A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Volver a las reflexiones
Reflexión · Fajr

مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا: الإحداث في الدين والمستجدات المعاصرة

الحديث الخامس من «جامع العلوم والحكم»: ضابط الإحداث في الدين بين العبادات والمعاملات والمستجدات المعاصرة

Dr. Ahmed Abouseif•٢٧ أبريل ٢٠٢٦•6 min de lectura
Vídeo original de la reflexión
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 27 أبريل 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، [مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب](https://www.youtube.com/watch?v=l5Zoqkamc_M)

اللهم ثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويوم يقوم الأشهاد، اللهم إنا نسألك في هذا اليوم الكريم رزقًا حلالًا طيبًا مباركًا فيه، برحمة منك ورضوان وكرم يا رب العالمين.

نجتهد أن نمرّ على أركان الحديث الخامس من كتاب «جامع العلوم والحكم» بشيء من السرعة مناسبة للوقت المسموح به، بإذن الله تبارك وتعالى. بداية حديثنا اليوم عن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ». وفي رواية لمسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ»[1].

الراوي وسياق الحديث

كنا قد ذكرنا في وقت سابق أن للراوي تعويلًا كبيرًا جدًّا في سياق الحديث. وأرى، والله تعالى أعلم، أن كل راوٍ من رواة حديث النبي ﷺ، ربما يصح ما أقول وربما أكون مخطئًا، لكني أظن أن الرواية لم تكن عشوائية؛ لم يكن أي أحد يجد أي شيء فيحدّث به، وإنما هناك انتقاءات تناسب شخصية كل راوٍ. فما هي الشخصية الروائية عند عائشة رضي الله عنها؟

ويُروى على الألسنة قولٌ: «خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء»[2]، وفيه وصفٌ لها بالحسنى، رضي الله عنها وعن أمهات المؤمنين أجمعين. فلماذا قيل: خذوا نصف دينكم عنها؟ لأنها كانت أوصل الناس بالنبي محمد ﷺ. وصغر السن مع فراغ الذهن أعون للعبد على الحفظ والتلقي؛ فأن تخالط النبي ﷺ في سن الصبا وبداية الحياة والانطلاقة، وذهنها لا يزال فارغًا من الشواغل التي يمكن أن تحيط بها، فذلك أعون على مزيد من التلقي.

حديث هو حصن الدين

لكن الحديث الذي معنا اليوم حديث فاصل حقيقةً، حتى إن بعض أهل العلم يذكر أنه يمثل ثلث الدين، أو ربعه في بعض الأقوال.[4] لماذا؟ لأنه يمثل بالنسبة لنا حصنًا لحماية الدين؛ فبهذا الحديث ليس لأحد أن يضيف إلى الدين ولا أن ينقص منه. هل أحد مختلف على هذه الجملة؟ لا ينبغي لأحد أن يزيد على الدين ولا أن ينقص منه، أليس كذلك؟

لكن تبقى بعض الأسئلة. يقول النبي ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه»، فما هي دلالة لفظ الإحداث؟ وكذلك فقد استُعمل هذا الحديث كسيف مسلّط على رقاب بعض الناس، وبسببه اتُّهم البعض بالفسق والتكفير والتبديع والإحداث في كذا وكذا إلى آخره. فما هو الخط الفاصل؟ ما هو المعيار؟ ما دلالة لفظ الإحداث في الدين؟ أين دور النية؟ أين الحكم على العقل الذي أضاف شيئًا إذا كانت لديه معرفة، أو إذا انعدمت المعرفة؟ هناك أسئلة كثيرة جدًّا تدور حول هذا الحديث عند علماء الحديث وشُرّاحه، رضوان الله تبارك وتعالى عليهم أجمعين، فهم ثغر الأمة وسند حماية سنة النبي ﷺ.

العبادات والمعاملات: والمستجدات

والسؤال الآخر: ما هو الفارق في قضية الإحداث بين العبادات وبين المعاملات؟ السؤال الآن في البيتكوين مثلًا: عندما نتعامل معه من أي منطلق نتعامل؟ لم يكن ذلك على عهد رسول الله ﷺ، ولم يكن من المعاملات المالية، بل كان الدولار لا يزال في علم الغيب على سبيل المثال. وكذلك المعاملات المصرفية بصيغتها البنكية التي تحكم في كل أموال الخليقة الآن.

علماؤنا القدامى، رحمهم الله تعالى أجمعين، كانوا يتعاملون مع المستجدات باعتبار الثوابت. فما هي الثوابت؟ مثلًا أن العبادة توقيفية؛ يقولون إن العبادات تقوم على التوقيف. والمعاملات؟ الأصل فيها أنها تقوم على التراضي. عندنا إذن شيئان: الأصل في العبادات التوقف، فمسألة العصر أربع ركعات مستحيل أن يزيد أحد أو ينقص، مسألة منتهية تمامًا؛ والأصل في المعاملات التراضي، ما لم يوجد نص واضح يحرّم صيغة المعاملة التي جرت بين طرفين. وبناءً عليه: متى نتوقف ومتى نتقدم؟

قصة العسيف

بسم الله؛ عندنا حديث. يحدّث مثلًا أن رجلًا سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن ابني كان عسيفًا على فلان، أي كان أجيرًا عنده، نسأل الله السلامة والعافية، فزنى بامرأته والعياذ بالله. فافتديتُ منه بمئة شاة وخادم. أي افتدى من الرجل، زوج هذه المرأة، فالولد كان يعمل خادمًا عند هذه المرأة فزنى بها، نسأل الله السلامة. فماذا حدث؟ صاحبنا، أبو الولد، خائف عليه، فذهب إلى الرجل وقال له: بكم تحلّنا؟ فقال له: آخذ منك مئة شاة وخادمًا. فكيف كان موقف النبي ﷺ؟ هذا التصرف الصادر من ذلك الرجل ينقض ويتعارض مع أصل تشريعي ثابت، وهو عقوبة الزاني، المحصن أو غير المحصن، وسنفرّق في المسألة. فقال النبي ﷺ: «المئة شاة والخادم ردٌّ عليك»؛ يعني هذه الصفقة غير مقبولة، «وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام»[3].

