باب التوبة من رياض الصالحين: لماذا جاء بعد الإخلاص
باب التوبة من رياض الصالحين: لماذا جاء بعد الإخلاص، ولماذا خاطب القرآن المجتمع كله
المناسبة: تفريغ خاطرة الظهر أُلقيت بتاريخ ٢١ فبراير ٢٠٢٦م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
نتكلم اليوم عن الباب الثاني من كتاب «رياض الصالحين»، وهو باب التوبة.
لماذا جاءت التوبة بعد الإخلاص؟
رتّب الإمام النووي رحمه الله كتاب التوبة بعد كتاب الإخلاص، لأن المخلص يشعر بالانتماء، فإذا حصل منه تقصير شعر بمعاتبة الذات ومراجعة الضمير، ثم آب إلى الله تبارك وتعالى وتاب إليه. ولا يفعل ذلك إلا من لديه قدر كبير من الإخلاص. أما من لا يشعر بالانتماء فلا يحسّ أصلًا بحاجة إلى مراجعة ذاته؛ هو بطبيعة حاله يشعر أنه حرّ.
وحرية المسلم إنما هي في إطار العبودية لرب العالمين سبحانه. تخيّل موظفًا يشعر بالانتماء إلى المكان الذي يعمل فيه، وهو حرّ في اتخاذ القرارات المتاحة له. ونحن نفهم أن ربّ العزة سبحانه فوق كل سلطان، وليست لنا قدرة على مراجعته في أمر. فحريتنا في إطار العبودية تُشعرنا بنوع من الراحة، ولله المثل الأعلى في التشبيه: المسؤولية كلها على من؟ على الرئيس الكبير، صاحب الشركة أو المصنع أو المتجر، أيًّا كان المسمّى؛ عنده المسؤولية الكاملة، وتحت مظلّتها أتصرف بحريتي. فالحرية ليست مطلقة، وإنما هي حرية في إطار ما يفيدك وما يرفع عنك المسؤوليات.
ومن هنا يأتي سؤال ترتيب الباب: لماذا قُدّم الإخلاص؟ لأنه المطلوب أولًا؛ فمن لا يخلص لا يعمل، وإن عمل لا يُتقن، وإن أتقن لا يحرص على مصلحة المكان الذي يعمل فيه، وإنما يحرص على مصلحته هو في المقام الأول.
مراحل التوبة الثلاث
ثم يبدأ الإمام بتعريف التوبة، وأنها تمرّ بثلاث مراحل. الأولى ندم يحصل داخل العبد، وشعور برغبة في مراجعة ذاته وعتابها، لا أقول عقابها، بقدر ما يريد أن يكفّر عن ذنبه. ثم يعزم ألا يفعل هذا الخطأ مرة أخرى.
وهنا نتعامل أحيانًا مع ضمير يتحرك حركة جزئية، وضمير يتحرك على طول الخط. اسأل مدخّنًا: كيف تشعر؟ سيقول لك: والله يا شيخ ادعُ لنا أن يتوب الله علينا، أنا متألم، أنا آسف جدًّا. وهذا الكلام صادق، لكنه صادق في إطار مراجعة جزئية، ضميره يتحرك قليلًا ثم يرجع؛ بدليل أنه «بطّل السجائر» مئة مرة، وهذا معناه أنه رجع إليها مئة مرة. أما المؤمن فلا يتحرك ضميره حركة جزئية، وإنما يتحرك بخطوات، فيعزم ألا يعود إلى الذنب مرة أخرى، وتنتهي المسألة.
ثم إذا كانت هناك أمور متعلقة بالعباد ردّها، وتلك أكبر المراحل وأقساها. فالذنب ما حصل أصلًا إلا لتحصيل منافع دنيوية: إما شهوة أراد أن يفرغها فأفرغها في الحرام، وإما مال أراد أن يكسبه فسرق أو غشّ أو زوّر أو احتال أو نصب، وإما منصب أراد أن يبلغه فتملّق وكذب وداهن. فقد تحقق تحصيل دنيوي في إطار هذه المعصية، فإذا أردت أن تتوب فلا بدّ أن تُعيد هذه الأمور كلها إلى نصابها، ولا يكون ذلك إلا بردّ الحقوق إلى أصحابها.
