قبل أن تُحاسَبوا
محاسبة النفس في آخر العام: أن نسأل أنحن على الطريق، قبل أن نسأل كم قطعنا
المناسبة: تفريغ محاضرة أُلقيت في مسجد ديكس بمدينة ديترويت بتاريخ ٢٦ ديسمبر ٢٠١٦م، عند نهاية العام.المصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
يبدأ د. أحمد أبو سيف بإظهار محبته لأهل ديترويت عامةً ولأهل هذا المسجد خاصة، ويسأل الله أن يجد هذا الحب ما يوازيه، وأن تكون المحبة فيه سبحانه سبيلًا إلى رضاه في الدنيا والآخرة. ثم يقول إنه لا يريد أن يُكثر الكلام في هذه الليلة، ولكنه يقف عند العنوان الذي اختاره الإخوة للقاء: «قبل أن تحاسبوا»، وقد ربط شيخهم بينه وبين نهاية العام والاستعداد لما هو مقبل في حياتنا.
ويقول: وددتُ لو تساءلنا فيما بيننا قبل أن نبدأ: قبل أن نُحاسَب على ماذا؟ على القول أم على العمل؟ دعونا نعدّل السؤال: قبل أن نُحاسَب في الدنيا، أم قبل أن نُحاسَب في الآخرة؟
قبل حساب الدنيا
«حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزَنوا».[1] كلمات قيلت في إطار الوعظ وتربية النفس وتهذيب الخلق، وهي إذا قيلت انصرف الذهن مباشرةً إلى الآخرة التي ينتظرها العباد. لكنه يدعونا أن نقول أيضًا: قبل أن تحاسَبوا في الدنيا.
فهؤلاء الذين تضيع أموالهم فجأة وبلا مقدمات، أو تأتيهم سكتة قلبية فنتصل بأحد الإخوة ونقول له: الحقنا! هؤلاء الذين يُبتلون هكذا فجأة لا يدرون ما حدث، لكنهم خسروا كل شيء، ثم يأتيك أحدهم يطلب الدعاء أو الموعظة. فتقول له: قبل أن ندعو وقبل أن نعظ، تعال نراجع تاريخك، ما الذي فعلتَه؟ فإذا هو قد أكل أموال الناس بالباطل قبل ذلك، فحاسبه الله بما عمل.
وهذا الذي أهانه عياله في آخر حياته، ولم يكن يتوقع منهم هذا العقوق، وفعلوا به عكس ما أراد. تتساءل معه: لِمَ؟ فإذا هو قد أطعمهم حرامًا. ومن هنا نقول لأنفسنا: أطعموا أولادكم حلالًا قبل أن تُحاسَبوا. وكيف سيكون الحساب؟ أن جسمًا «نبت من لحمٍ حرام فهو إلى النار»،[2] فلا يُتوقَّع منه الخير.
ورجل أهانته شيخوخته، ورأى منها وهنًا وضعفًا وذلًّا أكثر مما توقع، وإذا هو في عنفوان شبابه وقوته قد أهان امرأته وأذلّها، فحاسبه الله بما فعل. وهكذا تتبدّى الأمثلة بين أيدينا. وحين ترى إنسانًا يشرب الخمر أو يمارس الحرام، فتقول له بمنتهى البساطة: توقّف قبل أن تُحاسَب. توقّف قبل أن تُحاسَب. كما تقول لولدك وقت المذاكرة: يا بنيّ ذاكر لكي تنجح، أو ذاكر قبل أن تُحاسَب بالرسوب، قبل أن تُعاقَب بالرسوب.
«ولتنظر نفسٌ ما قدّمت لغد»
ثم يعرض علينا ربنا في القرآن أمثلة تجيب عن هذا التساؤل. ويسأل: هل سمعتَ هذه الجملة من قبل، «حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا»؟ من منّا سمعها؟ كلنا، ما شاء الله. فمن منّا جلس مع نفسه مرةً واحدة ليحاسبها حسابًا عمليًّا؟ والموضوع ليس بسيطًا. يقول ربنا سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.[13]
عندنا نوع من الجلسات هي جلسات التخطيط للمستقبل: أجلس مع نفسي لأنظر ماذا سأفعل غدًا. حين تضع جدولًا ليوم الغد، عشرة بنود أو خمسة عشر أو عشرين، فإذا جاء الغد وأنجزتَ ما فيه قلت: الحمد لله، خلص ما عليّ اليوم، لأنك خططتَ له سابقًا. ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. فالموضوع مرتبط بالعمل، مرتبط بما تمارسه، بجدول أعمالك من الصباح إلى المساء. فالله ناظرٌ إلى عمل قدّمتَ له بالتخطيط.
ثم يقول سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. وعندنا في مصر مثل يقول: البعيد عن العين بعيد عن القلب، أعندكم مثله كذلك في اليمن؟ فهو مثل عالمي كما يبدو. وقيل له (فيما يبدو من أحد الحاضرين): من غاب عن الناظر غاب عن الخاطر، فقال: هذا هو الشعر الحقيقي. فمعنى ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ أنهم ابتعدوا عن الله وعن محاولة تذكّره، وكأنّ ذكر الله في النفس هو الذي يدفع الإنسان إلى أن يسأل نفسه: أأنا أرضي حبيبي الآن أم لا؟ أأتفق مع مراده أم لا؟ أأوافق منهجه وهديه أم لا؟ ونسيان ذلك أو الابتعاد عنه يورث النسيان.
فإذا نسوا الله، فليست المسألة بالمقابل أن الله ينساهم؛ لم يذكر ذلك هنا سبحانه، وإنما قال ﴿فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾، أي أوجد فيهم ما يجعل الإنسان ينسى نفسه. أيحدث هذا؟ يحدث بسبب بسيط جدًّا. تأمل طالبًا منهمكًا في مذاكرته، تقول له أمه، الله يكرمها: يا بنيّ أنت لم تأكل اليوم شيئًا! فيقول: معقول؟ نسيتُ! نسي أن يأكل، نسي نفسه. لماذا نسي نفسه؟ لأنه انشغل بما يملأ قلبه وعقله. وكذلك إذا نسي العبدُ ربَّ العالمين ملأ الله قلبه وعقله بالدنيا، فينسى من خلالها حتى نفسه.
