كان يدمع له، وما يشتدّ إليه شغف قلبه، وغير ذلك.

أهل الصُّفّة

لازم أبو هريرة رضي الله عنه رسول الله ﷺ حتى كان واحدًا من أهل الصُّفّة. وما أهل الصفة؟ جماعة لا يملكون شيئًا، يأتي أحدهم فيجلس في هذا المكان، والله سبحانه الرزاق العليم. تخيّلوا الناس داخلين عند العصر أو المغرب، ومن في يده لقمة، ومن بقي معه شيء، ومن يعلم أن في المكان أناسًا فيترك لهم شيئًا؛ فهو يجلس لا يملك من قوت يومه إلا ما يهدي الله القلوب إليه، فيأتي من يهدي الله قلبه ويجيء بما معه، وصاحبنا ينتظر فضل رب العزة سبحانه.

في مقابل ماذا كان ذلك؟ انتبهوا: حين نتكلم عن قدوم الناس إلى المدينة نجد أن كلًّا منهم وجد غايته. التاجر النابغة في تجارته، عبد الرحمن بن عوف مثلًا، لما أتى المدينة قال: دلّوني على السوق. ومثلهم عثمان بن عفان وأبو بكر الصديق وغيرهم رضي الله عن أصحاب النبي ﷺ أجمعين: أتوا المدينة وليس معهم شيء، غير أن كلًّا منهم حصّل مراده حتى صار من أغنى الناس. وفي كل مرة كان رسول الله ﷺ يدعو فيها إلى الإنفاق، كأنها حملة تبرعات، كان الناس يأتون يقولون: هذا ما عندنا يا رسول الله! ويضعون كل ما عندهم. وأنتم تذكرون تمامًا رواية أبي بكر لما خرج من مكة: ما الذي أخذ معه؟ أخذ ماله كله لينفقه على دعوة النبي محمد ﷺ.

والشاهد أن كل من نزل المدينة نال مراده ببركة وجود النبي ﷺ فيها، وبما أنعم الله عليه من همّة. فدخل أبو هريرة في جملة الداخلين، مع اختلاف الأوقات، فماذا كان مراده؟ لم يكن له مراد إلا رسول الله. فإذا كان الناس جاؤوا ليكونوا حول النبي فيأخذوا منه، فكأن أبا هريرة قصد أن يأخذ النبي نفسه ﷺ، فجلس حوله وتعلّم منه.

الوعاء الذي لا يتسرب منه شيء

وأنتم تتخيلون واحدًا ملازمًا يريد أن يسجّل كل شيء، فتزدحم الأعمال والمعلومات على ذهنه ورأسه، فجاء إلى النبي ﷺ يشكو إليه سوء حفظه، يقول: يا رسول الله، لا أستطيع أن ألحق. فأمره النبي ﷺ أن يبسط رداءه، ودعا له، فصار من أوعية العلم.

تأمّلوا كلمة «الوعاء»؛ كلمة دالّة على موضع يوضع فيه الشيء فلا يتسرب منه: لا شيء يخرج لا من فوق ولا من تحت. فكان من أوعية العلم. ورصيد أبي هريرة رضي الله عنه من الأحاديث التي يرويها عن النبي محمد ﷺ كبير جدًّا.

أمُّ أبي هريرة

ومن المواقف المشهودة له، للدلالة على ذلك الإحساس، أنه جاء مرة فقال: يا رسول الله، أمي، أمي! هذه السيدة الطيبة التي جاءت من آخر الدنيا لا تريد أن تقبل الإسلام. وأتساءل: هذه السيدة رأت حال ولدها، ورأت المجتمع النبوي. ولا أصفه بأنه أحسن مجتمع ولا أذكى ولا أطهر ولا أنقى، فكلمة «المجتمع الفاضل» صغيرة جدًّا على مجتمع النبي ﷺ. رأت ذلك كله بخير، رأت الناس يصلّون خلف رسول الله ﷺ، ورأت رسول الله يتلو القرآن على مسامع الناس في الصلوات، ورأت هذه العظمة، ومع ذلك لا تقبل الإسلام! الله أكبر! هذه مسألة تحتاج إلى دراسة: ما الذي يمنعها؟ لعل ذلك أنها كانت تتمنى لولدها مستقبلًا أفضل، وتريده طبيبًا أو مهندسًا، فوجدته فقيرًا قاعدًا إلى جانب هذا الدين، وكأنها تقول: ما الذي جئتم بنا إليه، نتسوّل هنا؟ وهذا مجرد تخمين نفكر فيه معًا، وليس عندي ما يثبته.