فكان الحكم الصادر من النبي ﷺ جَلد مئة جلدة وتغريب عام. وما معنى التغريب؟ يعني يخرجون من البلد لمدة عام. ما العلة من وراء ذلك؟ لعلها البعد الجسدي والنفسي عن المرأة التي حصلت معها العلاقة، حتى يعتاد هذا الجسد وهذا الذهن على نسيان هذه المرأة؛ فإذا عاد ربما وجدها وربما لا يجدها، لكن يحصل التغيير الفسيولوجي في داخل النفس. ابتعد عن المرأة مدة سنة، وليس هناك شات ولا تواصل ولا فيسبوك ولا ماسنجر ولا الكلام الذي كان، نسأل الله السلامة والعافية؛ ما كان هناك وسائل تواصل أصلًا. فلعل تلك من حكمة التشريع في هذه المسألة.

فكيف تطبّق هذا الآن عندما يحصل مثل هذا الحدث؟ ومن الذي يقوم بتطبيق هذا النص الحاكم؟ هل يمكن أن نتصادم مع ثوابت التشريع؟ مستحيل.

الإشكال: ما الذي حصرنا فيه الإحداث؟

لكن الإشكالية الحاصلة، وأنا أعرف أن الكلام اليوم صعب شيئًا ما، أننا حصرنا قضية الإحداث في الدين على واحد زاد كلمتين في الأذان وهو يؤذن والثاني لم يزد، ونسينا كيفية معالجة المستجدات المعاصرة للقضايا الفقهية الأصيلة الثابتة. نسأل الله سبحانه وتعالى الثبات على أصل ما ترك لنا رسول الله ﷺ، وأن نبقى معه كالمحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ونسأل الله تبارك وتعالى الثبات على الهداية.

لكني طرحتُ عدة أسئلة لا يُجاب عنها في مثل هذا الموقف، ولكن من باب تفتيح الأذهان لما ينبغي أن يكون عليه المُحدِث في الدين: هل هو رجل تعمّد أن ينشئ أمرًا لكي يفسد شريعة الله تبارك وتعالى وتدينات الناس؟ أم رأى أن هذا الفعل ربما يكون متطابقًا ولو بقدر ما، أو له أصل، أو متفقًا مع مقاصد التشريع، فأحدث مسألة تعين الناس على مزيد من التدين؟ ربما يكون له عند الله مسوِّغ ما.

الخلاصة: العذر بقدر الخير

أخلص الآن ببساطة شديدة جدًّا، وأنا أعلم أن من الجالسين من يحاول التقاط الفكرة من هنا وهناك، ومنهم من فهم والحمد لله ويمشي مع الخطوات ينتظرك تقول: ما الخلاصة؟ خلاصة القول، مع ثبات ما بيننا: أننا لا بد أن نوجد للناس فيما يفعلون عذرًا بقدر ما نؤمّل فيهم من الخير إن كان فيهم خير؛ وأننا لن نجد من أهل الإيمان المخلصين من يريد أن ينقض الشريعة بإحداث شيء فيها.

وتخيّل مثلًا المرحلة التي كان يدخل فيها بعضُ اليهود على مجتمع المسلمين بنفاق، ويُحدثون في أمر الديانة ما يفسد الديانة؛ تلك حال. أما رجل عامّي بسيط جدًّا يتصرف تصرفًا عشوائيًّا، فهذا أيُدعى أم يُطرد من أصل الجمع؟ يُقنع بالصواب والخطأ أم يُفسَّق بالحكم عليه وعلى من تبعه؟

أسأل الله حسن المنطق والسداد في القول، وعدم الخروج عن الأصل، وأن يتقبلنا ربنا بقبول حسن، اللهم آمين يا رب العالمين. وللحديث بقية. سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته.

--- [1]: توثيق المحرر: الحديث في الصحيحين (البخاري 2697، ومسلم 1718) من حديث عائشة رضي الله عنها؛ ولفظ «ما ليس منه» لمسلم، وعند البخاري «ما ليس فيه»، والرواية الثانية «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» لمسلم. [2]: توثيق المحرر: أورد المتحدث هذا اللفظ على أنه من كلام النبي ﷺ، ولا يُعرف له إسناد؛ قال ابن حجر: «لا أعرف له إسنادًا، ولا رأيته في شيء من كتب الحديث إلا في النهاية لابن الأثير»، وذكر ابن كثير أن المزي والذهبي سُئلا عنه فلم يعرفاه؛ فلا يُنسب إلى النبي ﷺ. [3]: توثيق المحرر: القصة في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما، وفيه (6827): «المئة شاة والخادم ردٌّ، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام». [4]: توثيق المحرر: ذكر ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» عن الإمام أحمد قوله: «أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث»، وعدّ منها حديث عائشة هذا؛ وعن إسحاق بن راهويه: «أربعة أحاديث هي من أصول الدين»، وعدّ منها: «من صنع في أمرنا شيئًا ليس منه فهو ردّ».

Pregunta al Jeque