ونسيان النفس هنا لا يعني مطلقًا نسيان حظّها من الطعام والشراب، فلعل ذلك هو ما يشغله، ولا يعني أنه ينسى حضور الدنيا من أبنية ومرتفعات وأراضٍ وميادين، بل لعلها هي ما يشغله، ولكنه ينسى نفسه الحقيقية التي في قلبه. ثم يضع ربنا لنا الميزان: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ…﴾، فمن تذكّر كان مع هؤلاء، ومن نسي فأنساه الله نفسه كان مع أولئك.
سبيل ألّا تنسى نفسك
وما السبيل لألّا تنسى نفسك، وقبل أن تُحاسَب؟ ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. فما بال البشر ليسوا على الخشوع المطلوب من خشية الله، وقرآن الله يُتلى عليهم آناء الليل وأطراف النهار؟
ألم ترَ أن الله جعل الصلاة الأولى في النهار جهرية، لتسمع صوت إمامك وهو يرتّل عليك القرآن ترتيلًا، حتى يتنزّل القرآن على القلب وهو في مرحلة الصفاء، قبل أن ينخرط في أعمال الدنيا وتشغله أحوالها؟ فإذا هو صافٍ، صادف القرآنُ قلبًا خاويًا فتمكّن فيه، وخرجتَ بهذا التمكّن في قلبك إلى أعمالك صُلبًا قويًّا، تواجه حياتك بمراحلها كلها. ثم تخوض النهار كله، ثم تأتي لختام اليوم فإذا الله يعيدك إلى نقطة البدء الأولى، فتقف خلف إمامك فتسمع منه القرآن الذي يحملك على أن تمحو به ما سلف من أعمالك إن أخطأتَ، وتتمّ به ما سلف من إنجازاتك إن وُفّقت. فتبدأ النهار بالخير وتختمه بالخير، وهذا القرآن الذي لو نزل على جبل لرأيته خاشعًا متصدّعًا من خشية الله هو القرآن الذي جعله الله سبيلًا لنجاتك. ثم يقول سبحانه: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وذلك ميدان العقل وموطنه، لتعمل.
ثم يحدّثك ربنا سبحانه عن أنه لا داعي مطلقًا، مطلقًا، مطلقًا، لأن تنشغل عن الله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾، فهو يعلم ما تخشاه في الغيب ويعلم ما تحذره في الشهادة. وهو الله الذي لا إله إلا هو، فلن يكون في الخلق ولا في الكون شيء ليس تحت سلطانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. فيعيدك إلى ذاتك ليسألك: ما الذي تخشاه، وما الذي تشرك به مع الله؟ ثم: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾. له الأسماء الحسنى، وتضيف أنت: وله الصفات الحسنى. فما اتصف به ربّ العالمين يصدر عنه فعلُه، وما يصدر عن الله لا يكون لك إلا خيرًا، فربّ العباد لا يريد بعباده إلا الخير سبحانه جلّ في علاه.
فالعبد إذا نسي الله نسي نفسه، فغابت عن دائرة ذهنه وعقله قضية المحاسبة، فلا يجلس مع نفسه ولا يحاسبها.
حسابات الدنيا ودقّتها
نعود إلى سؤالنا: كم واحد من هؤلاء الكرام، أحسن الله إليكم جميعًا، جلس فعلًا مع نفسه في ليلة ليحاسب ويقول: أنا اليوم فعلتُ كذا وكذا وكذا؟ أعتقد أن ثمانين في المئة منّا يفعل ذلك، ولكن في حسابات الدنيا. ففي الهاتف الذكي، هذا الجميل، شيء اسمه المحفظة (الوالت)، تضع عليه بطاقة الائتمان أو بطاقة الخصم، فيقول لك عند كل عملية: صرفتَ كذا وكذا سنتًا. وفي آخر النهار تسأله: كم صرفتُ؟ فيخبرك. ولك كشف الحساب البنكي تراجعه كل شهر، وتدخل على حسابك عبر الإنترنت: ماذا فعلتُ اليوم؟ وما الذي خرج مني وما الذي لم يخرج؟ فإذا سُرق منك خمسون دولارًا اتصلتَ بالشركة: الحقوني يا خلق، أنجدوني! وهكذا نفعل فعلًا مع أنفسنا في أمور الدنيا: لا نفوّت سنتًا ولا مليمًا ولا قرشًا، ونجلس للمحاسبة.
وهناك أوراق خاصة وبرامج معينة تساعد الإنسان على أن يحاسب نفسه في كل لحظة، لا كل ساعة أو يوم أو أسبوع أو شهر، بل في كل لحظة تأتيك البيانات مرقّمة مرصودة. واسأل خبراء الحسابات يفتونك في جداول الإكسل وبرامج المكتب وغيرها، ينظّمون لك حياتك بشكل دقيق. لكنها كلها تتعلق بالدنيا، وعندنا موازين دقيقة جدًّا نزن بها زيادة الأرصدة وانخفاضها، وزيادة الأسهم ونقصانها، وهكذا.
أما فيما يتعلق بالحقيقة، فكل ما تحدثنا عنه الآن وهمٌ، ضوءٌ يخرج ليبدّل الحقيقة في عين الناظر إليها، فتتبدّى دنيا جميلة مزيَّنة. يقول ربّ العالمين: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. هذه زينة الحياة الدنيا، زينة وليست حقيقة، وليست قيمة. فنحاسب أنفسنا تمام المحاسبة على الزينة المبهرة، ونغفل ونتناسى عند الحقيقة.
أنحن على الطريق؟
قبل نهاية العام يجلس التجار مع أنفسهم لينظروا ماذا أنجزوا. لكن هل يستطيع أحدنا أن يجلس مع نفسه ليرى أنه تقدّم إيمانيًّا هذا العام أم لا؟ تدري من يستطيع ذلك؟ المقبلون على طلب العلم، اللاهثون وراء القرآن حفظًا وتلاوةً وترتيلًا، المجدّون في تحصيل المسائل العلمية الفقهية وغيرها، هؤلاء يدركون نسبة التقدم عندهم، كما يدرك طالب الدكتوراه أو الماجستير كم فصلًا من رسالته أنهى، وكم ورقة كتب، وكم بحثًا أدّى، وكم عملية كيميائية أنجز، وهكذا. كلٌّ يعرف مستوى تقدمه فيما يعمل فيه.
