A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Volver a las reflexiones
Reflexión · Fajr

لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ

مقصد الحديث في حفظ أمن المجتمع، وخلاف العلماء في الرجم والردة، وإشكال التطبيق بين ثبوت النص والنظر في حال الفاعل.

Dr. Ahmed Abouseif•٢٦ يوليو ٢٠٢٦•15 min de lectura
Vídeo original de la reflexión
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ٢٦ يوليو ٢٠٢٦م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، [مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب](https://www.youtube.com/watch?v=3pHIk0Re_ME)

افتتح الدكتور أحمد حديثه بحمد الله والصلاة والسلام على رسوله، وبدعاء جامع أن يصلح الله لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا، وأن يجعل الحياة زيادة لنا في كل خير والموت راحة لنا من كل شر، وأن يبلغنا مرادنا في طاعته ويحول بيننا وبين معصيته. ثم قال إن حديث اليوم هو الحديث الرابع عشر من كتاب «جامع العلوم والحكم» للإمام ابن رجب رحمه الله.

نص الحديث

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ».[1]

وهو من الأحاديث التي كثر حولها الكلام: ففيه قضية حِلّ دم الثيب الزاني، وقضية المفارق لدينه وهو المرتد. لكن قبل الخوض في ذلك دعا إلى النظر في مراد النبي ﷺ من الحديث.

مراد الحديث: حفظ أمن المجتمع وسلامته

أراد النبي ﷺ أن يحفظ أمن المجتمع وسلامته؛ فلا ينبغي لأحد أن يخرق القانون العام الذي فرضه رب العالمين سبحانه. فالأصل في الأعراض الستر، والأصل في الحرمات الصيانة، والأصل في المسلمين جمع الكلمة ووحدة الصف، ومن أراد أن يخرق شيئًا من ذلك فقد أهدر دمه كما أهدر حرمة المجتمع.

وشرح ذلك بما نسميه في مجتمعاتنا «الحق العام»، وهو حق المجتمع، وقد يكون حق القانون أو حق الدستور. فلو كانت مظلمة بين شخصين وتنازل أحدهما عن حقه، قال له القاضي: هذا حقك أنت وقد تنازلت عنه، لكنه يلزمنا نحن أيضًا؛ ما شأنكم أنتم؟ إنني تنازلت فدعوه يذهب. لا، لقد انتهى حقك الخاص، أما الحق العام فلم تنتهِ حرمته.

وكذلك الأصل في نساء المسلمين اللواتي بين أيدينا — أختي، زوجتك، بنتك، عمتك، خالتك، أي امرأة في هذا المكان — أن لهنّ حرمةً، وأن أعدّهنّ من حرماتي فأحفظهنّ، ومن ثَمّ آمَنُ على زوجتي وبنتي إذا كنتَ أنت في الموطن نفسه الذي أنا فيه. فمن ينتهك هذه الحرمة ويكسر هذا الحق فقد اعتدى على الحق العام، وليس هو الحق العام الخاص بالناس وحدهم، وإنما هو حرمة حدود الله سبحانه وتعالى.

وكذلك من يعتدي على إنسان آمن في مكانه، الأصل فيه السلامة: خرج من بيته من بين زوجته وعياله ساعيًا في رزقه، أو متوجهًا إلى مصلّاه، أو متسوقًا في مكانه؛ فالأصل أن يعود إليهم سالمًا غانمًا بإذن الله، فإذا وجد من يعتدي عليه فهناك كسر للحق العام بين الناس وللحق الخاص بالله سبحانه. وبقدر قداسة المحرَّم الذي بلغه القانون تكون فداحة العقوبة النازلة على المعتدي.

فالأصل في مجتمع المسلمين السِّلم والهدوء والطمأنينة والأريحية والربح المشترك والسلامة العامة وحفظ الدماء. وعلى هذه الخلفية يقول النبي ﷺ: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث.

الثيب الزاني: غير المحصن والمحصن

لهذه الجريمة صنفان: غير المحصن (البكر) والمحصن (الثيب). أما غير المحصن ففي التشريع جلد مائة، وقد جاءت أحاديث عن النبي ﷺ فيها جلد مائة وتغريب عام، ورُوي في الثيب جلد مائة والرجم، أو كما قال ﷺ.[4] وأصل الجلد من القرآن الكريم في سورة النور: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾[2]. آيةٌ قوية شديدة اللهجة — لا نقول عنيفة، وإنما صارمة في حفظ حقوق الله في الأرض، ومن ثَمّ حقوق الناس. وفي هذا متفقون.

