زلّة واحدة لا تمحو عمرًا من الخير
خاطرة العشاء [ مقاصد الشريعة ] — د. أحمد أبو سيف
المناسبة: خاطرة ألقيت بعد صلاة العشاء بتاريخ ٩ سبتمبر ٢٠٢٦.المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
الليلة، إن شاء الله، نتحدث عن نجم من نجوم صحابة النبي ﷺ. فقد رُوي عنه أن أصحابه كالنجوم في السماء: بأيهم اقتديتم اهتديتم.[1]
لكن صحابي هذه الليلة ارتكب خطأً كبيرًا. كبيرًا جدًّا. ولو مضى ذلك الخطأ إلى نهايته لكان قادرًا على أن يهدم الأمة كلها.
قبل فتح مكة، أرسل أحد الصحابة رسالة قصيرة إلى قريش يحذّرهم فيها من قدوم النبي ﷺ. قد نقول: عارٌ على من يفعل مثل هذا. فما اسمه؟ هل تذكرون؟ للأسف هذا هو الشيء الوحيد الذي نذكره عن هذا الرجل، ويكاد لا يذكر أحد عنه شيئًا آخر.
ما ننساه عنه
كان من المهاجرين: أناس تركوا بيوتهم وأولادهم وذكرياتهم وأهليهم، كل شيء، في سبيل الله جل جلاله. ولم يكن قرشيًّا بالنسب، بل جاء فاستقر بينهم. ومع ذلك ترك كل شيء خلفه وذهب إلى المدينة مع المهاجرين.
هل تذكرون كيف قسّم الله جماعة المؤمنين إلى ثلاثة أصناف؟ الأول المهاجرون الذين تركوا كل شيء. والثاني الأنصار الذين استقبلوهم بكرم وأعطوهم كل شيء. والثالث الذين جاؤوا من بعدهم، الذين يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان.[2] وقد تحدث الله عن المهاجرين في مطلع ذلك الوصف، وكان هذا الرجل من هؤلاء.
تخيّل مبلغ ثقة النبي ﷺ به. ائتمنه على رسالة سرية يحملها إلى حاكم مصر في ذلك الزمان. كان هو من يحمل كتاب النبي السري. وقلّ من يعلم أنه كان كذلك من أشجع الناس في القتال.[3]
فماذا نتذكر عنه؟ أنه خان الجماعة المسلمة وأرسل رسالة إلى قريش.
ونحن نفعل هذا بعينه بعضنا ببعض
وهذا بعينه ما نفعله مع أصدقائنا وأفراد أسرتنا وأزواجنا. نتذكر الزلة الواحدة وننسى كل الخير الذي سبقها. «كيف تفعل شيئًا كهذا؟ ما توقعته من مثلك قط».
وكان من أيسر الأمور على النبي ﷺ أن يطرده: ابتعد عني. فقد كان الخطأ من الجسامة بحيث نزل الوحي على النبي ﷺ بسببه، هداية من السماء لتعلّمنا ما يجب علينا فعله. كل ذلك حدث بسبب فعل صحابي واحد.
فكّر في العاقبة. لو خان جندي واحد جيشًا، فما الحكم عليه؟ كلمة واحدة، بلا مفاوضة. ولو فعل النبي ﷺ ذلك به لما اعترض أحد.
لكنه فعل العكس. فحين بدأ الناس يتكلمون في الرجل، منع النبي ﷺ الجماعة كلها من الكلام فيه. لا يقول أحد فيه كلمة. فقد كان الرجل ممن شهد بدرًا، وكما بلغنا، فإن الله غفر لأهل بدر ما عملوا بعد ذلك؛ فهو مغفور له.[4] سبحان الله. الزلة الواحدة لا يُفترض أن تهدم كل الأعمال التي سبقتها.