وبناءً على ذلك فقبل أن نحاسب أنفسنا في نسبة التقدم، لا بد أن نحاسبها في مسألة أهم: أنحن حقًّا على الطريق أم لا؟ أنت حين تقود سيارتك، أعزّكم الله، تحسّ فجأة أن الدنيا من حولك غريبة وأنت لم تنتبه: أين أنا؟ تحسّ أنك ضائع، فتقف للحظة تراجع نفسك: أأنا أصلًا على الطريق الصواب أم لا؟ فإذا راجعتَ ووجدتَ أنك أخطأتَ في الشارع فماذا تفعل؟ ترجع على الفور، إلى أقرب نقطة رجوع، وترجع بسرعة حتى تصل إلى نقطة البدء الأولى، أو إلى أقرب نقطة توصلك إلى مرادك.
والقضية لا بد أن تكون فيما بيننا وبين الله بهذا الشكل: أن تنظر أتسير أصلًا على الطريق الحق الصادق أم لا. ولهذا مقاييس وأحوال: ما ممارساتك اليومية التي تمارسها؟ من هم أصدقاؤك؟ وما الذي يحدّثونك به؟ وما الذي تفعله لترتقي أو تتخلّف؟ إلى آخر منظومة من الأسئلة، سنذكرها حين نتكلم عن الأسباب المعينة على حسن محاسبة العبد لنفسه. فلنتساءل سويًّا: أنحن على الطريق أم لا؟
فإن قلتَ: إنني أصلّي الصلوات الخمس وأحضر مع الإمام صلاة الفجر وصلاة العشاء، أسألك: أيكفي هذا؟ نعم، يكفي وزيادة. إذن لا بد أن تكون صلاتك هذه مؤثرة في حياتك، بحيث تقول إنها تكفي. فإذا خرجتَ من المسجد فرأيتَ أنك تتعامل بشيء محرّم، أو تظلم امرأتك، أو تعقّ أولادك، أو لا تصل رحمك، أو لا تحسن إلى جوارك، أو لا تفعل الخير في موضعه، فهذا لا يكفي. إذن أنت تفصل بين قضيتين: قضية التعبّد الخالص كأنها نوع من الممارسات اليومية، وقضية المعاملات التي تحدّث عنها النبي ﷺ في جملة مختصرة قوامها كلمتان: «الدين المعاملة».[3] انتهى الكلام. الدين كلّ الدين، تمثّله المعاملة. سبحان العليّ القدير.
مرة أخرى نراجع الأمر الأول: نحاسب أنفسنا قبل أن نُحاسَب. نعم، لا بد. قولًا أم عملًا؟ ضربنا أمثلة جميلة جدًّا، لكن لا بد أن نضيف إليها مجموعة من المشاهد البسيطة جدًّا في حياتنا العامة والخاصة.
يأتيني زوج يشتكي أن حياته اضطربت، فتسأله مجموعة أسئلة حول الموضوع، فإذا هو بمنتهى البساطة يظلم ابنة الناس ظلمًا لا يُحتمل. فهي تدعو عليه في ليلها؛ لا تستطيع أن تقطّب في وجهه، ولا أن ترفض له قولًا، ولا أن تعترض له على كلمة، وتمرّ بما يأمر وتخشى بطشه، لكنها تبيت الليل تدعو عليه. ما رأيك في هذه الصورة؟ ما الذي يمكن أن تتصوره من وراء ذلك؟ هذا مجرد مثال صغير جدًّا: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا.
والله سبحانه يحدّثنا أننا لا بد أن ننظر ما نقدّمه لأنفسنا. وهؤلاء الذين يشتكون أن أولادهم انحرفوا، وأن الولد بدأ يتعاطى المخدرات ويضيع، تسأله: بم تشتغل، وما الذي تتكسّب منه لتطعم هؤلاء الأولاد؟ فإذا أنت أمام جواب يحسم النقاش ويوفر عليك التفكير، فترى أن هؤلاء ما قدّموا لأنفسهم، وإنما تجاوزوا حدود ربّ العالمين، فعاقبهم الله بما بين يديه.
ما بين المغفرة والندم
ويقول ربّ العالمين سبحانه: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾. هذه الآية وردت في أي سورة؟ في سورة الزمر، ممتاز. وقبلها بآية أو آيتين، نحبّ أن نقرأها في الصلاة ونحبّ أن نسمعها: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. وبعدها: ﴿وَأَنِيبُوا﴾. وهؤلاء الذين أسرفوا على أنفسهم يبدو أنهم نسوا أنفسهم، نسوها في كل شيء. و﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ تفيد أنه لم يكن هناك حدّ في المعصية، كان الانفلات إلى آخره. لكن ﴿وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ كان ذلك شرط المغفرة. هذه المغفرة التامة العامة التي ليس لها حدّ، وليس لها شرط في ذاتها في مجملها، لها مقدمة، والمقدمة أن ترى الله تعالى من نفسك أنك تعود إليه.
ثم: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. وانظر كيف يصوّر ربّك الموضوع: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾، ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. تقف وتقول: لو أن الله هداني لكنتُ من المتقين، هذا كلام «لو». ثم: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾.
ويحكي الشيخ: أمس نزلتُ إلى بلدٍ أعرفه، وكنت أمشي في الشوارع بعد غياب ستة أو سبعة أشهر، فنظرتُ فإذا البلد كما هو. قلت: سبحان الله، لا شيء فيه تحرّك، ولا طوبة تحرّكت من مكانها. لكني أطالعها وأتأمل فيها، ويخطر ببالي أنني أقارن وأتذكر، وتدور في رأسي الذاكرة، ففي كل موقف ومكان من هؤلاء لي أحداث وذكريات. فقلتُ: سبحان الله، لو أن الله أعادني بعد الموت لأراجع هذه الأحداث وهذه المشاهد وهذه التفاصيل، ماذا عساي أن أفعل؟ أقول: لو أني في هذا المكان فعلتُ غير الذي فعلتُه أول مرة لكان لي كذا وكذا، ولو أني كلّمتُ فلانًا بكذا غير الذي قلتُه لكان كذا وكذا.
