A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Volver a las reflexiones
Reflexión · Fajr

فليقل خيرًا أو ليصمت: اللسان والجار والضيف

الإيمان شرطٌ والفعل تحقيقٌ له: إمساك اللسان، وإكرام الجار والضيف، ونفسٌ تعطي ولا تحرص على الأخذ وحده

Dr. Ahmed Abouseif•١٦ أغسطس ٢٠٢٦•9 min de lectura
Vídeo original de la reflexión
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 16 أغسطس 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، [مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب](https://www.youtube.com/watch?v=mCSlpX_S4qw)

افتتح الدكتور خاطرته بدعاء جامع: أن يسأل الله الخير كله عاجله وآجله، ويعوذ به من الشر كله عاجله وآجله، وأن يجيرنا في أمرنا كله، ويثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويلهمنا رشدنا ولا يكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقه، ويتولى أمرنا كله برحمة منه ورضوان.

حديث اليوم، بإذن ربّ العزة، هو الحديث الخامس عشر من كتاب «جامع العلوم والحكم» للإمام ابن رجب رحمه الله تعالى، فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه».[1] صدق رسول الله ﷺ فيما حدّث، وصدق الناقلون فيما نقلوا عنه. وهو من الأحاديث المشهورة في عالم المسلمين.

الإيمان شرطٌ والفعل تحقيقٌ له

التطبيق ينبع من مضمون الحديث وطريقة عرضه على لسان النبي ﷺ. فاشتراطُ الإيمان بالفعل («من كان يؤمن فليفعل»)، أو اشتراطُ الفعل لتحقيق الإيمان، يجعل الاختيار عندك أنت: تقرر إن كنت تريد أن تبقى في هذه المنظومة أم تريد أن تخرج عنها، والبقاء والخروج مرتبطان بتحقيق العمل أو عدم تحقيقه. فما هي الأعمال؟

«فليقل خيرًا أو ليصمت»

في الشرط الأول: ما العلاقة بين اللسان، بين القول، وبين الإيمان الذي محله القلب؟ العلاقة أن اللسان يترجم ما في داخل الإنسان؛ فمن استقام قلبه استقام لسانه، ومن اعوجّ لسانه اعوجّ قلبه. وعلى هذه الوتيرة يحذّر النبي ﷺ الناس من أن يتكلموا أصلًا فيما لا فائدة منه. فيسأله أحدهم: أوَنُؤاخذ بما تتحدث به ألسنتنا؟ فيجيبه جوابًا مُفحِمًا، بل مُسكِتًا لأي أحد يناقش: وهل يُكبّ الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟ وانتهت المسألة؛ فكان هذا التراكم الحاصل من اللسان هو الذي يوجب للإنسان جنة أو نارًا.[2]

والناس يستهينون باللفظة، لأن اللفظة التي تخرج لا تستوعب زمانًا كبيرًا؛ كلمة تخرج في ثانية أو أقل أو أكثر بحسب وقتها، لكن التراكم هو غير الملاحَظ. ومثال تتبسطون به كثيرًا وتضحكون عليه: سحبةُ بطاقة الائتمان. تستهين بالمسألة، تلمس الشاشة فتنتهي العملية. لكن آخر الشهر يبكي صاحبنا أمام كشف الحساب. فالشاهد أن حصائد الألسنة هي النتيجة المرتقبة وغير المتوقعة معًا.

كلمةٌ لا يُلقى لها بال

ورسولنا ﷺ يحدّث بحديث في منتهى الخطورة، فيذكر أن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يُلقي لها بالًا فتهوي به في النار، أو يرفعه الله بها.[3] والمسألة هنا فيما يقوله النبي ﷺ «لا يلقي لها بالًا»، أي الكلام العشوائي الذي هو محاولة اقتحام لقضية إنسانية، أو ردّ فعل على من يتكلم أمامك فترد عليه بسرعة وسهولة من غير تفكير. فما الذي يريده رسول الله ﷺ منك في مثل هذا الحديث؟ يريد أن يوقظ عندك ملَكة التفكر فيما تتحدث به؛ فمصائر الناس تترتب على النطق الذي يخرج منه. تخيّل واحدًا يقف أمام القاضي فيتكلم بكلمة تُسجَّل عليه، فيؤاخَذ بها، مجرد كلمة أو شهادة أو ورقة.

