A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Tamaño
Volver a los artículos
Destellos de la Luz Profética

دع ما يريبك إلى ما لا يريبك: الشرع يريد أن يريح نفسك

دع ما يريبك إلى ما لا يريبك: الشرع يريد أن يريح نفسك

Dr. Ahmed Abouseif•١٣ يوليو ٢٠٢٦•5 min de lectura
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 13 يوليو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

ربَّنا أصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، وهيِّئ لنا من أمرنا رشدًا، وبارك اللهم لنا فيما رزقتنا، وقنا عذاب النار، واصرف عنا أسباب العذاب في الدنيا والآخرة برحمةٍ منك ورضوانٍ وكرمٍ يا رب العالمين.

الحديث الذي لحق بنا

كان الأصل أن نتناول بالأمس حديثًا آخر، فلحق بنا هذا الضيف: قول النبي ﷺ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ». وفي رواية أخرى يقول ﷺ: «فَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ وَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ»، وفي رواية: «فَإِنَّ الْخَيْرَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الشَّرَّ رِيبَةٌ»، أو كما قال ﷺ.[1]

حديثٌ يُتناول عادةً من جهة ما بين اليدين

الناس في الغالب يتناولون هذا الحديث من جهة المعطيات التي في اليد: عندك شبهة في هذا المال فدعه وانصرف إلى غيره، وعندك إشكال في التعامل مع شيء ما فلا بأس. سألني أحد الإخوة منذ يومين: عندي «بلازا» أؤجّرها لشخص، ثم فوجئت أنه يبيع خمرًا بعد أن كنا اتفقنا على مطعم، فما الحل؟ وتجد من هذه الأسئلة كثيرًا جدًّا، واختلاط الحق بالباطل والخير بالشر كثير. فالسؤال يكون عمّا بين يدي الإنسان وما يفعل فيه، والجواب كذلك. وضعتُ مالي في البنك، آخذ أرباحه أم لا آخذ؟ هذه مسائل تصدر فيها فتوى.

وجهٌ آخر: حرص النبي ﷺ على نفسية المتعامل مع الحياة

لكن من وجهٍ آخر يظهر حرص النبي ﷺ على نفسيّة المتعامل مع مجريات الحياة، وكأنه ﷺ يُشفق عليك نفسيًّا من أن تلحق بمرحلة من التردد النفسي فتنزعج. تنزعج في نومك: أطعامي حلال أم حرام؟ وتنزعج وأنت تأكل اللقمة: أهذه تُنبت في داخلي شيئًا يدخل الجنة، أم تُنبت ما يكون من النار وأسبابها؟ ونعوذ بالله تبارك وتعالى من ذلك. وحين يتعامل الواحد منا مع الدخل الذي يدخل إلى بيته في حِلّه وحرمته، فهناك تبعات كثيرة، ورُوي عنه ﷺ: «كُلُّ جَسَدٍ نَبَتَ مِنْ حَرَامٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ».[3]

تخيّل شخصًا، في المثال الذي ضربناه، يدخل عليه عائدٌ شهري، لا نقول راتبًا، من تأجير هذا المكان مثلًا. وفي كل لحظة وهو يأكل يتصوّر أن جزءًا من هذا الطعام من ذلك العائد، فكأنه يُنبت نفسه حرامًا. أيُّ ألمٍ نفسيٍّ يبقى فيه الإنسان! فخلاصة الكلام: كأنّ رسول الله ﷺ حين يدعونا إلى شيء من الورع يريد أن يُخرج من داخلك كل أسباب الإرهاق النفسي. لا تضغط نفسك أبدًا.

التشريع كله يريد أن يريحك

لو نظرتَ لرأيت أن التشريع في أوله وآخره يريد أن يريح نفسك ويُطمئن بالك. فصلاتك هذه في أول النهار نوعٌ من تنقية الذات وتخليتها وتثبيتها قبل أن تنطلق إلى عالم الحياة. تخيّل من يذهبون إلى الشاطئ، وحريصين جدًّا على وجوههم وبشرتهم، فيدهنون أجسادهم بالواقي قبل أن يقفزوا في الماء. فكأن صلاة الفجر تصنع عندي مثل هذا: هذه التخلية والترميم الذاتي الداخلي، ثم تنطلق إلى حياتك، ثم تعود إلى صلاة الظهر فتستريح مرة ثانية. تقول: الحمد لله، ليس عندي مشاكل. ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾،[4] لا غرض لي غير هذا. وقد تأتي من عملك أو متجرك وقد خسرتَ في تجارتك، أو عندك مشكلة في العمل، أو كسر أحد الأبناء إناءً، أو حصلت أي مشكلة، لكنك عدتَ إلى صلاة الظهر: الله أكبر. وبين هذا وذاك ترى الإسلام يُرمِّم الإنسان داخليًّا في كل جزئية من جزئيات حياته.

والآيتان اللتان سمعناهما في صلاة الفجر ترياقٌ من الجنة: تسمع القرآن الكريم وتستشعر عظمة رب العالمين سبحانه وتعالى بين مآلات أهل الإيمان وبين ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ﴾.[2] هذا الحق الذي أنت فيه الآن، وغيرك ليس فيه، الحق الذي تستمتع بلذّته وغيرك يكتوي بناره، الحق الذي ترى ثمرته بين يديك في الدنيا ثمرةً صالحة من أبناء طيبين، وثمرته في الآخرة جنةٌ عرضها السماوات والأرض. فسبحان من شرع لنا هذا.