أما الآن فالأمور بين أيدينا، مدركة، ونستطيع أن نستأنف. لكن إذا أقبل العبد على ربّه فقال: لو أن لي كرّة، فبماذا يجيبه ربّ العالمين؟ ﴿بَلَىٰ قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ﴾. مضبوط؟ لا كلام بعد ذلك. ﴿قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ﴾، وخلص الموضوع بالنسبة لك، لا تحاول مرة أخرى.
فإذا كانت بين أيدينا الفرصة لنراجع أعمالنا ولنعيد جدولة ما بين أيدينا، فذلك أمر منجٍ لك أنت وليس لغيرك. وهناك ما ينجي معك أهلك وأسرتك، كأن يعدل العبد عن الكسب الحرام إلى الكسب الحلال، فإنه بالكسب الحرام لا يضيّع نفسه فقط، وإنما يضيّع نفسه وعائلته جميعًا. وكأن يمسك العبد عن ممارسة الحرام، كمن يزنون، والعياذ بالله، أو يشربون الخمر، والعياذ بالله، فإنهم يضيّعون أنفسهم ويضيّعون عوائلهم معهم، بل ويضيّعون جيلًا يأتي بعدهم.
أخطاء المسؤولين عن العمل
وهناك أخطاء لا أدري هل يناسب المقام حديثًا عنها أم لا، فنحن نتحدث الآن عن مشكلات فردية، كلٌّ مع نفسه وعيلته وأسرته. وإذا راجعنا حال المسؤولين عن شعوب وعن أمم، وراجعنا أخطاءنا بوصفنا مسؤولين عن عمل إسلامي، فنقول: قبل أن نُحاسَب من أبنائنا الذين نربّيهم، هؤلاء يرون شقاقًا بين الأفراد وتنازعًا في الصف، ويرون صوتًا يرتفع من غير منطق إلا التعصب للذات أو الانتفاش أو الغضب من غير داعٍ. فإذا هم تدور بهم الأيام ليضعونا في نقطة الصفر ويحجروا علينا في تصرفنا، لأننا لم نكن عقلاء حين تحدثنا بين أيديهم يومًا ما. فقبل أن نُحاسَب منهم لا بد أن نحاسب أنفسنا، عندما ننظر إلى هذا الجيل الخارج، ولا بد أن نراجع.
وانظر إلى رئيس دولةٍ يسلّم بلاده وعباده لـ«غزه» وهم يُمطَرون بقذائف من الخارج،[14] أقبل أن يُحاسَب في الدنيا أم في الآخرة؟ الله أكبر. قبل أن تُحاسَب في الدنيا أم في الآخرة؟ ما المنطق الذي يمكن أن تحكم به في مثل هذه القضايا، على مستوى الأفراد وعلى مستوى الأمة؟
حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا
ويقف الشيخ عند الجملة التي قالها عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزَنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم».[4] فكأنه يضع المعادلة. أنت تحاسب نفسك اليوم، فتقول: والله أنا غلطتُ، وأخطأتُ في كذا وكذا. طيب، وما العقاب؟ وماذا أفعل؟ لا أدري كيف أعاقب نفسي. فتنظر وتفكّر وتتأمل، ثم تخرج بنتيجة، أيًّا كانت. ثم تأتي في اليوم التالي فإذا أخطأتَ، فتأتي في المحاسبة التالية فإذا هو نفس الخطأ يتكرر.
تخيّل أنك طالب يرسب في مادة الرياضيات، مرةً واثنتين وثلاثًا، فلا بد أن تقف: الخطأ هذا أين هو؟ هل هو عند المدرّس، هل هو عندي أنا الطالب، هل هو في المادة المشروحة؟ أين؟ فتبدأ تبحث حتى تجد نتيجة وتصلح الموضوع. فإذا تكرر الحساب عليك واعتدتَه، ثم وقفتَ بين يدي الله تبارك وتعالى، فإنك قد اعتدتَ ما تسمع: أنت فعلتَ كذا في اليوم الفلاني. سمعتُ هذه الجملة من قبل، من قالها لي؟ أنا قلتُها لنفسي من قبل. سمعتُها قبل ذلك، وقد أعددتُ لها جوابًا لأني كرّرتُ الجواب. ثم يأتي: «أهون عليكم في الحساب يوم العرض الأكبر»، لأنني قد قوّمتُ أخطائي بما استطعت.
وأحدهم كان يرى من نفسه عيبًا لا يفارقه، أنه يغتاب الناس، إذا جلس في مجلس تكلم عن فلان وعن فلان. فقال: والله لئن اغتبتُ أحدًا بعد ذلك لأصومنّ يومًا. حلو، هذا العقاب! فرأى أنه صار يصوم كل يوم، فما بطّل الغيبة خلاص. فهو عمل كالذي يقلع عن السجائر ثلاثمئة مرة؛ كل شوية يبطّل ويرجع، كل شوية يبطّل ويرجع، نفس المصيبة. فلما رأى أن ذلك العقاب لا يناسب نفسه، فالناس أنواع، فمنهم من يوجعه الحرمان، ومنهم من يوجعه شيء آخر، فلما رأى أن هذا العلاج لا يصلح معه، قرر أنه إذا اغتاب إنسانًا تصدّق بدينار. والفلوس، يا عمّ الحاج، توجع الناس طبعًا! يقف قدام الدولار كالصنم لا يتحرك: تدفع خمسين؟ لا يا عمّ، لا أدفع! (وبقية العبارة مشوشة في التفريغ). وهكذا حال الخلق.