والشاهد أن مسألة المراقبة الذاتية، وعندنا كلام كثير جدًّا في هذا الموضوع، هي التي يحرص النبي ﷺ على أن يوقظها في داخلك. فأنت تراقب أمرين: تراقب القلب، ما الذي يمليه عليك؟ وتراقب العقل، ما الذي يشير به عليك؟ فانظر مرادك، وحدّد بناءً عليه تصرفك.

«فليكرم جاره»

والمسألة الأخرى: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره». فما العلاقة بين قول الخير والصمت عمّا لا ينفع، وبين إكرام الجوار؟ إن الجار هو أول من يلتصق بك، فيترك فيك مشاعر سلبية أو إيجابية. تخيّل اثنين متجاورين في سكن، أو متجاورين في عمل: التصرف الصادر من أحدهما يترك انطباعات عند الآخر، ولأن ديمومة النظر والمراقبة والمتابعة حاصلة، فقد يطيق أو لا يطيق، وقد يتحمل أو لا يتحمل. فتخيل أن ثمة جارًا لك، قريبًا أو بعيدًا، تؤذيه ليل نهار؛ فما فائدة هذا الجوار؟ لا فائدة منه، أذاه أكثر من نفعه، وخيره أقل من شره، ولا داعي له. ولذلك عندنا حتى في الأمثلة البسيطة في حياتنا الطبيعية: «اختر الجار قبل الدار». فإذا حسنت سيرة صاحبك، وأراحك بلسانه، واطمأن إليه قلبك، فأهلًا وسهلًا؛ وإن وجد في نفسه شيئًا غير ذلك وتكلم، فلا بأس: مع السلامة، الله يسهّل عليك، أو تنظر مكانًا آخر. ومن ثَمّ يعطيك الإسلام هذه الحصانة التي تبدأ من عندك أنت، فما الذي تفعله في نفسك؟

ونتكلم هنا عن حق الجار، الذي يذكر النبي ﷺ فيه كلامًا في منتهى الخطورة، ويُروى عنه ﷺ أن أول خصمين يوم القيامة جاران.[4] أول اثنين يقف أحدهما مقابل الآخر يوم القيامة، تخيّل، جاران. إذا ضيّقتَ لفظ الجوار بجوار البيت فيحتمل ذلك، وإذا وسّعت لفظ الجوار فقد يكون أول جار يقف أمامك خصيمًا لك زوجتَك: قد تكون أول خصم يقف أمام الله تبارك وتعالى ضدي، أو أكون ضدها. وقد يشتمل الجوار على العيال، وقد يشتمل على جوار البيت. والجوار في لفظه أصلًا، في التناول القرآني واستيعاب الأحاديث النبوية، يستوعب ما هو أوسع من ذلك وأقوى. نقولها مرة أخرى: الجوار مستوعب لما هو أوسع من ذاك. وفي قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾[5] تفسيرات كثيرة جدًّا للصاحب بالجنب، وهذا التوسيع مقصدٌ قرآنيّ يحقق ربّ العالمين سبحانه من خلاله مفادات كثيرة، وتعلمون أن الكلام في هذا يطول.

«فليكرم ضيفه»

ثم الشق الثالث من الحديث: «فليكرم ضيفه». نقول إن أول شرط لتحقق الإيمان هو إمساك هذا اللسان، وعدم إطلاقه فيما لا فائدة منه. تفكّر قبل أن تتكلم، تفكّر قبل أن تكتب رسالة، قبل أن تبعث، قبل أن تنطق؛ فكّر في تبعات ما تتحدث به. والأمر الآخر هو الإكرام. نحن الآن أمسكنا، فتولّد نوع من الفكر الداخلي العقلي والقلبي أورثَ فيك ملَكة العطاء. فبدل أن تُطلق كلامًا بلا فائدة يؤذي الناس الذين حولك، اهدأ قليلًا، فكّر بحكمة، فعندك كمٌّ يريد أن يخرج، فيخرج في صيغة عطاء. هذا العطاء يسمى الكرم.