أما الثيب أو المحصن — الذي نكح امرأة قبل ذلك بالحلال ثم تعدّى إلى امرأة أخرى فوطئها في الحرام — فهنا الخلاف. جمهور العلماء على أن عقوبته الرجم بالحجارة. وبعضهم، وليس المعاصرون فقط بل من قديم، يقولون: على رِسلكم، إن مسألة الرجم بالحجارة إهدارٌ للنفس البشرية بطريقة فيها نوع من البشاعة تتنافى مع المقصود الشرعي أصلًا. فنجيبهم: أين وجه التنافي؟ فيقولون: إن الصورة في ذاتها مُبشِّعة. فنقول: وهل الفعل الذي فعله مُبشِّع؟ لقد أهدر حق الأمة كلها في تعدّيه على حرمة امرأة مسلمة.

ثم ننتقل إلى الدليل. فيقولون: الدليل أن النبي ﷺ حدّث بذلك وفعله. وإثبات الأحكام يأتي بطرائق عدة: قول النبي ﷺ، وفعله، وإقراره. (وهذا يتصل بتعريف السنة أصلًا، لكننا هنا نشتغل بمسألة إقرار الأحكام الشرعية.)

كيف نخاطب من يعترض؟

وسأل: الذين قالوا بإعادة النظر في توجيه مسألة الرجم، هل يريدون أن كل من وقع في هذه الغلطة نقتله هكذا مرة واحدة، أم في الأمر كلام؟ ما وجهة نظرهم؟ ثم قال إن عندك الآن نوعين من العقليات: عقلية ترى أحدًا يعقّب على شيء من ذلك فتقول له: أنت كافر ملحد، اخرج من هنا؛ وعقلية فيها مرونة استيعابية للأطراف الأخرى، ترى من يحاول أن يفهم، أو حتى من يعترض. وأنت بحكم كونك عالمًا لا ينبغي أن تردّ أحدًا أصلًا، بل تستوعب الناس بقدر ما عندهم، ومهارتك ليست في طرد الأفراد بل في إقناعهم. أنت هنا كالبائع تبيع البضاعة التي بين يديك وتروّج لها، فما دام الحق معك فلا ينبغي أن تطرد المنكِر له، بل تقنعه بما لديك حتى يستوعبه استيعابًا كاملًا غير منقوص.

فهؤلاء الذين قالوا: المسألة تحتاج إلى وقفة وتمهّل، لا يردّون حديث رسول الله ﷺ — لا أحد منهم يردّه أبدًا — ولكن إشكالهم أن هذا الحديث ورد بطريق الآحاد.

المتواتر والآحاد

وهذه قصة واسعة قليلًا. فعندنا حديث متواتر وحديث آحاد. المتواتر ما رواه جمعٌ عن جمعٍ عن جمعٍ حتى يبلغ النبي ﷺ. فالحديث سلسلة، يأخذها جيل وينقلها إلى الذي بعده، وهكذا؛ فإذا كانت كل طبقة من الطبقات فيها جمعٌ فهو متواتر. فإذا انفرد جيل واحد من هذه الأجيال، أي كان الراوي في طبقة منها شخصًا واحدًا — ولو روى عنه بعد ذلك ألف — سُمّي حديث آحاد لا متواترًا.

وأشار إلى أن هذا من دقة نقل الحديث الشريف وإتقانه، ومما لم يحصل في شيء آخر عبر العالم كله؛ فـ«هندسة رواية الحديث النبوي» هندسة لم ترد في علم آخر من علوم الكون: في القرآن والسنة فقط، وما دون ذلك لن تجد هذه الطريقة ولا هذه الدقة. وأحيانًا يرويه جمعٌ كبير جدًّا، فهذا قوي جدًّا. وفي الآحاد ما هو صحيح وحسن ومقبول، وما هو ضعيف. ويُقال عن حديثٍ ما إنه ليس صحيحًا لأننا تفحّصنا حال رجاله الرواة فوجدنا فيهم خللًا، فيسقط الحديث من دائرة الصحيح إلى ما دونه. وفي ذلك كلام كثير.

فقالوا: هذه المنظومة من الأحاديث وردت بطريق الآحاد، أفيكون إهدار نفس بشرية بهذه الطريقة، بطريق الآحاد؟ فنقول لهم: وما المانع من ذلك؟ فعندنا كثير من الأحكام وردت بطريق الآحاد ونطبقها ونشتغل بها في حياتنا. وإذا ثبت الحديث وثبتت صحته واختلفت طرقه ورواياته فالأصل فيه القبول.