فيقول عمر رضي الله عنه: «فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم». ثم ماذا بعد ذلك؟ «وتزيّنوا للعرض الأكبر». تأمل: أنت ذاهب إلى مناسبة كبيرة، ولابس أحلى ما عندك، وربطة العنق مضبوطة، ومسرّح الشعرتين، وطالع هكذا، وصاحبتك توقفك: أنت رايح فين؟ متشيّك كده ليه؟ رايح تتجوّز ولا إيه؟ أنت بتضحك ليه، أنت لسه طالع من البيضة! سيب الكلام ده للكبار الضايقين الأمر، وخليك ساكت. فلما تكون طالعًا إلى مشوار مهم ومتزيّنًا، أتتخيل أن عاقلًا يلبس البدلة الجميلة وهو عرقان، ريحته وحشة، وثيابه الداخلية متسخة؟ هل هذا منطق؟ يضرب لنفسه وجهين من الخارج ويمشي وخلاص؟ لا طبعًا! بل يتحمل القرف والعرق، ثم يختار ويلبس نظيفًا بريحة طيبة، الحمد لله، توبتُ إلى الله. فالتزيّن لا بد أن يسبقه تطهّر.
فلما قال: «تزيّنوا للقاء ربّ العالمين»، أو «تزيّنوا للعرض الأكبر»، كان ذلك مؤشرًا إلى أنه لا يكفي فقط أن نحاسب أنفسنا فننظر أمتسخون نحن أم لا، وإنما نتقدّم خطوة إلى الأمام إلى تطهير الذات وتنقية الأعمال وتصفية الأمور فيما بيننا وبين أنفسنا، وفيما بيننا وبين الناس، وفيما بيننا وبين الله. ثم تأتي بعد ذلك مرحلة التزيّن. أتدري ما مرحلة التزيّن؟ أن تفتح المصحف فتقرأ آيتين، فهذا تزيّن، هذه مسألة زائدة عن الحد المطلوب. لكن المطلوب الأساسي أن تسمع الآيتين في صلاة المغرب فتنطلق لتعمل بهما، هذا هو المطلوب. أما بعد ذلك فقعدنا نقرأ إكسترا: جزءًا في اليوم، أو صفحتين، أو ثلاثًا، فهذه هي الزينة التي تضعها، كمن يضع عطرًا ويسرّح شعره ويخرج. وهناك من يضع «الجل» حتى يقع شعره، أحسن الله إليكم.
المقرّبون يخافون
وعندما حدّث ربّ العالمين بقوله عزّ وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾، سألت السيدة عائشة رضي الله عنها النبيّ ﷺ عن هذه الآية، قالت له: يا رسول الله، أهؤلاء هم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون؟ أي هم الذين يصبّ ربنا فيهم هذه الآيات، الذين هم من خشية ربهم مشفقون، الذين هم بآيات ربهم يؤمنون؟ هؤلاء الناس كانوا يفعلون البلاوي؟ فقال النبي ﷺ: «لا، ولكنهم الذين يصومون ويصلّون ويتصدّقون ويخافون ألّا يُتقبَّل منهم».[5]
وتخيّل المرحلة هنا! نحن عمّالين في مرحلة العجن، لسه تحت، نخبط في الدنيا وهي تخبط فينا. تنظر إلى امرأة جميلة وتتأمل، الله، حلوة قوي، أستغفر الله، فتضع عينك في الأرض. نحن في مرحلة نخطئ فيها، ونظن أننا إذا فعلنا شيئًا بعدها رأينا أنفسنا كذا. لا، لا، لا، لا، أنت تتكلم عن مستوى آخر.
كذلك المستوى الذي وصف عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصلاةَ فيه للناس يومًا، فذكرها لهم وصفًا دقيقًا يعجز بعض من حوله عن تصوّره. فلما قالوا: هذا فيه مبالغة وكذا، قال: إنما أتحدث عن المسلمين.[6] فأمّال نحن ما نحن؟ أنا لا أتصور الموضوع، وهو يقول لي إنه يتكلم عن المسلمين، فأمّال أنا ماذا؟ كأني لم أبلغ تمام الإسلام ولا كماله حتى أتصور الصلاة على حقيقتها.
وهذه مسألة في غاية الأهمية. بفضل الله سبحانه، نحن نجيد نقر الصلاة بشكل عجيب جدًّا. تدخل الصلاة: الله أكبر، تضرب الركعتين في ثلاث ثوانٍ مع الصلاة على النبي، اجرِ يا ولد، ومن يلحقني! الله أكبر، الحمد لله ربّ العـ، سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، سبـ... وعملتَ إيه؟ عملتَ إيه؟ عملتَ إيه؟ أصلي كنت بصلّي، لسه راجع، الحمد لله على السلامة، حج مبرور! فما الذي فعله؟ لا شيء. فهو يتحدث عن المصلّين الذين إذا عمدوا إلى عبادة عرفوا ما قصده الله من ورائها، وأدّوها بمراد ربّ العالمين سبحانه، وانتفعوا منها بقدر ما أراد الله لهم.
لا أزال أذكر، والله، في صباي، وأسأل الله أن يبارك في هؤلاء الصبيا وفي أعمالهم، كنت أسأل أحد مشايخي، أسأل الله تبارك وتعالى أن يحفظ حياته وعمره: يا شيخ، ما الفارق بين الصلاة المقبولة وغير المقبولة؟ تخيّل! فقال: قد سألتَ سؤالًا لا جواب لك عنه، ولكني أدلّك على علامة: إذا قلتَ في ختام صلاتك «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله» وأنت تشعر بأن شيئًا تغيّر في نفسك، فاعلم أن الله قد قبل صلاتك. وإذا سلّمتَ من صلاتك وأنت ترى نفسك كما دخلتَها، فاعلم أن صلاتك لم تُقبل منك.
فنحن يا ترى نخرج من الصلاة بنفس المستوى، أم نخرج أحسن، أم نخرج أقل؟ تقول لي: هل في أحد يخرج من الصلاة وهو أقل؟ نحن كنا نصلّي! ما هو في واحد آخر أيضًا يدخل يأخذ حمّام «شاور»، بالإنجليزية، وبدل أن يمسح نفسه بالصابونة مسح نفسه بطين. فهذا طالع من الشاور أبيض، أو أبيض وأسود، أو بالألوان؟ طالع عامل إزاي؟ نحن أحيانًا ندخل الصلاة ونخبط، لأنك تدخل بدنيا ودَين وفكر ومال (كذا في التفريغ، والعبارة مشوشة)، فتختلط عليك المفاهيم بحيث تخرج من صلاتك وكأنك لم تكن هنا.
