A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Volver a las reflexiones
Reflexión · Isha

لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ

ما الذي يميّز أصحاب الجنة عن أصحاب النار؟ معايير من سورة الحشر نفسها.

Dr. Ahmed Abouseif•١٢ أغسطس ٢٠٢٤•6 min de lectura
Vídeo original de la reflexión
المناسبة: تفريغ خاطرة عشاء أُلقيت بتاريخ 12 أغسطس 2024م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، [مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب](https://www.youtube.com/watch?v=mg7T6WEgtL4)

الحمد لله والصلاة والسلام على عبده ونبيّه ورسوله. اللهم إنا نسألك خير هذه الليلة وخير ما فيها وخير ما بعدها، ونعوذ بك من شر هذه الليلة وشر ما فيها وشر ما بعدها. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر يا رب العالمين.

المعيار في سورة الحشر

منّ الله تعالى علينا في صلاة العشاء بتلاوةِ آيةٍ تتكرر على ألسنة التالين في الصلوات: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾[1]. وكنتُ في الصلاة أفكّر: ما المعيار؟ ما الذي يميّز أصحاب الجنة عن أصحاب النار؟

والجواب عن أي حقيقة ترد في سورة من القرآن الكريم لا بد أن يكون مضمّنًا في السورة نفسها. فإذا أخبر الله بحقيقةٍ في سورة من سور القرآن فابحث قبل النص أو بعده في داخل السورة تجد الجواب. فتتبّع أحوال السورة ترَ.

التسبيح العملي: الانسجام مع الكون

أولًا قضية التسبيح. والعجيب أنك تراها في بداية السورة كما في ختامها؛ فأول آيةٍ في سورة الحشر تفتتح بقوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾، وفي آخرها يأتي التسبيح مرة أخرى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ في الموضعين. وقضية التسبيح ليست محض التسبيح اللفظي، وإنما هو التسبيحُ العملي؛ بمعنى أن الكون كله يسبّح بحمد الرحمن، أي يسير في النسق الذي رسمه الله تبارك وتعالى له ولا يشذّ عنه. فلا ترى عصفورًا يعصي الله في أمر، ولا ترى نباتًا ينبت في غير موضعه الذي أراده الله، ولا ترى كائنًا يعتدي على كائنٍ آخر، غير الآدميين؛ وهذا من خلق الله تبارك وتعالى.

فعندما يقول الله: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾[2] جاءت قضية الفقه هناك، وهي تدل على أننا لا بد أن نفهم دلالات الألفاظ. فقضيةُ التسبيح، وهي الانسجامُ مع الكون فيما هو فيه من تطبيقٍ لأمر الله تبارك وتعالى، تعني ألا يعصي العبدُ ربّ العالمين، وأن يكون في جملة أصحاب الجنة.

معرفة العدو

ثم يأتي في السورة بعد ذلك: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا…﴾ إلى آخر الآيات. وهذه الكلمات تشير إلى أن هناك معرفةً بالعدو، ومعرفةً بقدراته وإمكاناته، ومعرفةً بأحواله وتقلباته، ومعرفةً بمخططاته واستراتيجياته. وهذه مسألة لا بد أن توجد في أصحاب الجنة الذين ينشدونها يومًا ما؛ وإلا فالغفلة والجهل وعدم الإدراك والوعي إنما هي من جنود الشيطان، يسلّطها على أهل الإيمان حتى يغفلهم عن حقيقة واقعهم فيكونوا من أهل النار.

العناد: ﴿شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾

ثم تمرّ في الآيات فترى أن ربّ العزة سبحانه وتعالى يحذّر من ذلك: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. إنها قضية العناد مع ربّ العالمين سبحانه وتعالى. ما الذي يجعل العبد يعاند ربَّ العالمين؟ وما هي الميادين؟ (وكلُّ جزئيةٍ من هذه تحتاج إلى دلالات.) لكن على وجه الجملة، الذي يجعل العبد يشاقّ الله تبارك وتعالى هو الهوى، والشهوة، والغرور، والكِبْر، وهذه العنجهية الفارغة التي تملأ قلوب بعض الناس، فيرى نفسه أكبر من النص القرآني، وأكبر من الدلالة النبوية، وأكبر من التشريع الإسلامي. يرى نفسه يأكل حقوق أخواته البنات مثلًا، وهو في منتهى القوة، ويشعر أنه هكذا يفعل الصواب! الله عز وجل يقول كذا، ولكن «نفسي تقول»؛ الله تعالى يدلّ على كذا، ولكن «عقلي يدلّ». فهذه شهوته ونزوته في داخله.

