قواعد في معالجة الأخطاء
قواعد في معالجة الأخطاء: كيف نقيس الخطأ، وكيف نصلحه بالرحمة والتعقّل
المناسبة: تفريغ محاضرة أُلقيت بتاريخ ٣٠ أكتوبر ٢٠١٦م، بالعربية مع ترجمة فورية إلى الإنجليزية المصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
الحمد لله، والصلاة والسلام على عبد الله ونبيّه ورسوله سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. حيّاكم الله وبارك جمعكم هذا، وأسأل الله تعالى أن يجمعنا في الدنيا على طاعته، وأن يجمعنا في الآخرة في الجنة وفي مواطن رضاه سبحانه. وهذه منطقة مألوفة محبوبة عندي منذ خمس سنوات وأكثر، ولأهلها أثر كبير في نفوسنا، وموطنٌ عزيز في قلوبنا، حقيقةً لا نستطيع أن ننكر ذلك ما حيينا بإذن الله. وأسأل الله أن تبقى القلوب متصلة، وأن يبقى الودّ قائمًا كما هو معهود.
موضوع حديثنا قول النبيّ ﷺ: «كلُّ ابنِ آدمَ خطّاءٌ، وخيرُ الخطّائين التوّابون».[1] وفي جملة هذا الحديث مجموعة من القواعد التي تنظّم لنا حياتنا.
القاعدة الأولى: لسنا ملائكة
بدايةً، ليس واحدٌ منا ممن يجلسون الآن ملَكًا معصومًا من الخطأ، ولا جُبل أحدٌ من خلق الله تبارك وتعالى على ذلك. وقد خلق الله تبارك وتعالى الإنسان قابلًا للخير والشر، كما سيأتي الحديث عن ذلك بإذن الله. وفي إطار هذا الشرح من النبيّ ﷺ في قوله «كلّ بني آدم خطّاء» بيانٌ أنّ الإنسان قبل أن يعاقب نفسه فيقتلها إن كان صاحب الخطأ هو، عليه أن يدرك هذه الحقيقة؛ وقبل أن يعاقب غيره إن كان غيره هو الذي أخطأ، عليه كذلك أن يدرك هذه الحقيقة. وبناءً على ذلك فعلى العاقل أن يستوعب الحالة التي هو فيها.
إنّ حالة وقوعنا في الأخطاء هي بالضبط كحالة تعرّض أبداننا للأمراض التي تتأتّى من هنا أو هناك. العبد لا يدري متى سيأتيه المرض بشيء ما، سواء احترز من ذلك أو لم يحترز، وسواء أخذ احتياطاته أو لم يأخذها، وكلٌّ بقدر الله تبارك وتعالى. غير أنّ قابلية النفس البشرية للوقوع في الخطأ أمرٌ معلوم من حديث النبيّ ﷺ. ولا يفهمنّ أحدٌ خطأً أنّ النبيّ ﷺ أمرنا أن نخطئ، باعتبار أنّ كلّ بني آدم خطّاء وأنّ عليك أن تخطئ ولا بدّ أن تخطئ؛ لا، بل النبيّ ﷺ يتكلم عن الاحتمال الموجود، حتى نكون واقعيين منطقيين في تفكيرنا وتصوراتنا ونحن نتعامل مع أنفسنا أو مع جوانب الحياة التي نعيش فيها. «كلّ بني آدم خطّاء»: فإذا حكمتَ على نفسك فاعلم ذلك، وإذا حكمتَ على الآخرين فاعلم ذلك أيضًا.
القاعدة الثانية: الخطأ قابل للعلاج
والأصل الثاني، وهو مسألة في غاية الأهمية، قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾.[2] فالله أخرجنا لا نعلم شيئًا، ثم أعطانا مقوّمات التعلّم والتلقّي في الحياة. فإذا وجدنا أننا أخطأنا بسبب طبيعتنا البشرية فالأمر قابل للعلاج، وإذا رأينا أننا أخطأنا بسبب جهلنا أو عدم علمنا فالأمر أيضًا قابل للعلاج.
