جامع العلوم والحكم ٩: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه» وترك التنطّع
جامع العلوم والحكم (9): «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه» وترك التنطّع
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 14 يونيو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
اللهم أصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، وبارك لنا فيما رزقتنا، وقِنا عذاب النار.
حديثنا اليوم عن حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرةُ مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم».[1]
ما الذي يريده النبي ﷺ لأصحابه؟
أعيد الحديث: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم»، ثم يبيّن العلة بقوله: «فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرةُ مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم». وأنت تقرأ الرواية فلا تسأل: ما الذي يريده النبي ﷺ من أصحابه؟ بل: ما الذي يريده لهم؟
فإذا قرأتَ الروايات الأخرى للحديث وجدتَ نفسك أمام تطوّرٍ في التفكير ومستوياته. يقول أبو هريرة في رواية: «دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالُهم واختلافُهم على أنبيائهم». في الرواية الأولى جاءت الخلاصة: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه»، وهنا كأننا نعود خطوةً صغيرة إلى الوراء لنعرف مزيدًا من سبب ورود الحديث. فما معنى «دعوني ما تركتكم»؟ معناه: ما لم أتطرق إليه في الحديث معكم فلا تبالغوا في السؤال عنه، فالترك خير لكم، ولا تكثروا من تذكيري بما سكتُّ عنه.
مشهد الخطبة
وفي رواية أخرى عن أبي هريرة يتضح المشهد أكثر: يقف النبي ﷺ على المنبر فيخطب الناس فيقول: «يا أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجّوا». فيقول رجل: أَكُلَّ عامٍ يا رسول الله؟ فيسكت النبي ﷺ. ثم يسأل الرجل: أكل عام يا رسول الله؟ فيسكت. ثم يسأل الثالثة: أكل عام يا رسول الله؟ فيقول ﷺ: «لو قلتُ نعم لوجبت، ولَمَا استطعتم». ثم قال: «ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالُهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه».[2]
وفي رواية عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنهم سألوا رسول الله ﷺ حتى بلغوا به غاية المشقة في المسألة، فغضب ﷺ حتى صعد المنبر، ثم قال: «لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بيّنتُه». فقام رجل كان إذا تكلم مع الرجال عيّروه بأنه منسوب إلى غير أبيه، أي إن في أمه كلامًا، فقال: يا رسول الله، من أبي؟ فأخبره النبي ﷺ باسم أبيه الحقيقي. ثم قال عمر رضي الله عنه: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولًا، نعوذ بالله من الفتن.[3]
وهذا باب إذا فُتح قام كل واحد يقول: وأنا؟ وأنا أريد أن أعرف، وأنا من أبي؟ وقد يأتيه خبرٌ يقلب حياته رأسًا على عقب.
من السؤال إلى التنطّع
ما العلاقة بين ما نحن فيه من باب الطاعة والمعصية، وبين مسألة سؤال صاحبنا عن نسبه؟ الفهم الذي عندي أننا إذا بدأنا بالسؤال عن الطاعة والمعصية حتى بلغنا مرحلة التنطّع، أي السؤال عما وراء الطبيعي وما زاد عليه، فقد بلغنا موطنًا لا نحب أن نكون فيه مرة أخرى.
والتنطّع الحاصل في حياة المسلمين بلغ بنا أن لا يصلي أحدنا خلف الآخر! نحن اثنان مسلمان أتينا المسجد نفسه لنصلي خلف الإمام نفسه، فإذا بواحد يقيم الصلاة بطريقة غير التي عندي، فلا أصلي وراءه ولا معه. وإذا جاء أحدهم بالبسملة قبل الفاتحة والآخر لا يأتي بها، قد أتهمه وقد لا أتهمه. وهذا يضع يده هنا، والآخر يسدلها، والثالث يضعها فوق صدره، فأقرّ هذا ولا أقرّ ذاك. هذا تنطّع.
والأمثلة التي نراها هذه الأيام كثيرة جدًّا من ميدان الحج خاصة. ناسٌ يكفّرون ناسًا! أقسم بالله أنه في لحظة من اللحظات قال واحد: لا، أنتم لستم على الملّة. هكذا حرفيًّا. والخلاف في ماذا؟ في الرمي: بعد الزوال أم قبل الزوال، بعد الفجر أم قبل الظهر؟ وأنتم تعلمون ما في هذه المسألة من اختلافات بين العلماء. فيأتي واحد هو كبير في قومه، يتحدث عن إخوانه الذين يحجّون معه في الخيمة نفسها، وفي الصلاة نفسها، وفي الموعظة نفسها، وفي الحركة نفسها، فيقول: لستم على الملّة! أنت ذهبتَ بعيدًا جدًّا. ما الذي أوصلك إلى آخر المشوار حتى تجيء بالملّة من آخرها؟ كان يكفيك أن تقول: لستم على مذهبي، لا أتفق معكم، ليس هذا هو الأولى عندي، أنا أرى أن هذا أصوب. هذه الجمل اللطيفة نحن متعوّدون عليها، وتقول: سنفضّل أن نفعل كذا. طيب، بارك الله فيك. أما أن ترمي بعيدًا خالصًا، وتخرج الناس من الدائرة كلها، فلا.