شرط البذل

ثم تمر الآيات لترى أن أهل الإيمان لا بد أن يتوفر فيهم شرط أساسي. ما هو هذا الشرط؟ شرط البذل. وعلى كلا الاحتمالين: البذلِ المتمثل في الترك، وهو حال الذين أُخرجوا من ديارهم، الذين هاجروا؛ والبذلِ المتمثل في العطاء: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. ثم يصفهم الله تعالى بأنهم المفلحون.[3] وقضية الفلاح في القرآن الكريم تتجاوز قضية النجاح؛ فالمُفلح هو الذي تجاوز كل مراحل النجاة وكان من النخبة، من خواصّ الخواص، من صفوة الصفوة الذين مثلوا بين يدي ربّ العزة سبحانه جلّ في علاه.

كفروا من أهل الكتاب

وتمر في آيات السورة الكريمة لترى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ…﴾. ويرى الدكتور أحمد أنه كلما اقترنت كلمة الكفر بأهل الكتاب، أي كلما وردت عبارة «كفروا من أهل الكتاب» في هذا السياق، فالحديث عندئذٍ عن اليهود على وجه التحديد. أما إذا جاءت كلمة «أهل الكتاب» منفصلة عن كلمة الكفر فإنها تدل على العموم. لكن إذا اجتمعتا فدلالتها في السياق تفيد أن الحديث عنهم.[4]

والشاهد أن ربّ العزة سبحانه وتعالى يحدّثنا عن قضية الوعي مرة أخرى، وعن الخطط التي تُبرَم في الخفاء، لا يدركها أهل البصر وحدهم، بل يدركها أهل الفكر وأهل العمل.

﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾

ثم تأتينا الآيات بعد ذلك لتأمرنا بأمرٍ عظيم جدًّا، وهو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. كثيرٌ من أهل الحديث وأهل الكلام وأهل الخطب والمواعظ، عندما يتكلمون عن قوله: ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ يتحدثون عن الغد الآخر، ولا يتحدثون عن الغد الأول. لا يتحدثون عن خطةٍ استراتيجية قصيرة المدى وطويلة المدى، أو متوسطة وبعيدة المدى؛ لا يتكلمون عما سننجزه خلال سنة، وخلال خمس سنوات، وخلال عشر سنوات، وخلال خمسين سنة. لا نتكلم! وكأن هذا الفقه، فقهَ الإدارة، المتضمَّنَ في القرآن الكريم بكثرة كثيرة جدًّا، منعدمٌ من أذهان أهل العمل.[5]

وهنا نفصل في مسألة أو نشير إليها: هناك مسلمٌ صاحبُ عمل، ومسلمٌ صاحبُ قول. فصاحب القول يردّد كلامًا لا يتجاوز عقله ولا يتجاوز صدره، وصاحب العمل يردّد الكلام ليذكّر نفسه بمضامين هذا الكلام.

لماذا نكرّر الفاتحة؟

وللاستشهاد على ذلك، وهو سؤال أسأله في كل مكان: لماذا يأمرنا ربّ العالمين أن نكرر سورة الفاتحة سبع عشرة مرة في اليوم؟ لماذا يأمرنا الله أن نكرّر نفس الكلمات، بنفس الآيات، بنفس الترتيب، بنفس الألفاظ، بنفس الأحكام القرآنية، سبع عشرة مرة كل يوم على الأقل، حتى لو لم تصلِّ ركعة واحدة من النوافل، ولا وترًا؟ سبع عشرة مرة في الفرائض فقط! لماذا تُكرَّر؟ لأن التكرار يبني في داخلك عقليةَ الإدراك لما ينبغي أن تُذكّر به نفسك وأن تعيشه كحالة.

والشاهد أن ربّ العزة سبحانه وتعالى إنما قال: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ ليُمَيَّز أهلُ الجنة عن أهل النار، ولندرك أبعاد ما بين أيدينا من تلاوة قرآنية. ونسأل الله تعالى حسنَ البصر وحسنَ البصيرة. سلّمكم الله، ورضي الله تعالى عنكم، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

--- [1]: توثيق المحرر: الحشر، الآية 20. [2]: توثيق المحرر: الإسراء، الآية 44. أما الآيات الأخرى فمن الحشر: 1 و24 (التسبيح)، 2 (﴿أخرج الذين كفروا…﴾)، 4 (﴿شاقوا الله ورسوله﴾)، 9 (﴿والذين تبوءوا الدار…﴾)، 11 (﴿ألم تر إلى الذين نافقوا…﴾)، 18 (﴿اتقوا الله ولتنظر نفس…﴾). [3]: توثيق المحرر: ختام الآية 9 من الحشر: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛ وقد أشار إليه المتحدث بقوله «أولئك هم المفلحون» فلم يُثبَت لفظه في المتن. [4]: توثيق المحرر: هذه قاعدة يقرّرها المتحدث في سياق سورة الحشر. وقد روى البخاري (٤٨٨٢) عن سعيد بن جبير أنه سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن سورة الحشر فقال: «نزلت في بني النضير». [5]: توثيق المحرر: قال ابن كثير في تفسير الآية: «أي: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وانظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم»؛ وحملُ «الغد» على التخطيط في الدنيا استنباطٌ من المتحدث.

Pregunta al Jeque