والخطأ في حياة البشر من جملة الابتلاءات التي ابتلى الله تبارك وتعالى بها الناس ليختبرهم بها. ولعلنا بذلك ندرك موقف آدم على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام. هو نبيٌّ خلقه الله تبارك وتعالى ليكون أول الخلق وأول الأنبياء، ومكّن الله له العلم كله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. فلم يكن شيء ليس في جملته أو مضمونه معلومًا لدى آدم عليه السلام.
وهنا نأتي إلى مسألة: مهما كان الإنسان عالمًا، رفيع المستوى في التقدّم العلمي، وقد حصّل أنواع الدكتوراه المختلفة، وحاز جوائز كجائزة نوبل وكذا وكذا، فكلّ هذا لا يعفيه من أنه يبقى إنسانًا، وهذه الإنسانية قابلة لاحتمال الخطأ وقابلة لاحتمال الصواب. فنخرج من هذا الكلام بفائدة مهمة: أنه ليس فينا أحدٌ غير قابل لأن يخطئ. بمعنى أنّ ليس عندنا السادة المعصومون، وليس عندنا الأولياء الذين لا يمسّهم السوء أو الخطأ. وهذا جانب مهم من جوانب تعلّمنا نحن كيفية علاج أخطائنا، والقواعد التي نؤسس عليها بناء كيف نعالج الأخطاء فيما بعد.
آدم عليه السلام: النموذج الأول
وآدم عليه السلام، كما علمتم، وكما نقرأ في سورة البقرة في مقدمات القرآن الكريم، يعرض الله تبارك وتعالى علينا فيه ذلك النموذج الأول من البشر. ولعلي أقول — والله تعالى أعلم، أسأل الله المغفرة، وأستحي أن أتكلم بين يدي مشايخي حفظهم الله — إنّ الله تبارك وتعالى لمّا عرض علينا سورة البقرة حدّد لنا بدايةً من الحروف المقطّعة المثيرَ العقلي الذي يستثير صاحبه لكي يحاول أن يتعلّم، فهذا يلفت نظر الناس. ثم يرينا ربّ العالمين سبحانه ثلاثة أنماط من البشر: منهم من يستجيب تمامًا، ومنهم من ينكر تمامًا، ومنهم من يكون بين هؤلاء وأولئك، وهم المنافقون. تتحدث الآيات عن المؤمنين في أول سورة البقرة في خمس آيات، ثم يأتي الحديث عن الكفار في آيتين، ثم يأتي الحديث عن المنافقين في نحو ثلاث عشرة آية.[3] وبعد ذلك يرينا الله تبارك وتعالى التجربة: النموذج الأول من البشر، وكيف أنّ هذا النموذج قابل لأنواع كثيرة من البيئات التي يمكن أن يوجد فيها.
ولعلكم تلاحظون: أول ذكرٍ لآدم في القرآن اقترن بماذا؟ أول ما ذكر الله تعالى لآدم: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. فجاء ذكر آدم عليه السلام مقترنًا بالعلم في أول إطلالة عليه كإنسان مخلوق لله سبحانه وتعالى، وهو الذي تمثّله أنت وأنت وأنت وهؤلاء البشر. ذكره الله مقترنًا بذلك العلم الذي بدونه لن نستطيع تحصيل شيء من مقوّمات الحياة ولا من مقوّمات الديانة. فما عرف الناس شيئًا عن ربّ العالمين إلا بما تعلّموه، أو بما هداهم الله تعالى إليه من التعقّل الأول لإدراك وجود الله عز وجل. ثم تأتي التفاصيل عن وجود الخالق عز وجل من خلال الوحي الذي يتنزّل على الأنبياء. وما أدرك الناس في حياتهم العملية إلا من خلال العلم، الذي يُبنى بطبيعته على التجربة، فيتكوّن التراث العلمي الذي يُدرَّس بعد ذلك للأجيال التالية.
