A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Tamaño
Volver a los artículos
Destellos de la Luz Profética

الرفق أولًا

الرفق أولًا: النبي ﷺ يتخيّر للناس الأرفق بهم

Dr. Ahmed Abouseif•١٣ يونيو ٢٠٢٦•4 min de lectura
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 13 يونيو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

اللهم أصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، وبارك لنا فيما رزقتنا، وقِنا عذاب النار.

حين تنظر إلى أحوال النبي ﷺ وهو يتعامل مع الناس ترى أن شعاره الأول مع الخلق هو الرفق. الرفق الذي كان يجعله يلاعب صبيًّا في الطريق، وتأخذ الجارية بيده فتطوف به المدينة كلها وهو يستسلم بين يديها ﷺ، تريد أن تقضي حاجتها ورسول الله معها، فلا يجرؤ أحد أن يتكلم.[5]

المنطق الوظيفي

كان النبي ﷺ يتعامل مع الناس بالمنطق الوظيفي الذي حدّده له ربّ العالمين سبحانه. أقولها مرة أخرى: المنطق الوظيفي الذي حدده له ربنا. وما هو؟ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.[1]

خذ هذا المفهوم وتصوّر موظفًا يعمل في شركة مبيعات، مهمته أن يبيع. يدخل الزبون فيتكلم معه بالصواب والخطأ، والبائع يقول: حاضر يا سيدي، الزبون دائمًا على حق، على عيني، أنا تحت أمرك. ثم يخرج الزبون فيدير البائع ظهره وينفّس عن غضبه، لكنه إذا استدار مرة أخرى إلى العميل نفسه أعاد صبغ وجهه. أما النبي ﷺ فلم يكن يغيّر بين ما في قلبه وما على وجهه، لكنه كان ملتزمًا بمهمته الوظيفية الأولى في الحياة: أنه داعٍ يتعامل مع الناس برفق.

الرفق في المواقيت

في توقيتات الصلوات، على سبيل المثال، كان النبي ﷺ يُسفر بالفجر ويؤخّره ويقدّمه، على حسب ماذا؟ على حسب مصلحة الناس: بقدر ما ناموا وبقدر ما استيقظوا.

وحين جئنا ندرس حالة الجمعة، هل يجوز أن نصلي الجمعة في الساعة الثانية عشرة في بعض الأماكن، ولا سيما في الشمال مثلًا؟ وجدنا روايات عن النبي ﷺ، وكان الاستنباط الوحيد الذي فهمته من جمع هذه الروايات كلها أن النبي ﷺ كان يتخيّر للناس الأرفق بهم. فحَرُّ مكة، نسأل الله العافية والسلامة، وكذلك المدينة، إذا اشتد فإن الناس لا يطيقون التحرك، حتى إن الرجال يغطّون وجوههم من شدة الحر. فيخرج النبي ﷺ إلى الناس ليلقي عليهم خطبته أو يدعوهم إلى الصلاة، أو يؤذّن بلال، في الوقت الذي يدرك فيه أن في ذلك رفقًا بالخلق.[4]

«يريد الله بكم اليسر»

ربنا سبحانه يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. الجملة مستقيمة تمامًا ومتعلّقة في أذهان الأمة كلها. حتى لو قال واحد من الناس: نعم، الله يريد بنا اليسر، لكن هذا اليسر لا يناسب حالي في هذا المقام، فإذا بالجملة التالية تغطي هذا الشعور وترفعه من نفس صاحبه: ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، ثم ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.[2] سبحان العلي القدير.

الرفق في مناسك الحج

وكأني برب العزة سبحانه، في الأمثلة التي ضربناها في قضية الحج: النبي ﷺ يأذن للناس أن يخرجوا إلى منى في الثامن من ذي الحجة، لماذا؟ حتى يستريحوا هناك. فيكون هناك راحة إلزامية للمجتمع المسلم، حتى إذا خرج إلى عرفة خرج قويًّا، والمسافة طويلة ليست بالهينة. فإذا أقام في عرفة لم يُطلب منه إلزامًا أن يصل قبل الظهر، ولا أن يكون هناك في الساعة الحادية عشرة وثلاث وخمسين دقيقة! ليس هناك ميعاد قطار. انطلق فتبلغ متى بلغت. فإذا بلغ الناس قُبيل المغرب، فقضوا أمرهم، ثم الانصراف: لا ينصرفون قبل المغرب، شرطٌ، لماذا؟ حتى تهدأ الشمس، فإذا انطلقوا استطاعوا السير والحركة والتقلّب في الأرض.