زاوية القرآن: أيُّهما يحكم الآخر؟

ثم ينتقل النقاش إلى زاوية أخرى: أن في القرآن الكريم نمطًا آخر من العقوبة، فقد قال ﴿فَاجْلِدُوا﴾، وليس عندنا في القرآن شيء اسمه الرجم أصلًا، فهو غير موجود فيه. فيقول هؤلاء: إن النبي ﷺ فعل ذلك، فلما نزلت الآية المباركة فالأصل أن يُرجَع إلى النص القرآني الذي يحكم فعل النبي ﷺ. وهنا تدخل في دوامة صعبة — قال: الكلام اليوم صعب — وهي: أيّهما يضبط الآخر؟ أفعلُ النبي ﷺ يحكم نصَّ القرآن، أم أن نص القرآن يهيمن على فعل النبي ﷺ؟ مع أيّهما تمضي؟ ومن الإخوة من نبّه إلى قاعدة التوقيت: هل فعله النبي ﷺ بعد نزول النص القرآني أم قبله؟ وهنا تدخل في دوامة كبيرة جدًّا.

واستطرد فقال إن أحد الشباب حدّثه قبل أسبوعين أنه ذهب يصلي في مسجد فوجدهم يقولون «القرآن وحده»، والخطيب على المنبر يقول: القرآن وحده، لا شيء اسمه سنة. قال الدكتور أحمد: مسكين! ومن أين جاءت وقفته على المنبر أصلًا؟ ماذا يفعل واقفًا عليه؟ إن كان يقول القرآن وحده فبأي سند يقف على المنبر؟ إن وقوفك على المنبر وهيئة الخطبة هي سنة فعلها رسول الله ﷺ. وقوله ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا﴾، لو أخذناها على عمومها لدخلتَ فصليت ركعتين، وحتى لو صليت ركعتين أو أربعًا، فمن أين لك صفة صلاة الظهر وهيئتها؟ وبمَ تؤدي الفجر، كم ركعة؟ ركعتان، فكيف حصّلتَ ذلك؟ ومن أين لك بـ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ وكيف صفتها، وقدر الزكاة، وأحكام الصيام بتفاصيلها، وصلاة العيدين، وكل ما أنت مندرج فيه من عبادات؟ إنما ورد تفصيله عن رسول الله ﷺ.

ثم عاد فقال: لكننا لا نتحدث عن هذه النقطة، بل عن وجه التعارض: إذا حصل تعارض بين نص نبوي ونص قرآني فأيّهما يُقدَّم؟ وهنا تأتي الإشكالية، ونستعمل القاعدة التي أشار إليها الأخ: أيُّهما كان قبل الآخر، نزول الآية قبل فعل النبي ﷺ أم فعل النبي ﷺ قبل نزول الآية؟

وخلاصة ما قال: لماذا اختلف هؤلاء العلماء أصلًا؟ هل الأصل عندهم أنهم يريدون الاعتراض على قول النبي ﷺ؟ كلا، فأدلة هؤلاء وأدلة أولئك وردّ بعضهم على بعض ومقابلاتهم يطول فيها الحديث أسبوعًا. وهم لا يريدون ردّ قول النبي ﷺ، بل يريدون أن يتفهموا بمزيد من التفهّم: هل يصلح أن أطبّق مجموعة الأحاديث في الحكم؟ وهل مسألة الرجم ثابتة عند كل من زنى أم تتفاوت فيما بينهم؟

الفريق الثالث: كيف صدر الحكم؟

هذا كلام الفريق الثالث الذي دخل يفضّ هذا الإشكال، وقال: على رِسلكم، لماذا الغضب؟ لنفهم الموضوع. قالوا: ينبغي أن ننظر كيف صدر هذا الحكم الذي فعله النبي ﷺ. وانتبه إلى لفظ الحديث الذي بدأنا به: «لا يحل دم امرئ مسلم»، وليس «يجب قتل كل من فعل ذلك». وفرق بين أن أقول: يحلّ لي أن آخذ مالك، وأن أقول: يجب عليّ أن آخذه. فقد صار الدم حلالًا بعد أن كان محرَّمًا، فمن الذي يقيم الحدّ؟ من الذي سيمارس هذه العملية؟ ولي الأمر. أفينفّذ ولي الأمر هذا الحكم على جموع الناس بلا نظر، أم أن له نظرًا وتقييمًا في الأحوال؟

