من أسرار الدعاء النبوي
خاطرة الفجر
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 2025-05-25م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
افتتح الدكتور الخاطرة بالصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه، ثم قال: اللهم إنا نسألك خير هذا اليوم وخير ما فيه وخير ما بعده، ونعوذ بك ربَّنا من شرّ هذا اليوم وشرّ ما فيه وشرّ ما بعده. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل اللهم الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر. اللهم أجرنا من خزي الدنيا ومن عذاب الآخرة. اللهم لا تسلّط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا. اللهم لطفك وعفوك وبرّك، اللهم رحماتك التي وسعت كل شيء، تلطّف بنا يا ربّ العالمين.
الدعاء في السفر وفي تقلّب الأحوال
ذكرنا في أبواب الدعاء أن النبي ﷺ كان يدعو في سفره. والحديث هنا عن الدعاء في السفر تحديدًا، وعن الدعاء في أوقات التقلّب في الحياة. فسبحان الله القدير! في أحيان السفر لا تتوقّع شيئًا، لأن كل المقادير بيد الملك سبحانه وتعالى، وهو وحده عز وجل قادر على إنفاذ ما يريد.
العودة من السفر: المسجد أولًا
كان النبي ﷺ إذا عاد من سفره استقبل أولَ ما يستقبل المسجد. وذلك أن المسجد بيتُ القلوب قبل بيوت الأبدان، والأصل عند الخلق أن يريحوا قلوبهم قبل أبدانهم، أليس كذلك؟ وهم يحدّثون أن أول ما يبتدئ به عند عودته من سفره ﷺ أنه يعود إلى مسجده عليه الصلاة والسلام.
ثم ذُكر أنه ﷺ كان يأمر أهله بأن يقولوا له عند عودته: الحمد لله. وكان ﷺ يقول: «الحمد لله الذي تتمّ بنعمته الصالحات»[1]، ويعلّم أهله أن يقولوا: الحمد لله الذي جمع الشمل بك، أو: الحمد لله الذي سلّمك. وعندنا نحن المصريين «الحمد لله على السلامة»، فهي موجودة في هذا الأصل: الحمد لله الذي سلّمك.
وجاء أن رسول الله ﷺ قفل من غزو، فلما دخل استقبلته عائشة، فأخذت بيده وقالت: الحمد لله الذي نصرك وأعزّك وأكرمك.[2] وهذه الجملة تعبّر عن اشتياق إنسان لإنسان، ولكن النبي ﷺ علّم من حوله أن الروابط بين القلوب البشرية قبلها روابط مع الله سبحانه وتعالى. فهي تحمد الله الذي سلّمه لها؛ فلولا نعمة الله في حفظ ذلك الإنسان ما سلم وما عاد. وبناءً عليه يلهج اللسان بالذكر وبالدعاء لله تبارك وتعالى ليلَ نهار. وسبحان الخلّاق العليم الذي علّم النبي ﷺ وأودعه سرّ تعليمه لأصحابه وأزواجه رضوان الله تبارك وتعالى عليهم أجمعين.
الاسترجاع
وعندما نتكلم عن الدعاء في حدّ ذاته وكيف ربّى النبي ﷺ أصحابه، فإن متاعب الدنيا كثيرة جدًّا، كما تعلمون حفظ الله مقامكم. والدنيا بكثرتها ومشاغلها ومشاقّها أكبر وأعظم من أن يتحمّلها إنسان في ذاته، ومن ثَمّ كان لا بدّ من طلب العون من ربّ العالمين سبحانه وتعالى. ولذلك كان النبي ﷺ يعلّم أصحابه أن يسترجعوا، يقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون.
نحن نقول ذلك عندما نفقد إنسانًا، لكن رُوي أن النبي ﷺ قال: «ليسترجع أحدكم في كل شيء حتى في شسع نعله، فإنها من المصائب»[3]. فلماذا تُعدّ من المصائب؟ ثم يتأمل في قيمة النعلين: فكم من اللاجئين على الحدود بين الدول يتطلعون إلى ما يعطيهم الناس! وإذا أتى لفتًى صغير حذاءٌ ولو كان متواضعًا، فكيف تكون سعادته وفرحته بمثل ذلك! والنبي ﷺ كان يعلّم أصحابه: إنا لله وإنا إليه راجعون.