الصحابة: بشر مثلنا، لكنّهم استقرّوا
﴿أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ هم الصحابة رضوان الله عليهم. وعندما نضرب المثل بهم فإننا نضرب المثل ببشر. فلا يقولنّ لي أحدكم: يا شيخ، الله يكرمك، أنتم يا مشايخ كلما كلمتمونا قلتم لنا الصحابة والنبي، فنحن أين نأتي بجانب هؤلاء الناس؟ يا سيدي، أكرمك الله، لهم سبق في لقاء النبي ﷺ وفضل، لكنهم فيما دون ذلك بشر كبقية البشر، يُقاس على أعمالهم، ويُقبل من بعضهم ويُردّ على بعضهم، ولا بأس في ذلك ما دمنا لم نخرج عن الحدّ الذي يلزمنا من الأدب والاقتداء بهم. اتفقنا على ذلك؟
طيب، هؤلاء رضي الله عنهم أجمعين كانت لهم طموحات كطموحات الناس، وكانت لهم أحوال تحزنهم أحيانًا وتفرحهم أحيانًا، يبحثون عن طعام وشراب وحياة ودنيا كما نبحث جميعًا كبقية البشر، غير أنه غلب عليهم طبع الدين ويقين القلوب، فاستقرّوا على ما عاهدوا الله تبارك وتعالى عليه. أما نحن، والله أعلم، فكتاجر لا يدري بعدُ أي نوع من التجارة يمارس، فيقترب قليلًا فيتاجر في الخضار، ثم يجرّب قليلًا فيتاجر في الحبوب، ثم قليلًا في الدواء، ثم قليلًا في شيء آخر، وهو لا يدري ماذا يفعل، فيكسب قليلًا من هنا ويخسر قليلًا من هناك، والدنيا ملخبطة والدماغ «اتبرجل»، لا يدري كيف يعمل. فنحن عمّالين هكذا كمسلمين. لكن صحابة النبي ﷺ استقرّوا، غير أن أحوالهم يُقاس عليها.
فترى فيما يُقال أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ يومًا سورة الطور حتى بلغ قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾، تقول الرواية: فبكى واشتدّ بكاؤه حتى مرض وعادوه لذلك.[7]
تخيّل أنك واخد موعد مع الشيخ، يتقابلان بعد صلاة المغرب لأن عندك فتوى، ومولانا يعدّي عليك في المكتب، ثم أنت لم تجئ. فسيدنا الشيخ يتصل بك: السلام عليكم يا عمّ الحاج، فلان! أنت تبكي؟ مالك، ما الذي حصل؟ لماذا لم تجئ؟ فتقول له: أصل رجلي توجعني، واتخبطت فيها، وأبكي من الألم. هل هذا الكلام معقول؟ نعم، معقول، هذا كلام يقبله العقل. فالخبطة التي كانت عند سيدنا عمر رضي الله عنه لم تكن خبطة بمسمار ولا بسكين، ولا بالسكين التي تضربك بها امرأتك آخر النهار، وإنما كانت خبطة كبيرة جدًّا بآية من القرآن، كان وقعها عليه أشدّ مما تقع الصخرة على رأس أحدنا، فبكى من شدة ما هو فيه ومن شدة التأثر.
ومن لم يقتنع بهذا الكلام، وأمثالي من الناس كثير يقول لك: كيف يحدث هذا، من أجل آية يبكي؟ فالفرق هنا فرق عمق القراءة. أنت تقرأ كيف، وهو يقرأ كيف؟ فذلك الوجدان الذي أحسّ فعلًا بوقع هذه الآية: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ على من؟ أنا أول واحد العذاب سيقع عليه، فيخشى بأس الله تبارك وتعالى وبطشه.
وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول لعمر بن الخطاب يومًا: قد نصر الله بك الأمصار، وفتح الله بك الفتوح، وفعلتَ وفعلتَ وفعلتَ. فعمر بن الخطاب يردّ عليه ويقول له: والله لوددتُ أن أنجو، لا أجر ولا وزر، لا لي ولا عليّ.[8] ترجمها كما تشاء، قلها بالطريقة التي تعجبك، المهم أن نفهمها.
أتتخيل أن واحدًا جاء في آخر السنة، في اليومين القادمين هذين، وسيذهب بأوراقه إلى مصلحة الضرائب، ويقول: أنا فقط ربنا يستر، لا أريد منهم شيئًا، لكن لا يأخذوا مني؟ هو يريد ماذا؟ يريد النجاة فقط: أن يخرج غير مديون. على فكرة، صاحبنا هذا كان عنده تجارة طوال السنة مشغول بها، وشغل هنا وشغل هناك، وعمل وإنجازات وكذا وكذا، واجتمعت بين يديه أعمال كثيرة جدًّا، لكن لما تأتي ساعة الحساب هو يريد أن يخرج ناجيًا فحسب، يريد ألّا يصبح مديونًا. نفس المشهد عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأمثاله ممن يتشبهون به، ولهم ذلك الطموح في الحياة الدنيا والآخرة، ولهم العزم على تغيير قواعد أنفسهم وقواعد الحياة التي يعيشون فيها وضبطها على ميزان شريعة الله تعالى. أمثال هؤلاء إذا قارنوا أعمالهم بما ينبغي أن يكون رأوا أنهم فقراء، رأوا أنهم لم يعملوا شيئًا، رأوا أنهم لم يعملوا شيئًا.