وتأتينا هنا مشكلة: كيف نرد كثيرًا من الحقوق وليس لنا وجه إلى ذلك؟ لو أخذتَ شيئًا من مكان سرًّا ولم يعلم به أحد، فستعيده سرًّا كما أخذته. لكن أحيانًا يكون هناك تظالم حتى بين الإخوة لأب وأم، في أكل الميراث والغش بين الناس والتعامل، وردّ هذه الأمور ليس هيّنًا. ولذلك كانت أقصى المراحل، وأكثرها ثوابًا وتحقيقًا لمراد التوبة في نفوس العباد.
لماذا اشترط التشريع ردّ الحقوق؟
لماذا اشترط التشريع هذا الشرط، وأنه لا بدّ من ردّ الأمور إلى نصابها؟ حتى يستشعر بقية أفراد المجتمع أن في هذا المجتمع تائبًا، وحتى تفرغ النفوس مما فيها من أحقاد؛ فالمجتمع لا يستطيع أن يعمل بقلوب مثقلة. والمجتمع كآلة من الماكينات: إذا فسد فيها ترس واحد تعطّلت الماكينات كلها، مهما كانت غالية، ومهما كان الترس رخيصًا ضئيلًا بسيطًا، لأنه يؤثر في حركة الآلة كلها. فإذا فسد عضو في المجتمع، فكيف يكون الفساد؟
بِعتُك سلعة وكان في البيع غشّ، فعدتَ إليّ وكلّمتني، فقلت لك: هذا ما عندي، افعل ما شئت. كيف ترجع من عندي وقد استشعرتَ هذا الغبن وهذا الغش وهذا الخداع وهذه المراوغة؟ ترجع وصدرك مملوء بالحقد والألم والشعور بالضعف والعجز. وكيف تعود إليّ مرة أخرى إن كانت حاجتك عندي؟
خذ مثالًا آخر: أنا أعمل مدرّسًا وأنت تعمل طبيبًا، فجئتني بأولادك فأهملتهم ولم أعرهم انتباهًا، فشكوتَ إليّ، فقلتُ لك: هذا ما عندي وليس لك سبيل آخر، اضرب رأسك في الحائط. ثم مرّت الأيام وأتيتك أنا مريضًا لتداوي بدني، فكيف ستعاملني؟ من الطبيعي جدًّا، انطلاقًا من النفس البشرية، أن تعاملني بمثل ما عاملتك. وهذا مثال خفيف، وفي المسائل ما هو أبعد من ذلك بكثير. فالإسلام يريد أن يقتلع التعلقات القلبية من جذور القلوب، لتبقى القلوب نظيفة.
وتصوّر أن واحدًا من الناس يقول لأخيه: أسألك بالله أن تغفر لي، كنا بالأمس نتكلم وتجاوزنا حدودنا قليلًا في سيرتك الطيبة. فتقول له: لا بأس عليك، بارك الله فيك، المهم ألا تكون قد تعمّقت كثيرًا، وتمضي المسألة بشيء من المزاح. فما الذي يترتب على ذلك؟ يترتب عليه مزيد من الثقة منك، فتمنحني بعضًا من أسرارك، لأنك عرفت أني إذا تجاوزت عدتُ. وهذا في ذاته من مؤشرات قيام المجتمعات ونهوضها وحركتها على مستوى عريض، لا على مستوى فردي.
فتأتي الشروط الثلاثة لتحقق ثلاثة أبعاد: بُعدٌ بين العبد وبين الله، وبُعدٌ بين العبد وبين نفسه، وبُعدٌ بين العبد وبين بقية العباد. فمع الله أقول: أخطأت، ارتكبتُ كذا، أستغفرك ربّي وأتوب إليك. ومع النفس معالجة داخلية: ألا أفعل ذلك مرة أخرى. ومع الناس: أن أردّ الحقوق إلى أصحابها.
