خاطرة [ إلى أن يندحر الشيطان ]
التوبة المتجددة ومدافعة الشيطان في الذنوب والبيوت والعلاقات
المناسبة: تفريغ خاطرة أُلقيت بتاريخ ١٨ أكتوبر ٢٠٢١م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا وآخرتنا، وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، وبارك لنا فيما رزقتنا، وقنا عذاب النار.
أما بعد، فقد رُوي أن أحد أصحاب النبي ﷺ جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إني رجل مُقتَرِفٌ للذنوب، أي يكثر من اقتراف الذنوب. فقال له النبي ﷺ: تُبْ إلى الله. فقال: يا رسول الله، أعود؟ فقال ﷺ: تُبْ إلى الله. فقال: يا رسول الله، أعود؟ فقال ﷺ: تُبْ إلى الله. قال: إلى متى يا رسول الله؟ كلما أذنبتُ تبتُ، ثم أذنب ثم أتوب، ثم أذنب ثم أتوب. فقال النبي ﷺ: حتى يكون الشيطان مدحورًا.[1]
وفي حوار آخر بين مجموعة من شباب الصحابة والنبي ﷺ، جاؤوا يقولون: يا رسول الله، إن فلانًا يصلّي خلفك الصلوات الخمس، فإذا خرج من المسجد فعل كذا وكذا من المعاصي. فقال لهم النبي ﷺ: أليس يصلّي معنا؟ قالوا: بلى يا رسول الله. فقال لهم ما معناه إن صلاته تنهاه عن الفحشاء والمنكر.[2]
فتحُ باب الأمل
فتحُ باب الأمل للناس من أهم الدعائم التي تحمل العبد على مزيد من الخير. أما الذين يغلقون الأبواب ويقفون أمام الخلق إذا فعلوا شيئًا أو ارتكبوا إثمًا أو اقترفوا معصية، فهؤلاء يُيئِّسون الناس من رحمة رب العالمين سبحانه وتعالى.
في الرواية الأولى مواجهةٌ صريحة من رجل يعترف بذنبه. وإدراك الخطأ نصفُ الطريق إلى الوصول إلى الصواب. فإذا جاء يقول: يا رسول الله إني رجل مقترف للذنوب، فقد عرف نفسه وعرف ذنبه، وهو في طريقه إلى التخلص من عادته التي اعتادها من معصية الله تعالى.
والملاحَظ أن النبي ﷺ لم يسأله عن التفاصيل، ماذا تفعل بالضبط؟ ولم يسأله عن المعصية التي يمارسها، فقد تكون كبيرةً من الكبائر، وقد تكون صغيرةً. بل حدّد له نوعَ العلاج المشترك بين كل أنواع المعاصي، وهو: تب إلى الله.
سلّمُ الاستغفار
فإن العبد إذا تاب إلى رب العالمين سبحانه واستغفر الله عز وجل، وضع قدمًا على سلّم الصعود. فيدفعه الشيطان مرة أخرى لينزل هذه الدرجة بالمعصية، فإذا هو يستغفر فيصعد، فيدفعه الشيطان فينزل، فيصعد بالاستغفار ثم ينزل بالمعصية، ثم يصعد بالاستغفار. إلى متى يا رسول الله؟ فيأتي الجواب: حتى يكون الشيطان مدحورًا.
وكلما طالت الخصومة كان انتصارُ أحد الطرفين بعدها قاصمًا لظهر الخاسر. أما الانتصار بعد معركة قصيرة، وهو أشبه بالضربة القاضية، فيدوخ فيها الخصم قليلًا ثم يقوم لك من جديد. لكن بعد حرب طويلة ينهزم فيها أحدهما، تكون النفس قد توطّنت على معرفة مواطن ضعف الخصم. والخصمُ الذي أمامنا هو الشيطان.
ومن معالم الحج أن الناس يذهبون فيرمون هذه الجمرات لدَحْر الشيطان. فما معنى دحر الشيطان؟ أن يعود الشيطان خاسئًا متحسّرًا على حاله وعلى عدم قدرته على الانتصار عليه.
لماذا يتكرّر الذنب؟
لوجود الحاجة نفسها. من يسرق، لماذا يسرق؟ لأنه محتاج دائمًا، وليس عنده ما يكفيه، ولا يستطيع أن يجد سبيلًا آخر، فيأخذ من أموال الناس. وكلما أخذ مرة عاتبتْه نفسه فاستغفر، ثم يحتاج فيعود، ثم يستغفر، ثم يحتاج فيعود. وقد تكون الحاجة في المال، وقد تكون في شأن النساء: شابٌّ يرى ما لا صبر له عليه، ولا يستطيع أن يأتي أهلًا له لأنه لا أهل له ولا امرأة له، فتقع له بين الحين والآخر نظرة أو كلمة أو غيرها. ثم يعود فيندم ويستغفر الله، ثم تغلبه نفسه ويدفعه الشيطان، فإذا هو يقع في المعصية مرة أخرى. إلى متى يا رسول الله؟ يقول النبي ﷺ: حتى يكون الشيطان مدحورًا.
فمتى يندحر الشيطان؟ بإصراره على عدم الخطأ. والقلبُ الذي يتألم للمعصية ويندفع للطاعة عليه ثواب؛ وقد يندفع للطاعة ولا يستطيعها، لكن الله يثيبه.