فقال: يا رسول الله، أمي، أمي! فدعا النبي ﷺ لها. دعا النبي ﷺ لها، فصاحبنا فرح جدًّا، وطار إلى بلد أمه ليبشّرها بأن النبي ﷺ قد دعا لها، فما إن بلغ موطنه حتى وجدها قد اغتسلت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

الدعاء سبق. فإلى الذين يشتكون: ابني عاصٍ، ولا أدري ما أصنع! فادعُ الله تبارك وتعالى فحسب.

الهمّة قبل العمل

والشاهد أن هذه المسيرة خلّفت لنا أبا هريرة رضي الله عنه. همّة الرجل سبقت عمله؛ فلولا أن عندنا همّة ما تحققت بين أيدينا أهداف. الإنسان الذي يعيش بلا همّة يعيش بلا روح، يعيش بلا حياة. ما مقصدك؟ ماذا تريد من هذه الدنيا؟ بماذا تريد أن تخرج؟ وفي الوقت نفسه فإن الإنسان الذي يقول «كفاية» في أي مجال يبدأ في مراحل الموت المبكر؛ فأول ما يوقف طموحاته وأغراضه وأهدافه يبدأ الموت المبكر. ولا شك أننا بشر، تصيبنا السآمة في بعض الأحيان، خاصة مع كثرة الأحداث وتداولها، وكثرة النزاعات والمشاكل والأحوال، فنقول: خلاص، لقد سئمنا.

والشاهد أن أبا هريرة قال للنبي ﷺ يومًا: ادعُ الله لي ولأمي أن يجعلنا من أحبّ الناس إلى الأمة. فدعا له، فكان من أحبّ خلق الله إلى الأمة. والسؤال الذي أسأله دائمًا: هل إذا سمع أحدكم اسم أبي هريرة وجد في نفسه شيئًا غير القبول؟ ما وجدنا في الدنيا كلها مؤمنًا معترضًا على وجود أبي هريرة، لا في الذكر ولا في السيرة. تخيّلوا فقط أنه كرّس حياته كلها بعد موت النبي ﷺ لإعطاء الناس ما استوعبه، فجعل نفسه وعاءً، حتى إذا مضت السنون وانقضت الأيام ومات النبي ﷺ بقي هو مع سنة رسول الله ﷺ.

السؤال الذي يطرح نفسه

والسؤال الذي يطرح نفسه دائمًا: ما الذي نحمله في قلوبنا من همّة، خاصة همّة طلب العلم؟ أين هي؟ أسأل الله أن يحققها في قلوبنا ونفوسنا، وأن يجعلنا من حَمَلة هذه الأمانة ويعيننا على بلاغها، وأن نكون مثالًا لها. نسأل الله عز وجل ألا نُخزى في أخلاقنا ولا في ديننا ولا في أمانتنا، وأن نُرزق من لدنه فهمًا نحيا به ونموت له. وأسأله تبارك وتعالى أن يمنّ علينا بنعمة الإخلاص، وأن يرزقنا الصدق فيما ندّعي، وألا نُبتلى بالكذب لا على أنفسنا ولا على الناس. اللهم آمين.

--- [1]: توثيق المحرر: ذُكرت أحداث الطفيل بن عمرو وأبي هريرة بحسب سياق المتحدث وروايته، ولم يُضف إليها عزو. وذكر المتحدث تاريخ القدوم بعد خيبر في السنة السادسة أو السابعة، والمشهور أن خيبر في السابعة. وحديث بسط الرداء رواه البخاري، وحديث دعاء النبي ﷺ لأم أبي هريرة وله رواه مسلم، وقد أوردهما المتحدث بالمعنى لا بلفظهما.

Comparte este artículo

Comentarios

Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.

Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.

Esperamos que el artículo te haya sido de provecho, y agradecemos tu comentario y tu consejo.

Pregunta al Jeque