خطاب التوبة خطاب للمجتمع
وبهذا صدّر الإمام بابه، فقال ربنا سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.[1] فهذا الخطاب فردي أم مجتمعي؟ مجتمعي. وعندنا مثلًا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾،[2] ويُستشعر منه أنه خطاب فردي. والآية التي قرأناها صباحًا في صلاة الفجر: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.[3] وكأن الله تبارك وتعالى حين تكلم عن التوبة في عموم الخطاب القرآني كان يكلّم المجتمع. فكيف يكلّم المجتمع والمخطئ واحد؟
لنذهب إلى سيدنا النبي ﷺ، فالحديث العمدة في هذه القضية: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ».[4] هل يتكلم عن مجتمع أم عن فرد؟ عن مجتمع. كيف ذلك؟ لأن الأخطاء إنما تحصل داخل الجماعة؛ ما من أحد يغلط وحده. الأخطاء التي يفعلها الإنسان فيما بينه وبين نفسه أقل بكثير جدًّا من الأخطاء التي يفعلها مع الناس: تحصيل الأموال فيما بيني وبين الناس، وتحصيل الشهوات فيما بيني وبين الناس. فنحن نتعامل في نوع من الانتشار الداخلي، فإذا أخطأتُ أنا، وكان هناك أمر من رب العالمين بتوبة المجتمع، فستجد الناس كلها تبدأ تحمل معك. كأن المجتمع ينهض بالمخطئ الواقع في الخطأ: مجتمع من مئة إنسان غلط فيه واحد، فتمتد تسعٌ وتسعون يدًا حتى ترفعه مرة أخرى. هل يبقى في الأسفل؟ مستحيل. وحتى إن لم يستطع أن يسير، يحمله الناس حملًا على المضيّ والسعي ومزيد من الإنتاج والعمل.
مراقبة المتابعة لا متابعة المراقبة
فالخطاب القرآني ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ خطاب مجتمعي، لأنه يأمر الناس بمتابعة الأخطاء. وليست هي متابعة المراقبة والتدقيق، وإنما مراقبة المتابعة. ما الفرق؟ متابعة المراقبة أن تتابع أحدًا لتراقبه وعينك عليه وتتفحصه: هذا عنده زيادة، وهذا ماذا فعل، ومن أين جاء بهذا؟ وهذا كلام بعين غير طيبة. أما مراقبة المتابعة فأن تراقب أحوال إنسان في العموم لتتابع تطوّر شؤونه أو تراجعها، فتسأله بين الحين والآخر: طمّني عنك، أخبارك؟ هل أنت أحسن اليوم؟ فيجيبك: الحمد لله.
أخ يسألني فيقول: البارحة كنت أسمع صدرك في الصلاة يُصدر صفيرًا، فدعوتُ لك في سجودي. أيّ شعور هذا! أين نحن من هذا الشعور الرائع الجميل، أن ترى أخًا لك يقول: دعوتُ لك في سجودي لمّا سمعتُ شيئًا من الخلل في بدنك؟ هل سيكون ردّ فعلي أن أقول له: أنت تراقبني؟ ما الذي جعلك تُرهف أذنك عندي؟ لا، لأن المراقبة هنا حصلت بنية متابعة الأحوال والمستجدات والاطمئنان ومزيد من العون.
وحين يدخل عليك أحد فتقول له: كيف حالك؟ كيف زوجتك وأولادك؟ وكيف الوالد؟ يستشعر هذا الأنس. والمجتمع يتحرك بهذا الشكل. فلما نرى الخطاب الجمعي في القرآن الكريم نرى أننا أمام منظومة تريد أن تتحرك حركة عرضية، تجعل الدنيا كلها تمشي مع بعضها. وتخيّل سيارة تمشي بثلاث عجلات والعجلة الرابعة تأتي وراءها في مرحلة ثانية؛ لا ينفع ذلك، إما أن تقف كلها وإما أن تتحرك كلها.