فماذا يقول النبي ﷺ انطلاقًا من هذا السؤال المتكرر «أكل عام يا رسول الله؟» يقول: «هلك المتنطّعون».[4] هم الذين يريدون أن يسيروا على طريقة واحدة بحرفية كاملة.
«هل لو أقنعتك ستغيّر رأيك؟»
لا أزال أذكر، والله الذي لا إله غيره، حوارًا يوم كنا نتكلم عن بداية شهر رمضان، في مكالمة جماعية بين مجموعة من الأئمة الكرام، بارك الله فيهم جميعًا. طالت المكالمة وسكت الجميع إلا واحدًا. فقلت: شيخنا، أعتذر، سؤال أخير فقط: لو أقنعتُك، هل ستغيّر رأيك؟ قال: لا. فقلت في نفسي: إذن نحن نُضيّع الوقت. وانتهى الأمر بالشكر والسلام.
والشاهد أن ثمة عقولًا تسير على قضبان حديدية. وهذا في أصل التشريع مقبول، فعقيدتي أنه لا يكون لنا أن نشرك بالله، وهذا مستقيم والحمد لله. لكن تأمل السيارة التي تسير بين خطّين في الطريق: إنها تتحرك بين خطّي الحارة، لكنها تُشير بإشارة التحويل وتنظر هل وراءها أحد، فتنتقل إلى الحارة التي بعدها، ثم التي بعدها، حتى تخرج من المخرج الذي تريد على مهل وبالراحة. هكذا يعطيك التشريع سعةً في هذه الميادين. أما من بقي ماشيًا على الخط نفسه ويقول لك: هذا هو الخط الذي يسيرون عليه، فيفوته مخرجه مرة بعد مرة ويقول: لا، أنا ماشٍ هكذا، فلا ندري إلى أين يصل.
حَرَجٌ يجلبه الإنسان لنفسه
وتخيّل إنسانًا يسير هكذا وليس عنده في جسده موضعٌ للمرونة! ولعل أصحاب النبي ﷺ، رضوان الله عليهم أجمعين، سخّرهم الله سبحانه ليبيّنوا لنا هذه القاعدة، فنحن أمام حرجٍ وشدّةٍ يجلبهما الإنسان لنفسه.
تذكرون يوم دخل النبي ﷺ فرأى حبلًا، فسأل لمن هذا الحبل؟ فقالوا: فلانة تصلي، فإذا عجزت استعانت بالحبل لتقوم وتكمل الصلاة. تخيّل أن أحدنا يصلي حتى يتعب، وبجانبه كرسي يضع يده عليه ليقوم. نحن لا نحتاج منك هذا الجهد. وقال النبي ﷺ ما معناه أن يصلي أحدكم ما دام نشيطًا.[5] ومعنى هذه الجملة: صلِّ على قدر ما تقدر. وهنا ترى نفسك مواجهًا تمامًا لقول الله تبارك وتعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾[6] في كل الميادين.
ولذلك أقف أمام رواية أن النبي ﷺ كان يجمع بين الصلاتين أحيانًا بغير عذر ظاهر. يُروى عنه أنه جمع مرة بين الصلاتين وليس للناس ما يرونه من مطر ولا خوف ولا الأسباب التي تعطي رخصة الجمع. فكيف فعل النبي ﷺ ذلك؟[9] يقول المتحدث: كأن في ذلك إشارةً إلى أن الضعف قد تكون له صور ظاهرة وصور خفية. وما الصور الخفية؟ أن تدخل في خصام في البيت، والخصام مع «السلطات العليا» معروف! فتدخل في شجار، وتخرج متضايقًا مكروبًا، ولا يخطر ببالك أن تقف بين يدي الله في هذه اللحظة، وتستحي أن تصلي بين يدي ربّ العالمين. (أضرب مثالًا فقط، وكل الأحوال على رؤوسنا، ولا نحب أن نكون كذلك إن شاء الله.) المقصود أنه قد يتأتّى لك من الأوقات ما لا تُحسن معه أن تقف، وهي مرة لا نأخذها قاعدة. فالشاهد عندي أنه قد يكون لديك من العذر ما لا يطّلع عليه الناس فتتصرف بشكل ما، والدين يدعمك ويؤيّد نفسيتك ويرفع معنوياتك ويضاعف هذا الخير الكامن في داخلك، وإن لم تكن تتصرف بما يراه الناس.
ومن هنا كلمة «إن الدين يسر، ولن يشادّ الدين أحدٌ إلا غلبه»،[7] وقول الله تبارك وتعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾[8] إلى آخر ما قاله ربنا جلّ في علاه.