وأضرب لك مثالًا بسيطًا جدًّا. مدرّس شاطر جدًّا وقف في الفصل يشرح حصة كاملة في الحساب مثلًا، وبعد أن انتهى الدرس سأله طالب: يا أستاذ، أنا لا أعرف كيف أحل هذه المسألة. فقال له المدرس: يا بنيّ، افعل كذا وكذا وكذا، فتُحَلّ المسألة. فقال الطالب: شكرًا يا أستاذ، جزاك الله خيرًا، أنا ممنون لحضرتك. أتقدر أن تقارن بين جهده في حل مسألة صغيرة وجهده في شرح حصة طويلة؟ ما رأيك؟ نفس المنطق: هؤلاء رأوا أعمالهم، وإن ضخمت، لا شيء مقارنةً بما يرون أنفسهم مكلّفين به. فأنا أرى نفسي مكلّفًا بهذه الدعوة، ومهمتي أن أدعو إلى الله تبارك وتعالى، فأرى نفسي مطلوبًا مني أن أحدّث الناس أربعًا وعشرين ساعة سبعة أيام، فإذا جئتُ وألقيتُ محاضرة في هذا المكان، أو كلّمتُ الناس كلمتين في هناك، فماذا يعني هذا في وسط سبعة أيام في أربع وعشرين ساعة؟ هذه المقارنات لا بد أن توضع في رأسك: ماذا تفعل، وما الذي خرجتَ به من النتائج، وما الذي أنجزتَه؟
عندنا ناس إذا رأى من ولده أنه صلى معه مرةً في الشهر فرح بذلك وهلّل. وناس إذا تخلّف ولد من أولادهم عن الصلاة مرةً في المسجد عاتب نفسه قائلًا: بأي ذنب عوقبتُ أنا بأن حُرم ولدي صلاةً في بيت الله؟ متخيّلين المشهد هذا يا إخواننا؟ أنا أسأل نفسي: يا ربّ، أنا ماذا عملتُ غلطًا حتى تعاقبني بأن ابني تخلّف عن بيت الله مرة؟ لا أقول أسبوعًا ولا سنة، ولا أني لم أره أصلًا في الجامع إلا حين جاء في جنازة، ولا أنه لم يذهب إلى المسجد إلا ليقابل صاحبًا له، ولا أنه لم يذهب إلا لأننا ضغطنا عليه وضربناه ليذهب إلى مدرسة الأحد أو ما يشبهها من المدارس.[9] لا، بل أنا أعاقب نفسي وأعاتبها: بأي ذنب تخلّف ولدي عن صلاة؟
يا إخواننا، «حسنات الأبرار سيئات المقرّبين».[10] هي بنفس الحكاية. والمثال المذكور في ذلك أن هناك أناسًا مستوى الصلاة عندهم أن تكون على وقتها، في مسجدها، في جماعتها، ويحضر تكبيرة الإحرام، اتفقنا؟ هذا يحاسب نفسه متى؟ إذا غلط، متى؟ حين يتلكّأ مرة ولا يلحق تكبيرة الإحرام، فيرجع من المسجد زعلان ومحتارًا: يا ترى أنا عملتُ ماذا؟ هذه غلطة كبيرة قوي، كيف حصل مني هذا؟ فتقول له: يا عمّ، ما الذي حصل؟ يقول لك: لم ألحق تكبيرة الإحرام. فتقول له: يا عمّ، أنا لم أصلِّ جماعةً منذ شهرين! هيقول لك: كده، أنت مسلم ولا إيه؟ تخيّل فرق المسافة! «حسنات الأبرار سيئات المقرّبين». بسم الله الهادي، يا ربّ اللهم اهدنا، واهدِ بنا، والطف بنا، وأكرمنا يا ربّ العالمين.
وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه كان كثير البكاء والخوف والمحاسبة لنفسه، وكان يشتدّ خوفه من اثنتين: طول الأمل واتباع الهوى. وكان يقول: أما طول الأمل فيُنسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصدّ عن الحق.[11] نقولها مرة ثانية: كان يخشى من اثنتين، طول الأمل واتباع الهوى. وطول الأمل ماذا يفعل؟ يُنسي الآخرة، لأنك تفكّر في أملك الدنيوي الطويل جدًّا، متى يخلص؟ لا يخلص، فكأنك تنسى أن هناك نهاية، وأن بعد النهاية حشرًا، وأن عند الحشر سؤالًا، وأن بعد السؤال نجاةً أو هلاكًا، فجنة أو نارًا. فطول الأمل يُنسي الآخرة. وأما اتباع الهوى فأنت ماشٍ مع هواك، فيجيء الحق يقابلك فتقول له: اركن شوية لو سمحت، خلّيني أعدّي! فاتباع الهوى يصدّ عن الحق.
هذه كلمات بين يدي موضوعنا «قبل أن تحاسبوا». فأسأل الله تعالى أن يتقبل منّا بداية ما تحدثنا به، وأن يتقبل أوقاتنا وجهدنا، ويتقبل منكم حضوركم الطيب الذي أثلج الصدر، وأسأله أن يبارك لكم وفيكم.
قبل أن نخرج من هذا المجلس
ولكن قبل أن نخرج من هذا المجلس، لا بد أن تعيد السؤال في نفسك، اسأل نفسك سؤالًا مهمًّا: يا ترى، أنت هتموت ولا لأ؟ طال الأجل أو قصر، هتموت ولا إيه؟ أكيد، أكيد، أكيد، سنموت، أكيد في يومٍ من الأيام سيحدث هذا الكلام. اللهم بارك في الأعمار يا ربّ. فإذا علم العبد أنه ميّت لا محالة، وأنه متوفًّى من الله يومًا، فلا بد أنه سيستعدّ. بالضبط كمن يعلم أنه داخل امتحان هذه المادة يوم كذا في شهر كذا في سنة كذا، فيذاكر على مدى سنة أو ستة أشهر أو ثلاثة أشهر على حسب المادة. فهي مئة صفحة، والمئة صفحة مطلوب لها عشر ساعات مذاكرة، فيبقى كل ساعة عشر صفحات منها، فيبدأ يقول: والله أنا محتاج في كل دقيقة قدر كذا.
وقد قسم الله لك اليوم بأعماله كلها، فرزقك عافية، ومنّ عليك بقوة، وأعطاك عقلًا وقلبًا وبدنًا. فاستعمل هذه الإمكانات فيما يرضي الله تبارك وتعالى، وفي إرضاء من حولك أولًا. أرضِ من حولك، فإذا متنا ولقينا الله تبارك وتعالى كانوا هم الشهود علينا. وإن الله تعالى لا يتجاوز عمّا يعلم عن العبد ويرضى بما علمه العباد عن العبد؛ فإن الله تعالى يقبل من العباد ما شهدوا به، متجاوزًا عمّا علم هو عن ذلك العبد.[12] فإذا قال الناس بعد موت فلان: اللهم اغفر له، فقد كان رجلًا كريمًا، وكان رجلًا سبّاقًا إلى الخيرات، وكان يأتي المسجد، وكان لا يتخلّف عن الصلوات، وكان وكان وكان، فإن ربّهم سبحانه وتعالى يقول: أنا أعلم عنه غير الذي قلتم، ولكني أتجاوز عمّا أعلم لِما قلتم.