لماذا يستغفر النبي ﷺ؟
يقول أبو هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً».[5] وعندي مجموعة أسئلة. أولًا: لماذا يستغفر الرسول عليه الصلاة والسلام؟
تشبيه بسيط: حين تشتري سيارة جديدة من ماركة كبيرة، ثم تبلغ بها خمسة آلاف ميل، تحتاج إلى تغيير الزيت. تقول: لماذا؟ هي جديدة! نعم، لكن هناك ما يُسمّى الصيانة أو المتابعة، أيًّا كانت التسمية. ولو كانت السيارة من الماركات الكبيرة التي لا نعرف حتى نُسمّيها، أو كانت بسيطة جدًّا من أقل الأسعار في الدنيا، فإن القانون نفسه ينطبق عليها. أليس كذلك؟
وكأن رسول الله ﷺ يعلّمني أنه لا يوجد أحد على ظهر الأرض فوق احتمالية الخطأ. أقولها ثانية: لا يوجد أحد على ظهر الأرض فوق احتمالية الخطأ، حتى لو كان رسول الله ﷺ، فهو يصوّر للناس أنه من جملة الخلق، وأنه يحتمل أن يصدر عنه نوع من الخطأ.[8] وحين تسمع كلمة «الخطأ» منسوبة إلى النبي عليه الصلاة والسلام تنتفض. فكيف ذلك؟
عندنا شواهد بسيطة جدًّا. حين يقول النبي ﷺ بعد الصلاة: «أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركتَ…».[6] أين المنطق في ذلك؟ كيف نقول إن هناك من يستغفر بعد طاعة؟ ما زلنا في ختام الصلاة، السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم. فما وجه استغفاره ﷺ؟ وجهه احتمالية أن يكون قد صدر عني تقصير في أداء الصلاة: أن ذهني شرد ولو للحظة، أو لم أفكر بعمق في دلالات الآيات، أو لم يتأثر قلبي كما ينبغي. والشاهد أن «الخطأ» في ذاته مصطلح يعبّر عن أنواع وأحوال مختلفة: منها التلبّس بجريمة، أو فعل ما ليس لي، وهناك احتمال آخر هو أني قصّرت في أداء ما يجب أن يكون عليّ.
السؤال الثاني: لماذا يُقسم لهم رسول الله ﷺ؟ «والله إني لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة»، وفي هذا من المؤكدات البلاغية ما فيه. لماذا يقسم؟ لأن النبي ﷺ يريد أن يؤصّل في نفوسهم أنه ليس لأنك أبو بكر فأنت فوق الخطأ، وليس لأنك فلان فأنت فوق الخطأ، وإنما الكل يسري عليه القانون نفسه. لماذا؟ لأننا جميعًا لا نزال في إطار: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾.[7]
--- [1]: توثيق المحرر: سورة النور، الآية ٣١. [2]: توثيق المحرر: سورة الزمر، الآية ٥٣. [3]: توثيق المحرر: سورة النساء، الآية ١٧. [4]: توثيق المحرر: الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد من حديث أنس رضي الله عنه، وهو حسن عند جمع من أهل العلم، وقد اقتصر المتحدث على ذكره بلفظه دون عزو. [5]: توثيق المحرر: أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والمتن هنا بحسب ما أورده المتحدث. [6]: توثيق المحرر: يشير المتحدث إلى الذكر الوارد بعد السلام من الصلاة؛ وقد ورد في صحيح مسلم من حديث ثوبان رضي الله عنه. وقد أورد المتحدث الصيغة مجملةً ولم يُتمّها بيّنًا في التفريغ. [7]: توثيق المحرر: سورة الكهف، الآية ١١٠، وقد ذكر المتحدث هذا القدر منها. [8]: توثيق المحرر: الأنبياء معصومون فيما يبلّغون عن ربهم، وليس المراد نسبة معصية إلى النبي ﷺ؛ والمتحدث يعني أنه لا أحد فوق التعرّض للتقصير في حق ما يجب عليه، وقد فسّر العلماء استغفاره ﷺ بوجوه منها التذلل لله وشكر نعمته والترقّي في مقامات العبودية.
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.