وأخذ قرينة من حديث النبي ﷺ في حدّ الزاني غير المحصن: «جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ». فعندنا هنا حكمان: الجلد، ثم إخراجه من البلد سنة. ولماذا؟ قيل: لأنه بالنسبة إلينا يمثل خطرًا نريد أن نحمي المجتمع منه؛ أو لأنه إذا جُلد ثم قابل البنت نفسها في مكان آخر فقد يخطئ ثانية فيقع في الجريمة مرة أخرى، فهذا عزل نفسي: يخرجه من البلد سنة حتى يتهيأ له أمر آخر يصلح الله به شأنه، ويلتقي بناس آخرين فيغيّر البيئة؛ وهذه فلسفة التغيير في الإسلام.

ثم إن التغريب هل هو متفق على فعله بين الفقهاء؟ قالوا: لا، بل يُنظر في حاله: فإن كان من أهل الصلاح وأخطأ مرة — واحتمال أن يكون قد أُغري مثلًا — فهذا رجل من أهل الصلاح لن يعود مرة أخرى، والخطأ وارد، والنفس البشرية الأصل فيها كذا وكذا، فيُجلد مائة ولا يُغرَّب. فإذا قُدِّر حاله نفسيًّا فأُخذ نصف الحكم وطُبّق ونُظر في نصفه الآخر، فلماذا لا يُصنع ذلك مع الثاني؟ الثيب: جلد مائة والرجم والقذف بالحجارة، فهل يمكن أن نطبّق القاعدة نفسها؟ وما المانع، بناءً على احتمالات صلاح ذلك الإنسان وفساده، وعلى حكم القاضي ونظره في حال من أمامه؟

وضرب لذلك مثلًا بتفاوت القضاة: عندنا قاضٍ يكون أمامه الخطأ نفسه من ثلاثة أشخاص، فيأخذ من الأول غرامة يسيرة، ومن الثاني أكثر منها، ومن الثالث أضعافًا مضاعفة. فما هذه الحكاية؟ هذا خطر على المجتمع. وقال إنه يقف أحدنا بسيارته فيوقفه الضابط، فيقول له: هات الأوراق يا أبي، فيأخذها ويذهب إلى أجهزته، ثم يقول له: لا تفعل ذلك ثانية، انتبه.

ثم حكى قصة حدثت مع أحد أصدقائهم الكرام، وهو طبيب قلب كان يسرع للحاق بعملية، فلاحقه شرطي المرور وقال له: أنت مجنون! فقال له: أنا طبيب قلب وأريد اللحاق بعملية؛ إما أن تأتي ورائي وإما أمضي ولن أقف لك. فقال له: طبيب؟ ورائي. فطار صاحبنا أمامه والشرطي يجري وراءه حتى باب المستشفى، فنزل صاحبنا يجري إلى الداخل لشغله، ودخل الشرطي وراءه ليتأكد؛ فلما وجده طبيبًا فعلًا لم يقل له كلمة. فتأكد من صلاحية صاحب الادعاء أولًا، مع أن القانون في الأصل — وهذه جريمة — قد يسحب رخصته ويضع الأصفاد في يده. فالقانون يقول كذلك، لكنه ينظر في الحال والحيثيات.

والشاهد أن هؤلاء لما تكلموا في هذه المسألة قالوا: ينبغي ألّا نردّ قول النبي ﷺ ولا فعله، وإنما يُنظر إلى صاحب الجُرم ويُقيَّم حاله، ومن ثَمّ تبدأ مرحلة المحاكمة بناءً على الآليات والحيثيات التي بين أيدينا.

اتهام المسلمين بالعنف ومصلحة الإسلام

وقال إننا واقعون اليوم في إشكالية كبيرة جدًّا، وهي اتهام المسلمين بالعنف الموجود في الدنيا كلها. وربما كان الحال الذي كان يضبط حركة النبي ﷺ مختلفًا في مناسبات أحواله؛ فتأتي هنا قدسية كلام النبي عليه الصلاة والسلام واحترامه على الوجه الأتمّ، مع ما يناسب الواقع الذي تغلب فيه مصلحة الإسلام لا مصلحة الأشخاص.

وإذا انتهيت في المسألة رأيت أن فيها خلافًا لن ينتهي، وأن لأصحاب كل قول فيها حجتهم، وحجة قوية جدًّا. ويبقى بين أيدينا أن الذي ارتكب مثل هذا الخطأ إنما ارتكب جرمًا في حق رب العالمين سبحانه.