فلنكرم أولًا الجوار الذي هو ضيف نزل عليّ، لكن بصورة مطوّلة قليلًا: أنت ساكن في مكان، ثم جاء واحد اشترى البيت الذي بجانبك. صاحبنا هذا ضيف نازل في الأول، لكنه ضيف طالت إقامته معنا، أو أنك أنت ضيف عليه. ولك أن تتخيل أن الإكرام من الجهتين، من كلتا الجهتين، يأتي، فترى إكرامًا متبادلًا بالسؤال والطمأنينة والمودة. وعندنا قواعد في إكرام الضيف؛ إذا تكلمتَ عنه فأنت تتكلم عن محاضرات طويلة جدًّا، خاصة في تحليل النصوص لا في سردها.

ومن إشكاليات الخطاب، وأريد أن أسميه الخطاب الديني أو ما يُسمّى به، أيًّا ما كان، خطاب الوعّاظ: أنهم يهتمون بمزيد من السرد، ولا يقوم كثير منهم بتحليل النص والغوص في أعماقه حتى يستخرج ما فيه من حكمة أرادها المتحدث به، أرادها صاحب الكلام: ربّ العالمين في قرآنه، ورسولنا ﷺ في سنّته المطهّرة.

فما هو حق الضيف؟ حق الضيف الإكرام، لكنه يبقى في مسمّى «ضيف»، فإذا انتقل من مسمى ضيف إلى مسمى صاحب بيت فالمسألة اختلفت. والإسلام يفرض عليك فرضًا أن يكون عندك نصيب من إكرام الضيف، فما نزل ضيف إلا وله إكرام. وعندنا حديث مشهور: النبي ﷺ ينزل عليه ضيف، فيسأل أصحابه: من يكرم ضيف رسول الله؟ من يكرم ضيف رسول الله؟ فيتطوع صحابي، تحمله الهمّة والشهامة، فيأخذه ويعود إلى البيت، فيسأل أهله: ماذا عندكم؟ فيقولون: لا شيء إلا ما نُسكِت به عيالنا. فينامون.[6] حضراتكم متخيلون دلالة هذه العبارة، لو صحّ نقلي لها: ما عندنا إلا ما نُسكت به العيال. بعض الناس يقول لك: عندهم أكل العيال في هذه الليلة؛ لا، ليس عشاءً كاملًا، ليس عندهم وجبة كاملة تشبع العيال فيستريحون وينامون ويبدؤون يلعبون. وإنما هو يعطيهم لقمتين، شيئًا يشغلهم، كما تعطي ابنك مصّاصة أو أيّ شيء يتلهّى به حتى ينشغل بشيء آخر. طفل يبكي من أجل مسألة، فتقول له: تعال أعطيك حلوى، فيُعطى الحلوى، فينشغل به عن الموضوع الآخر. فقال لها: اجمعي ذلك كله، وإذا جلسنا على المائدة فأطفئي السراج. نجلس إلى الطعام ونطفئ الضوء، لماذا؟ حتى يشعر صاحبنا، وهو يحرّك الملعقة في الصحفة، أنه يأكل معه، والضيف يعرف موضع الطعام فيمدّ يده ويأكل. فلما أصبح أشاد النبي ﷺ بهذا الفعل، وأن الله تعالى قد اطّلع على صنيعكما الليلة. فهذا هو الإكرام.