أمثلة من حياتنا
تصوّر أن يأتيني شخص فيقول: أريد أن أطلّق هذه المرأة. حسنًا؛ لا بأس في السؤال، لكن اشرح لي برفق ما السبب. «فعلت كذا، وكذا، وكذا». حسنًا: فعلت واحدًا واثنين وثلاثة، لنقل عشرة أشياء. وكم مضى على زواجكما؟ «سبع وعشرون سنة». حقًّا؟ سبع وعشرون سنة، وتذكر عشرة أشياء فعلتها، وتأتي الآن لتطلّقها بسببها؟
أو صديقان حميمان يذهبان معًا ويعيشان معًا ويأكلان معًا ويسافران معًا. ثم يقع شيء: سوء فهم، أو خطأ، أو ظن سيئ. وانظروا إلى ثقافتنا: حين نذهب إلى مكان نتنازع أيّنا يدفع عن الآخرين. وكل ذلك يُنسى. ننسى كلمة «العفو» نفسها بسبب أمر واحد حدث.
لقد أضرّ الرجل في قصتنا بالجماعة، ومهما كان النبي ﷺ فاعلًا به في تلك اللحظة فما كان أحد ليعترض. لكنه بدلًا من ذلك حماه من الجماعة كلها وطلب من الناس أن يمسكوا ألسنتهم.
ما نأخذه من ذلك
أولًا: مهما فعلت فافعله لوجه الله سبحانه وتعالى، ولا لأحد سواه. فالناس ينسون ما فعلتَ، وسيأتون يعاتبونك على غير شيء، إلا أن تجعلهم وسيلة للتقرب إلى الله.
ثانيًا: إذا صار بجانبك رجل صالح فلا تفرّط فيه. إذا وجدتَ معدنًا طيبًا فلا تُبعده عن ناظرك. أحيانًا أملك ثوبًا قماشه جيد لكنه يزعجني، بل يؤذيني، ومع ذلك، لأن قماشه جيد، أظل ألبسه وأتباهى به. لا أتركه لأن القماش جيد. فكيف بالمعدن الطيب في الناس؟
انظر إلى الخير في الناس من حولك، ووازنهم بميزان الله لا بميزانك أنت. وأخاطب نفسي أيضًا: لا تكن متقلب المزاج حين تنظر إلى الناس. «لا يعجبني ذلك الرجل، بسبب لونه، فسأغلق الباب في وجهه». وماذا فعل الرجل؟ أنصِف الناس، وأحسن أولًا مع الله ثم معهم.
ولا تنسَ أن من يعيش حولك هو من خلق الله. لا يأتي أحد ليقف بجانبك في الصلاة من تلقاء نفسه. الله هداه إلى ذلك المكان وهداك أن تقف بجواره؛ وجعلكما متقاربين عن قصد. والسبب بيد الله سبحانه وتعالى.
وإن كانت لك زوجة فأبقِها قريبة منك؛ فإن كانت امرأة صالحة فلا حاجة بك أن تدعها تذهب إلى غيرك. وإن كان لك أبناء صالحون فربِّهم على أفضل السبل وأحسن الأخلاق، وأنفق عليهم ما استطعت: لا لأجل الناس، بل لأجل الله.
الهوامش
- توثيق المحرر: قول «أصحابي كالنجوم» كثير التداول، لكن علماء الحديث يضعّفون إسناده عمومًا، ويحكم عليه بعضهم بالوضع؛ فيُبقى على أنه من نقل المتحدث فقط، ولا يُحتج به على أنه حديث صحيح. وكون الصحابة قدوة ثابت بأدلة أخرى. [2]: توثيق المحرر: لم يتلُ المتحدث الآيات هنا، والتفريغ غير واضح في هذا الموضع؛ ويبدو أن الموضع الذي يشير إليه سورة الحشر (٥٩: ٨–١٠). والألفاظ فيه على معنى ما ذكره فحسب. [3]: توثيق المحرر: لم يسمّ المتحدث الصحابي. والواقعة هي الرسالة التي أُرسلت قبل فتح مكة، وتُنسب عادةً إلى حاطب بن أبي بلتعة وإلى مطلع سورة الممتحنة (٦٠: ١)؛ وهذا التعيين من المحرر لا من المتحدث. [4]: توثيق المحرر: نقل المتحدث هذا بالمعنى، بلا عزو إلى مصدر ولا تلاوة لنص. وهو يوافق ما جاء في قصة حاطب (صحيح البخاري وصحيح مسلم) قوله ﷺ: «لعل الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». وهذه الإحالة من المحرر.↩
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.