أحوال الفاعل

ومن تمام المسألة أن ننظر في أحوال الفاعل. ففقهاؤنا يتكلمون في ذلك بالتفصيل: رجل تزوج مثلًا ثم ماتت زوجته، وبقي بغير زوجة سنوات طويلة، ثم راودته امرأة فوقع فيها فأخطأ. أنسمّيه محصنًا لأنه تزوج مرة، أم نحكم عليه حكم العازب لطول عهده بالنساء وأنه لم يقرب إحداهن منذ زمن؟ لا ولد له ولا شأن، وكل ما ينطبق على العزاب ينطبق على حاله؛ فكيف تطبّق عليه الحالة؟ هنا تأتي هذه الإشكاليات.

والشاهد أنه إذا كان زمام الأمر بيد وارث علم النبي ﷺ، وهو المفتي أو القاضي الذي يقوم مقام رسول الله ﷺ في تطبيق الأحكام الشرعية، فإن النظر إلى حال الواقع في مثل هذه الجريمة هو الحال الأتمّ، والله تعالى أعلم.

«النفس بالنفس»

ثم قال: وقد قلنا «النفس بالنفس»، فلنطبق هذه القواعد على ما نظرنا فيه على سبيل العجالة. ظاهر دلالة هذا النص أن أي أحد قتل أي أحد قُتل به مباشرة، أليس كذلك؟ لكن عندي في القرآن تفصيلًا للأحكام: أن يكون المقتول مؤمنًا أو غير مؤمن، أو هل هو قتل خطأ؟ والنبي ﷺ قال «النفس بالنفس» ولم يميّز في نص الحديث بين قتل الخطأ وقتل العمد. ثم جاء قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ…﴾[3] — عقوبة مغلّظة بأقوى أنواع التغليظ. فمن قتل خطأً فشيء آخر، ومن عُفي عنه ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ…﴾ — عندنا نصّ في هذه المسألة. وعندي أحكام الدية أدفعها، وأحكام العفو لأصحاب الدم أن يعفوا. فإذا كانت النفس قد حُفظت في قضية القتل — وهي في السياق نفسه وفي الحديث نفسه — ألا تحتمل ولو بوجه أن تُحفظ كذلك في قضية الزنا؟

التارك لدينه المفارق للجماعة

وبقيت القضية الثالثة: التارك لدينه المفارق للجماعة. ما اسمه في التشريع؟ المرتد. وحكمه بهذا النص القتل. فماذا يقول العلماء؟ يقولون: يُستتاب ثلاثًا.[5] ثلاثة ماذا؟ هل هي ثلاثة أيام؟ أثلاثة أيام أم ثلاث محاولات للإقناع؟ ثم كل محاولة كم تستغرق من الزمن؟ هنا تدخل في قصة فيها نقاش طويل. وماذا تفعل في جلسة الاستتابة؟ تناقشه وتنصحه وتقنعه. فإذا لم يقتنع فماذا نصنع؟ نحتاج أن نفرّق بين من يحتاج إلى اقتناع وبين من يعاند. وهناك من يعاند وهو مسالم.

وهنا عرض أصنافًا ممن يوصفون بالردة:

  • رجل يقول: يا جماعة، أحس أنني أخون دين أبي وأمي، وكانا نصرانيين مثلًا، وقد تحولت إلى الإسلام، وأشعر أنني أخطأت خطأ كبيرًا جدًّا، وعندي ندم، وأريد أن أعود. أين تذهب؟ أنا قاعد في بيتي وفي عملي، لا شأن لي بأحد، ولا شأن لي بهؤلاء المسلمين. هذا مستوى: غير مقتنع، أو دخل الإسلام ولا تزال في ذهنه كثير من الشبهات.
  • أخت دخلت الإسلام، وبعد قليل قال لها الشيخ: من هذا الذي جاء معك؟ قالت: صديقي. فقال لها: كيف يا أختي، أهذا ممكن؟ هذا حرام. قالت: حرام كيف؟ نحن معًا منذ خمس وعشرين سنة، وهو أفضل صديق في الدنيا كلها، وعندنا أولاد. قال لها: لا بدّ أن تتزوجي. فقالت: حسنًا نتزوج. قال: لا ينفع، لأنه غير مسلم، والمسلمة لا تتزوج غير مسلم، فمن الآن هذه العلاقة منتهية. قالت: يا شيخ، أترك دينك كله على بعضه أسهل عليّ من أن أترك حبيبي؛ أتمزح؟ هذا زوجي وليس لي في الدنيا غيره. وقال الدكتور أحمد: هل هذا الكلام منطقي أم مبالغ فيه؟ هو منطقي جدًّا.
  • وآخر لما دخل الإسلام قلنا له: ستترك «الكأس»؟ قال: أنا أموت ولا أتركها. فترك الدين كله لأنك تحرّم عليه الخمر مثلًا. وعندنا إشكالية في مراحل دخول الناس في الإسلام وفي الشرح.
  • ومن قال: تركتُه لعلة عندي لا أحسن أن أستغني عنها، ولأن الإمام الذي أمامي ضعيف في شرحه، ولا يستطيع أن يبيّن للناس ويستوعب الأحكام على الوجه المنطقي المعتبر في دين الله تبارك وتعالى بنصوصه وأدلته. أنا لا أستطيع أن أفهم، ولا هو يستطيع أن يفهّم الناس، فأطلقتَ عليه حكم أنه مرتد.
  • وثالث دخل في الدين أول النهار وخرج آخره؛ وقد عرفتم ما فعلته طائفة من أهل الكتاب في المدينة،[6] يدخلون ثم يخرجون ليقول الناس: ما الذي حصل؟ فلان دخل الإسلام ثم تبيّن له أنه دين غلط. فهذه مواقف مختلفة.

ثم طرح السؤال: عندي شخص لا يزال غير مقتنع، فالمسؤولية عليه أم على من يقنعه؟ لو حوسبنا الآن، أنحاسب الشخص الذي لم يقتنع ورجع في كلامه، أم الشخص الذي لم يستطع أصلًا أن يقنعه ويوصل إليه المعلومة بالشكل السليم؟ ثم سأل: أيطبَّق الحكم على هؤلاء جميعًا؟ وأيّهم يحتاج إلى حنية ورقة وهدوء أعصاب وتفاعل بالحق واختيار للألفاظ وتهيئة مرة أخرى وإعادة تغيير للمفاهيم التي تركها؛ فنمشي معه برفق ونتمهّل إلى أن يقبل على الدين مرة أخرى؟

خاتمة

ونصوص النبي ﷺ ثابتة، لا يحلّ لأحد — بل يحرم على كل مسلم — أن ينكر منها شيئًا، وهذه مسلّمة، لا سيما ما ثبت في الصحاح كمثل هذا الحديث. ولكن تبقى إشكالية التطبيق، وفهم آليات التنفيذ عند كثير ممن يقومون على أمر هذه الشريعة.

ثم دعا: أسأل الله سبحانه وتعالى ألا يكون قد خرج من لساني ما يغاير منطق القناعة عنده، وأن يبرئ نفوسنا وقلوبنا وعقولنا من إنكار أو صدّ لشيء مما ثبت عن رسولنا ﷺ، وأن يديمنا مسلمين لأمره وأمر رسوله إلى أن نلقاه. اللهم آمين يا رب العالمين، جزاكم الله خيرًا.

--- [1]: توثيق المحرر: الحديث في صحيحي البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو الحديث الرابع عشر في «الأربعين النووية»، ويشرحه ابن رجب في «جامع العلوم والحكم». وقد نقلناه بحسب نطق المتحدث، وهو لفظ مسلم، ولفظ البخاري: «النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ الْجَمَاعَةَ». [2]: توثيق المحرر: سورة النور، الآية ٢، وقد أُثبتت بقدر ما نطق به المتحدث، وتتمّتها ﴿فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ لم ترد في التفريغ. [3]: توثيق المحرر: سورة النساء، الآية ٩٣، وقد أُثبت منها ما نطق به المتحدث وانقطع التفريغ عند ذلك. أما ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ فمن سورة البقرة، الآية ١٧٨، وذُكرت في التفريغ إشارةً مجملة. وقوله ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا﴾ من سورة الجمعة، الآية ١٠، وهي بتمامها: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. [4]: توثيق المحرر: في صحيح مسلم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ». وفي صحيح البخاري من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: سمعت النبي ﷺ «يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ». [5]: توثيق المحرر: من الآثار في الاستتابة ثلاثًا ما رواه مالك في «الموطأ» أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في رجلٍ كفر بعد إسلامه فقُتل: «أَفَلَا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا، وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا، وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ»، وهو موقوف على عمر. [6]: توثيق المحرر: يشير المتحدث إلى قوله تعالى: ﴿وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢].

Pregunta al Jeque