كل بني آدم خطّاء
القاعدة العامة أن «كلَّ ابن آدم خطّاء»، لكن الاستثناء؟ «وخيرُ الخطّائين التوابون».[3] فالنبي ﷺ يضع عمومَ الخلق في إطار الخطأ والمعصية، وهذا شيء عجيب جدًّا. فالطبيعي أن نقول: الأصل في الناس الاستقامة. كما نتكلم مع أولادنا فنقول: الأصل أن تحصل على مئة في المئة في الامتحانات. والحقيقة ليست كذلك؛ فالأصل أن المتعلّم يتقدم خطوةً خطوة بقدر ما يستوعب، ويتعثّر وينتبه، ويمارس ويجتهد. فحين يعمّم النبي ﷺ هذه القاعدة، أن احتمالية الخطأ موجودة عند كل الخلق، فهذه مسألة عجيبة جدًّا، لكنها متفقة مع طبيعة النفس البشرية. فمن المنتصر الذي يدحر الشيطان؟ خير الخطّائين التوابون.
ثم إنك إذا قلت عن واحد إنه «تواب» فهذا غير أن تقول «تائب»، وإذا قلت «خطّاء» فهذا غير أن تقول «مخطئ». فكأن النبي ﷺ افترض كثرةَ الخطأ، وليس حدوثه مرة واحدة. فهو لم يقل إن كل بني آدم يخطئ، بل قال خطّاء، وصيغة المبالغة هذه مضاعفةٌ للوصف لاحتمال تكرر الأخطاء وتنوّعها. لكن من هو العاقل؟ الذي يدرك أن هذا الشيء يضره فلا يفعله، فإذا وقع عاد إلى الله واستغفر رب العالمين سبحانه وتعالى.
حين يحمل الهوى على التكبّر
وبعض الناس يحمله هواه إلى مرحلة من مراحل التكبّر عن الله تبارك وتعالى. ففي الآية التي قرأناها: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾، ويجيبه رب العالمين سبحانه وتعالى.[4] فهل مثل هذا لا يستحق أن نردّ عليه ونعاقبه فورًا؟ لا، ليس هذا منهجنا. ليست مهاجمةً، وإنما منهجنا إصلاح القلوب.
أين تدحر الشيطان؟
والسؤال: حتى يكون الشيطان مدحورًا، كم مرة حاولتَ أن تدحر الشيطان في خصومتك مع امرأتك، أو في مشكلة لك مع صاحبك؟ كم مرة حاولتَ أن تدحر الشيطان الذي أراد أن يفرّق بينك وبين أخيك في شراكة عمل، أو بين أخوين لأب وأم، في علاقات أراد الله لها البناء والقوة؟ يدخل الشيطان فيُفهمك غير ما قصد أخوك، ويدخل إليه فيوصل إلى مسامعه كلمةً لم تقلها بهذا اللفظ. ولا يزال الشيطان يفرّق بين الناس، فإذا صنع ذلك وصل إلى غايته، لأن من المستحيل أن تقوم الأعمال على قلوب متفرقة ولا على عقول مختلفة. فإذا اتحدت العقول والقلوب نهضت الأعمال نهوضًا لا يسبقها إليه الشيطان. ولذلك فالشيطان يكسر لك العلاقات التي بينك وبين الناس، حتى تقول: لا نستطيع أن نكمل، فلنفترق في أول الخطوة.
وكذلك في البيوت: يريك صنيعها على غير ما قصدتْ، وينطق لسانك بعكس ما في قلبك، فتبقى في شجار دائم وخلافات مستمرة، ويتعب نفسك وقلبك وعقلك، فتتصور في لحظة من اللحظات أن الطلاق هو الحل الوحيد والأمثل. بل بالعكس: ادحر الشيطان، واجعله هو الخسران، بمزيد من الصبر، وباحتساب، وبكلمة طيبة، وبجملة رفيقة، وبهدية تعطّر الجو.
ومن وهب نفسه لله جعل نفسه للخلق، ومن وهب نفسه لله لم يطلب من الناس مثلَ ما يفعل لهم، وإنما يفعل للناس أكثر مما يُطلب منه.
حتى يكون الشيطان مدحورًا. اجعلها في رأسك في كل موقف تشعر فيه أن الشيطان يتدخل: ادحر الشيطان بصبر وثبات واحتساب. وأسأل الله تبارك وتعالى ألا يجعل للشيطان سبيلًا إلى قلوبنا، وألا يمكّنه من مشاعرنا وعقولنا، وأن يثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. اللهم آمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
--- [1]: توثيق المحرر: لم يعزُ المتحدث هذه الرواية، ولم يتحقق المحرر من ثبوتها ولا من تخريجها؛ وقد نُقلت بحسب سياق كلامه. [2]: توثيق المحرر: لم يعزُ المتحدث الرواية؛ وقوله «تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر» إشارة إلى قوله تعالى في [العنكبوت: ٤٥]، ولم يتلُ المتحدث الآية بتمامها. ومن الروايات القريبة من هذا المعنى ما رواه أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا ذُكر عند النبي ﷺ أنه يصلي بالليل فإذا أصبح سرق، فقال ﷺ: «سينهاه ما تقول». [3]: توثيق المحرر: الحديث بهذا المعنى رواه الترمذي وابن ماجه من حديث أنس رضي الله عنه، وقد ساقه المتحدث بالمعنى؛ ولفظه: «كلُّ ابن آدم خطّاء، وخيرُ الخطّائين التوابون». [4]: توثيق المحرر: الآيتان [يس: ٧٧–٧٨]؛ واقتصر المتحدث على قراءة ما أُثبت منها ثم أشار إلى جواب الله تعالى دون تلاوته، فلم يُتمَّ في المتن.
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.