«بنسبة كم؟»
النبي ﷺ يضع في هذا قانونًا. كل شيء حرام نبتعد عنه بنسبة كم؟ في المئة! وكل شيء مأمورون به نعمله بنسبة كم؟ المهندسون هؤلاء لهم أحوال مع الله، يريدون النتيجة فورًا: «وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم». بنسبة كم؟ ثلاثين؟ سبعين؟ تسعين؟ عندي ثوابتُ لا أتجاوزها ولا أنزل دونها: خمس صلوات في اليوم والليلة. لكن منا من يصلي سنّة الظهر أربعًا وأربعًا، إن كان عنده رواية في ذلك، ومنا من يصلي أربعًا واثنتين، ومنا من يصلي اثنتين واثنتين، ومنا من أخذ من مديره إذنًا بخمس دقائق يصلي فيها الظهر، فيقول: أربع ركعات؟ لا، الأحسن أن أقتصر على ما يناسب جدولي. هنا «الله أكبر»، ثم السلام عليكم الأولى والثانية وأنا أجري نحو الشمال!
وتخيّل طبيبًا، أعزّ الله إخواننا الأطباء، عنده عملية جراحية طويلة، ويريد أن ينجز صلاتي الظهر والعصر لأنه يعرف أن الأمر ممتد به إلى ما بعد ذلك. أنتم تعلمون أن بعض الجراحات تمتد اثنتي عشرة ساعة، نسأل الله العافية والسلامة يا رب العالمين. والشاهد أن كل إنسان يقدّر طاقته في بذل الطاعات بقدر ما يستطيع.
الرخص: لمن يتوهّم المشقة
ومن هنا جاءتنا جملةٌ يهون عليك الفهم إذا سمعتها: الرخص التي منحها الله عز وجل لمن منحها، منحها لمن يُتوهَّم عندهم المشقة. أقولها مرة ثانية: لمن يُتوهَّم عندهم المشقة. أنا مسافر أربعة وثمانين ميلًا (أو كيلومترًا، أو أيًّا كانت مسافة القصر)، راكب أي نوع من السيارات تحبّه، سيارة فخمة فيها مكيّف، والدنيا محترمة، ومعي ماء بارد، والجو جميل، والدنيا هادئة. هل عندي رخصة أن أصلي قصرًا أم لا، مع تيسّر أحوال السفر وليس هناك مشقة في المسألة؟ ففلماذا أعطاني الله هذه الرخصة؟ لأن المشقة في السفر مظنونة محتملة: قد تتضايق، وقد يطول الطريق، وقد يشقّ عليك المشوار، وقد تأتيك مكالمة تكدّرك. نعم، الله بهذه الدرجة من التيسير الذي يشمل قلوب المتعلقين به.
وطبعًا ستجد واحدًا آخر يقول لك: اركب الدراجة النارية ولُفَّ حول البيت (على ما يُنسب إلى فتوى متداولة). هذا كلام فارغ، وذلك هو التنطّع.
لا تحمّل غيرك ما يشق عليهم
لا أريد أن أطيل عليكم ولا أثقل، لكن من عظمة التشريع أن رسول الله ﷺ يقف مع الناس غاضبًا لأن واحدًا يريد أن يكلّف المجتمع ما لا يستطيع ولا يطيق. فلا يحمّل أحدٌ منا أهله أو إخوانه ما يشق عليهم. تريد أن تتورّع وتقوم بالدين بنسبة مئة بالمئة؟ اعملها وحدك، لكن افهم أن للناس حولك أحوالًا، وأن منا القادر ومنا العاجز، ومنا من يستطيع ومنا من لا يستطيع، وربنا في أصل الأمر رحيم لطيف ودود برٌّ بعباده.
ثم تَرى نفسك بين يدي الله تبارك وتعالى على سُلّم الصعود، فمن الذي يأخذ بيدك؟ الله. فإذا كان الله هو الآخذ بيدك، أتظن أنك تقف عند حدّ أو درجة؟ أم أن الله عز وجل يرفعك مهما بلغت قدرة العبد منا، وعجز عن إنجاز ما يتمنى؟ فإن كان الآخذ بيده هو الله فلا بد له من صعود ليس له توقف.
--- [1]: توثيق المحرر: هو الحديث التاسع من الأربعين النووية، أخرجه البخاري ومسلم. وقد بدأ المتحدث بذكر راوٍ آخر ثم عاد إلى حديث أبي هريرة، فاعتُمد ما استقر عليه كلامه. [2]: توثيق المحرر: الرواية في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، وفي التفريغ «ولما استطعت» والمثبت «ولَمَا استطعتم» على ما في الرواية المعروفة. [3]: توثيق المحرر: الرواية في الصحيحين من حديث أنس. وفي التفريغ اضطراب في اسم والد السائل فلم يُثبَت. [4]: توثيق المحرر: أخرجه مسلم من حديث ابن مسعود، «هلك المتنطعون» ثلاثًا. أورده المتحدث ربطًا بالسياق. [5]: توثيق المحرر: الحديث في الصحيحين من رواية أنس، وفيه «ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد». نقله المتحدث بالمعنى. [6]: توثيق المحرر: البقرة: 286. [7]: توثيق المحرر: أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة. [8]: توثيق المحرر: البقرة: 185. [9]: توثيق المحرر: الرواية في صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفيها أنه جمع «من غير خوف ولا مطر»، وأن ابن عباس علّل ذلك بقوله: «أراد ألّا يحرج أمته». وما ذكره المتحدث بعد ذلك من صور الضعف الخفية تأمّلٌ منه وليس من الرواية.
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.