من الأرقام إلى الأشخاص

يقول النبي ﷺ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ». سآخذ هذه القاعدة من كونها تتعامل مع الأرقام والمحسوسات إلى كونها تتعامل مع الأشخاص. فالشخص الذي يُرهقك نفسيًّا لا تتعامل معه. دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. لست مضطرًّا أن أُقحم نفسي في علاقات ترهقني ذاتيًّا.

وقد سمعتُ مرة جملة، حين بدأتُ عملًا اضطررتُ فيه إلى أن أدرس شيئًا من علم الإدارة وكيف تمضي الدنيا وتوظيف الناس، من الجمل المشهورة فيه: الموظف الذي يجعلك تفكر فيه قبل أن تنام أكثر من خمس دقائق، ارفضه. وأقول: ما الذي يجعله يأتي على بالك قبل أن تنام؟ قبل النوم أنت تفكر في أحد أمرين: إما أنك تعبان، وإما أن زوجتك بجانبك وتريدان أن تتحدثا أو تفعلا أي شيء، وأنتما حرّان مع بعضكما، وهذا حلال بينكما. فالآن أنت تفكر في ماذا؟ فالشخص في حياتك الذي يجعلك تفكر فيه قبل أن تنام، أخرجه من حياتك جملةً وتفصيلًا. فكأن رسول الله ﷺ يعلّمني كيف أعفي نفسي من أي نوع من أنواع الأرق.

ما معنى «الريبة»؟

ثم تأتي الرواية: «فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَالْكَذِبَ رِيبَةٌ». ما معنى الريبة؟ شيءٌ يتسلسل داخل النفس، لا تُحسن أن ترى معالمه، لكنك ترى أثره: شيءٌ يتحرك، لا تقدر على أن تمسكه لكنك تحسّ به. تعرفون في مصر ماذا نقول؟ «أنا حاسس إن الفار بيلعب في عبّي». وهي عند إخواننا في سوريا كذلك بالجملة نفسها. لا تستطيع أن تُخرجه ولا تمسكه، لكنك متوجّس خيفةً من مسألة ما.

الخلاصة: رمِّم نفسك حتى تدخل الجنة سليمًا

خلاصة القول في هذا الصباح الكريم المبارك، المليء بالخيرات برؤية هذه الوجوه الصالحة الطيبة: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. الشيء الذي تشعر أنه سيقلقك، أَركِنْه من حياتك ولا تشغل نفسك به. الدنيا تنتهي بعد حين، وانتهاؤها يحتاج إلى نفسٍ صالحة لدخول الجنة. فرمِّم نفسك حتى تكون جاهزة لدخول الجنة. لا تلقَ الله سبحانه وتعالى وأنت منهكُ النفس مُهلهَل. كن قويًّا بالقدر الذي يحملك على أن تقول للناس: نعم، ابقوا في حياتي، أفتح لكم قلبي وصدري؛ وقادرًا على أن تقول: لو سمحت، قف عند هذا الحد، بكلمة طيبة وجملة صالحة، وسلامٌ عليكم.

ورسولنا ﷺ يعلّمنا ألّا نُرهق أنفسنا ذاتيًّا، فانتبهوا إلى ما في الداخل كما تنتبهون إلى ما في الخارج. أكبر مشكلة يقع فيها الناس أنهم يهتمون بالظاهر: أريد ماركة جيدة، وسيارة نظيفة، وبيتًا محترمًا، وفراشًا وثيرًا، وكل ما ترتديه فوق رأسك أو في قدميك. لكن الاهتمام الحقيقي بداخل الإنسان، تلك الصَّنعة التي أعدّ الله عز وجل لنا فيها منهجًا. فمن راعى تعبّده لله فقد صان نفسه داخليًّا، ومن اهتم بالدنيا فقد صان نفسه خارجيًّا. أيهما يبلى وأيهما يبقى؟ الظاهر يبلى والباطن يبقى. الجسد من خارجه يأكله التراب وما فيه، والإنسان من داخله يُصان بكل أنواع الكرامة.

أسأل الله العلي القدير لنا ولكم تزكية النفوس، وحفظ العقول والقلوب.

--- [1]: توثيق المحرر: الحديث «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» رواه الترمذي والنسائي وهو الحديث الحادي عشر من الأربعين النووية؛ وما ورد في الرواية الأخرى نُقل هنا بحسب ما قاله المتحدث. [2]: توثيق المحرر: الآية من سورة الأحقاف (٤٦: ٣٤)، وقد اقتصر المتحدث على الإشارة إلى قدرٍ منها فلم تُتمَّم في المتن. [3]: توثيق المحرر: ساق المتحدث اللفظ دون عزو، وهو مروي بألفاظ متقاربة وفي طرقه كلام عند أهل الحديث، فيُراجَع تخريجه قبل النشر. [4]: توثيق المحرر: الفاتحة: ٤–٥.

Comparte este artículo

Comentarios

Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.

Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.

Esperamos que el artículo te haya sido de provecho, y agradecemos tu comentario y tu consejo.

Pregunta al Jeque