عند ما يروع المرءَ شيء
ويُروى أن النبي ﷺ كان إذا راعه شيء قال: «هو الله ربي لا شريك له»[4]. هو الله الذي يأمر وينهى، وهو الذي يقضي في عباده، وهو الذي يفصل بين الخلق، وهو الذي يحكم في خلقه سبحانه وتعالى. ولمّا نقول «ربي» فقد ذكرنا سلفًا أنه يرعى شؤون مربوبيه. وكان يقول ﷺ: لا شريك له.
عند الفزع
وكان النبي ﷺ يعلّم أصحابه رضوان الله عليهم عند الفزع أن يقولوا: «أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وشرّ عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون»[5]. نعوذ بالله سبحانه وتعالى من غضبه، فغضب ربّ العزة سبحانه وتعالى أمر عظيم.
وأما همزات الشياطين وأن يحضرون، فقال في شرح معناها: إن الشيطان وسوسةٌ تأتيك من بعيد، فهو يرسل إليّ الإشارة من بعيد ولا يستطيع أن يكون قريبًا مني؛ لكن ما إن أبدأ بالاستماع إليه حتى يأتي خطوةً خطوة إلى أن يصير معي، فعند ذلك نفكّر معًا ونتحدث معًا ونمشي معًا ونعمل معًا.
دعاء الأرق: «غارت النجوم»
ويُروى أن واحدًا من الصحابة قال: يا رسول الله، أنا قلق طول الليل، أتقلّب ولا أنام. فقال له النبي ﷺ: «قل: اللهم غارت النجوم، وهدأت العيون، وأنت حيّ قيّوم لا تأخذك سنة ولا نوم، يا حيّ يا قيّوم أهدئ ليلي وأنم عيني»[6]. وفي رواية: «وأغمض عيني».
أراد النبي ﷺ أن يفتح عقلية أصحابه إلى علم الفلك وما وراءه، والنظر في النجوم وأحوالها، حتى يفتح هذه الآفاق إلى أن الذي قدر على النجوم وأغارها قادر على أن يُنيمه وأن يوقظه، سبحان العلي القدير.
وتأمّلوا كلمة «يا حيّ»؛ أنتم متخيّلون كلمة يا حيّ، سبحان الله القدير! فهو سبحانه وتعالى الحيّ الذي لا ينام. والعبد محتاج إلى النوم، فيتوجّه إلى ربه سبحانه. هو الحيّ الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، تعالى الله عز وجل عن التشبيه، هو كما حدّث عن نفسه سبحانه وتعالى. فالنبي ﷺ يحدّث أصحابه رضوان الله تبارك وتعالى عليهم: يا حيّ يا قيّوم، أهدئ ليلي وأغمض عيني.
وختم قائلًا: سلّم الله دينكم ودنياكم، وحفظ عافيتكم وأمنكم، جزاكم الله تعالى خيرًا.
--- [1]: توثيق المحرر: نُقل اللفظ كما ورد في التفريغ؛ والمشهور في الرواية «الحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات»، وهي عند ابن ماجه من حديث عائشة رضي الله عنها فيما كان يقوله إذا رأى ما يسرّه؛ ولم أقف على تقييدها بالعودة من السفر. ولم يعزُ المتحدث الحديث. [2]: توثيق المحرر: لم يعزُ المتحدث الخبر، ولم أتيقن من ثبوته ولا من صحة نسبة ما قبله من أمر أهله بالقول عند العودة، فصُدّر بصيغة التمريض. [3]: توثيق المحرر: ساقه المتحدث بقوله «في رواية» دون عزو، ولم أتيقن من مصدره، وفي إسناده مقال عند أهل العلم، فصُدّر بصيغة الرواية. [4]: توثيق المحرر: لم يعزُ المتحدث الحديث. وفي كتب السنة في الكرب لفظ قريب هو «الله الله ربي لا أشرك به شيئًا»؛ فنُقل هنا لفظ المتحدث كما ورد. [5]: توثيق المحرر: من دعاء الفزع المعروف، وهو عند أبي داود والترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه، ولم يعزُه المتحدث. وفيه ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ في سورة المؤمنون، الآية ٩٨، وقد قاله المتحدث ضمن الدعاء دون ذكر الآية. [6]: توثيق المحرر: لم يعزُ المتحدث الحديث، وهو مروي عند الطبراني وغيره في شكوى الأرق، وإسناده ضعيف عند أهل العلم؛ فيُذكر على سبيل الرواية، والدعاء بمعناه مما لا يُنكر.
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.