فتيقّن أن ما تزرعونه الآن يُحصد غدًا. فإن حصدتَ كراهيةً لك في من حولك، لشُحّ ونظرة عين وإجحاف وغلظة تتعامل بها مع البشر، أو تعاملهم على أنهم البقر الذي في البيت، فبأي منطق؟ أنت حرّ، احكم كما شئت. فهل تتعامل مع من حولك، سواء كان امرأتك أو أولادك أو حتى جيرانك أو حماتك أو حماك أو قريبك أو أهلك أو إخوانك أو أصدقاءك أو أصحابك، على أنكم سبيل لي إلى الجنة؟ أم أتعامل على أني فوقكم، وأني أمنّ عليكم، وأني أعطيكم فوق ما تستحقون؟ بأي روح تتعامل؟ فإن كانت الأولى قدّر الله لي محبتكم، وقدّر الله لك محبة من حولك. فإذا وقع العبد ساقطًا على الأرض في مرض أو شدّة، ما الذي يجذب الناس إليه، الخوف أم الحب؟ فإذا لم يحبوك لن يُقبلوا عليك مهما كانت قرابتهم لك، وإن أحبوك بذلوا كل ما يستطيعون وآثروك على أنفسهم مهما كانت احتياجاتهم. اعلم ذلك واعمل له.
وأسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبل منّا ومنكم صالح الأعمال، وأن يأجرنا وإياكم على ما بين أيدينا من الخيرات، وأن يعيننا على أنفسنا، وأن يعيننا على أهوائنا، وأن يثبتنا على الطريق المستقيم. اللهم إنا نسألك برحمتك وعفوك ورضوانك أن ترفع الكرب عن المكروبين، وأن تسدّ حاجة المحتاجين. اللهم إنا نسألك عونًا وسدادًا لإخواننا في حلب والموصل والصومال واليمن، ولعبادك في كل الأرض يا ربّ العالمين. اللهم إنا نسألك سلامة وعافية وأمنًا وسترًا ورحمة وبركة وخيرًا. اللهم اجعلنا ممن يؤمّلون فيك يا ربّ، وممن يعملون لك يا ربّ، وممن يؤمنون بك، وممن يرجون فيك، وممن يصدقون في توكلهم عليك، وممن يحسنون الرجاء فيك. اللهم سلّم حياتنا، واقدر الخير لنا عند مماتنا، وأخرجنا من الدنيا سالمين.
ويسأل الله أن يبارك في من قام على هذا المسجد وأعان على العمل فيه، ويقول: سدّد الله خطاكم وبارك سعيكم وجزاكم خيرًا، والسلام عليكم.
--- [1]: بدأ المحاضر بهذه الصيغة («وزنوا أعمالكم») وأعادها حين استشهد بكلام عمر. توثيق المحرر: المشهور في الأثر المروي عن عمر رضي الله عنه «وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا»، أورده الترمذي تعليقًا بنحوه، ورواه ابن أبي شيبة وغيره موقوفًا، وفي ثبوته نظر. [2]: ساق المحاضر معنى الحديث دون راوٍ. توثيق المحرر: يقرب منه ما رواه الترمذي من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه: «لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به»، فاللفظ المثبت في المتن لفظ المحاضر. [3]: نسب المحاضر العبارة إلى النبيّ ﷺ. توثيق المحرر: لم يتبيّن لي ثبوتها حديثًا بهذا اللفظ، ومعناها تشهد له نصوص كثيرة في وجوب حسن المعاملة. [4]: لم يعزه المحاضر إلى كتاب. توثيق المحرر: انظر الحاشية الأولى؛ وقد أثبتُّ اللفظ كما نطق به. [5]: توثيق المحرر: روى الترمذي وابن ماجه وأحمد حديث عائشة رضي الله عنها في تفسير هذه الآية بنحو هذا المعنى. [6]: توثيق المحرر: ساق المحاضر الحكاية دون عزو، وصَرَّح بأنها في وصف عمر رضي الله عنه الصلاة؛ ولم أقف على إسنادها، فهي منقولة بصيغة المحاضر. [7]: قال المحاضر «تقول الرواية» ولم يعزها. توثيق المحرر: لم أتحقق من إسنادها. [8]: لم يعزه المحاضر. توثيق المحرر: يوافق في معناه ما جاء في البخاري في قصة طعن عمر رضي الله عنه، وفيه قوله: «وددتُ أن ذلك كفافٌ لا عليّ ولا لي». [9]: توثيق المحرر: في التفريغ تشويش في اسم الأنواع الأخرى من المدارس؛ المثبت ما صحّ منها. [10]: توثيق المحرر: عبارة سائرة نقلها المحاضر دون عزو، وليست حديثًا. [11]: توثيق المحرر: القول منسوب في كلام المحاضر إلى عليّ رضي الله عنه، ولم يعزه إلى كتاب. [12]: أورده المحاضر بصيغته دون حديث معيّن، ولم أنسب شيئًا منه إلى النبي ﷺ. وظاهر التفريغ «لا يتجاوز عما يعلم» وسياق ما بعده يقتضي «يتجاوز»، فأُثبت كما قيل. توثيق المحرر: في معنى شهادة الناس للميت أحاديث، منها ما رواه البخاري في الجنائز من ثنائهم على الجنازة وقوله ﷺ: «وجبت». [13]: توثيق المحرر: لم يسمِّ المحاضر موضع الآيات إلا سورة الزمر؛ ومواضعها بحسب النص المعروف: الحشر ١٨–٢٤ (الآية ٢٠ والآية ٢٢ بشطرهما الأول فقط)، وآل عمران ١٤، والزمر ٥٣–٥٧ و٥٩ (٥٩ بشطرها الأول، وفي ٥٨ لم ينطق إلا بـ«لو أن لي كرة»)، والمؤمنون ٥٧–٦١، والطور ٧. [14]: توثيق المحرر: اللفظ في التفريغ «لغزه» ولم يتبين أهو «غزّة» أم «غُزاة»؛ ولم يسمِّ المحاضر رئيس الدولة.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