ثم يلزمهم إلزامًا أن يكونوا في مزدلفة، استراحة إجبارية. ناس تحطّ الرحال وتقعد نصف ساعة، وناس تبقى إلى ما بعد نصف الليل، وناس تبقى للفجر، لكني أتكلم عن المقصد التشريعي. إذا بلغوا هناك أعادوا وضوءهم واستعادوا رؤية نفوسهم، فناموا على طهارة ووضوء، وذلك يعينهم على مزيد من الراحة، إذا خرجوا بعد الفجر وأمامهم يوم طويل من الأعمال. فكأن النبي ﷺ يقدّم نفسه نموذجًا يستريح ولا ينفر في حركة سريعة قد تهلك صاحبها، وإنما يأخذ قسطًا من الراحة؛ ينام ﷺ والأمة من حوله تتعبد الله تبارك وتعالى بنوع من الرفق والتلطف.

«افعل ولا حرج»

فإذا غدا إلى يوم العيد، وهي أمثلة بسيطة جدًّا، فإذا بالنبي ﷺ في هذا اليوم الصعب الشديد على الناس، والناس يتزاحمون في فعل الأشياء، لا يسأله أحد سؤالًا إلا ويقول الجملة الشهيرة: «افعل ولا حرج».[3] كيف يفعل ولا حرج؟ هذه لا تتسق في ذهني أنا وأنا أتكلم عن تشريع ونظام واستراتيجيات عمل وحركة أمة. لكن النبي ﷺ يقرّر مبدأ الرفق بالخلق: افعل ما يتيسّر بين يديك، فإن اليوم شديد والأعمال صعبة.

وحين يُجلس النبي ﷺ الناس في منى يومين كاملين ليستريحوا ويهدؤوا، كان الناس ينطلقون إلى طواف الإفاضة ويعودون والأمر يسير عليهم. ترى حكمة رسول الله ﷺ في هذه الجملة التي تفتح أبواب التشريع عند المجتهدين إلى يوم القيامة، ليجدوا حلولًا تتوائم وتتواكب مع الأحداث المتواليات.

شاهدنا ذاك أمامنا: النبي ﷺ يتعامل مع الناس بالرفق، حتى في أدوات الطاعة والتعبّد التي الأصل فيها الإلزام. فلا يكن أحدنا شديدًا، لا على أهله ولا على نفسه ولا على جيرانه ولا على الناس من حوله.

أسأل الله العلي القدير أن يبلّغنا مقامات الرضا، وأن يبسط بين أيدينا رزق سلامة النفوس وطمأنينة القلوب، وأن يهيّئ لنا من أمرنا رشدًا.

--- [1]: توثيق المحرر: الأنبياء: 107. [2]: توثيق المحرر: البقرة: 185. [3]: توثيق المحرر: الجملة واردة في الصحيحين في أسئلة الناس يوم النحر عن التقديم والتأخير في المناسك. [4]: توثيق المحرر: في صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله عنه: «كان النبي ﷺ إذا اشتد البرد بكّر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة» (يعني الجمعة). وأما قول المتحدث إن بلالًا كان يؤذّن بـ«الصلاة جامعة» فلم يُثبَت هنا فحُذفت العبارة. [5]: توثيق المحرر: المعنى في صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله عنه: «إن كانت الأمَةُ من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت». وقول «تطوف به المدينة كلها» تعبير المتحدث.

Comparte este artículo

Comentarios

Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.

Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.

Esperamos que el artículo te haya sido de provecho, y agradecemos tu comentario y tu consejo.

Pregunta al Jeque