والإكرام هنا إكرام مؤقت، لأنه لا يوجد عندك ضيف كل يوم، ولكن يبقى الشاهد في داخل النفس: أنها النفس التي تعطي، وليست النفس التي تحرص على الأخذ وفقط. النفس التي تحرص على الأخذ وفقط لا فائدة منها. فمن كانت نفسه كذلك فلينظر إلى ما سيعطيه ربّ العالمين سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة.

الدنيا بين أخذ وردّ

الدنيا يا إخواني، الحياة، بين أخذ وردّ. فكلما أعطيتَ أعطاك الواهب سبحانه وتعالى، وكلما حرصتَ على الأخذ لن تدعك الدنيا تأخذ كل ما تريد، ستأخذ منك. عندنا، سبحان الله القدير، ضريبة لكل نوع من أنواع التطور في الحياة، ضريبة لازم تدفعها للدنيا بشكل ما. ولا أزال أذكر يومًا ما أحد أصدقائنا المقرّبين، قلتُ له: يا أخي، أنت إن شاء الله قادر، فاشترِ سيارة تتحرك بها بدل أن تظلّ تعتمد علينا هكذا، وكنا نمزح. قال لي: هذه ضريبتها كبيرة، هذه ضريبة كبيرة جدًّا. وهو يقصد ضريبتها في أعين الناس وفي الحياة، على سبيل المثال.

والشاهد: كنا شبابًا لا نملك قوت يومنا، انتقلنا إلى مرحلة أكبر، تملّكنا مناصب في حياتنا الدنيا، صغيرة أو كبيرة، ثم انتقلت بنا الحياة من موطن إلى آخر، فكثرت بين أيدينا الدنيا بأشكالها المختلفة. لكن في مقابل هذا، وأنا أضرب مثالًا على كل الناس: ترى العافية تقلّ، وراحة البال تقلّ، وتأتي منغّصات الحياة وشواغل الدنيا ومشاكل التجارة والناس الذين حولك، إلى آخره.

الإيمان الكامل

والشاهد في خلاصة هذا الحديث: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر». الإيمان الذي يريده النبي ﷺ إيمانٌ كامل، لأن هذا ليس هو الشرط الأوحد لتحقق الإيمان. لكن عندنا، وقد أطلنا عليكم اليوم، ما يسمى «مطلق الإيمان» و«الإيمان المطلق»: فمطلق الإيمان وجود أي نسبة من نسب الإيمان، والإيمان المطلق هو الإيمان الذي بلغ تمامه. ونسأل الله سبحانه وتعالى بلوغ مثل هذه الغاية.

والشاهد أن النبي ﷺ يريد أن يحرّك في داخلك الباحثَ عن الحق، وازعَ الباحث عن الإيمان ومكمّلاته: أن سعادتنا فيما تكنّه ضمائرنا وما تستوعبه عقولنا، لا فيما تمتلكه أيدينا.

وختم بدعاء أن يهدي الله نفوسنا وقلوبنا للحق، وألّا يبتلينا بما ينغّص علينا عيش الحياة، وألّا يكدّر علينا صفونا. آمين.

--- [1]: توثيق المحرر: أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [2]: توثيق المحرر: أورد المتحدث الحديث بالمعنى من غير تسمية السائل، وهو في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه عند الترمذي وقال: حسن صحيح. [3]: توثيق المحرر: نقله المتحدث بالمعنى، وأصله في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [4]: توثيق المحرر: لم يعزُ المتحدث الحديث، فنُقل بصيغة «يُروى» دون علامات اقتباس. ولفظه: «أَوَّلُ خَصْمَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَارَانِ»، أخرجه أحمد في المسند (١٧٣٧٢) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه، وحسّنه شعيب الأرناؤوط في تخريج المسند. [5]: توثيق المحرر: سورة النساء، الآية 36. [6]: توثيق المحرر: قال المتحدث «لو صح نقلي لها»؛ والقصة أخرجها البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيها أن الله عجب أو ضحك من صنيع الزوجين بضيفهما؛ وعبارة «اطّلع على صنيعكما» من تصرف المتحدث في النقل.

Pregunta al Jeque