كان آدم عليه السلام نموذجًا أول للبشر، جعله الله تعالى في بيئة حوت كل أنواع المنافع، فتعلّم العلم وكان في الجنة، وما وجد حوله منغِّصًا إلا ذلك الداعي إلى المعصية، الداعي إلى الخطأ، وهو الشيطان. الشيطان الذي حدّث آدم عليه السلام بقوله — ماذا قال الشيطان؟ — ﴿يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ﴾. ننتبه: الشيطان يدخل على آدم عليه السلام من مدخل عقلي منطقي، فهو يستخدم العلم. آدم متعلّم، ورأسه مليء بأنواع المعارف التي بثّها ربّ العالمين سبحانه في رأسه، وبناءً على ذلك فلا يصلح من الشيطان أن يأتيه بغواية سرقة أو شهوة زنا، والعياذ بالله، أو فعل كذا، وإنما أتاه من خلال المنطق العقلي.
واعلم أنّ الشيطان يأتيك من حيث يمكنه أن يقنعك، وأنه يعمل على المنهج الإقناعي أكثر مما يعمل على منهج الشهوات؛ لأنه يريدك إذا تلبّست بمعصية أن تتلبّس بها وأنت مقتنع بها تمامًا. فإن أراد أحدٌ ممن حولك أن يعيدك إلى نقطة البدء الأولى التي كنتَ عليها من حيث الطاعة، فإنك تجد صعوبة، لأنك أصبحتَ مقتنعًا. وكانوا يعلّموننا في علم الخطابة — أكرم الله تعالى مشايخنا — أنّ الخطاب إذا انبنى على العقل وحده ربما لا يكون ناجحًا تمامًا، ولكنه لا يزال أقوى من الخطاب القائم على العاطفة وحدها. فإذا استطعتَ، كمحاضرٍ أو خطيب، أن تحدّث الناس بالعقل والمشاعر معًا، فأنت في قمة أنواع النجاح والتأثير. ونسأل الله تعالى العافية.
شهوة الخلود وشهوة التملّك
نعود إلى ذلك المكر من الشيطان: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾، قال: ﴿يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ﴾. لقد اختار الشيطان في محاولة إقناع آدم نوعين من الشهوة الكامنة في النفس البشرية: شهوة حب الخلود، وشهوة حب التملّك. وتحت هاتين الشهوتين تندرج كل أنواع الأخطاء وأنماطها في حياة الناس. فحبّ التملّك يحمل صاحبه على السرقة، أو على التزوير، أو على النصب والاحتيال، أو على التحايل على الخلق؛ كلُّ هذه الأنواع من المخادعات إنما تندرج تحت قضية حب التملّك. وحبّ الخلود تدخل فيه شهوة النساء، والبقاء المتجدد من خلالها بإنجاب الأولاد، وإلى آخره. ومن خلال هاتين الشهوتين انطلق الشيطان ليقنع آدم بالأكل من الشجرة. ولو نظرنا في هاتين الشهوتين لوجدنا أنّ الله تبارك وتعالى استعمل كلمة: ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ في هذين الموطنين: في قضية الأكل من الحلال والأكل من الحرام، وهناك في سورة النور في قضية الشهوة والنساء وما يتناسب مع ذلك.[4] ونسأل الله تبارك وتعالى العافية والسلامة يا ربّ العالمين.
تطبيق القاعدة: ليس أحدٌ معصومًا
فعندنا مبدئيًّا: ليس هناك أحد معصوم من الخطأ. ننتبه إلى ذلك. فإذا وقع واحدٌ منا في خطأ ما، أو وقع من هم تحت رعايتك في أخطاء من أي نوع، فاعتبر لذلك مبدئيًّا — حطَّها في رأسك من قبل أن تتصرّف، قبل أن تنفّذ أي إجراء — تذكّر ذلك تمامًا: أنّ هذا إنسان قابل للخطأ. هذا التليفون الذي في يدك إذا وقع في الماء فاعلم أنه سيصاب بشيء فيه خلل؛ لا تتوقع أن تخرجه سليمًا تمامًا يعمل كما كان أول مرة. وكذلك إذا وجدتَ أمامك، أو وجدتَ نفسك، تقع في خطأ ما، فتذكّر هذه القاعدة المبدئية: أنّ هذا الإنسان قابل لفعل الخطأ. وعلينا أن نؤدّبه، أم أن نعاقبه — عفوًا — أم أن نقتله؟ هناك فارق بين التأديب والانتقام.
نخرج من ذلك، إخواني وأخواتي — أكرم الله هذا الجمع الكريم المبارك — بأنّ العصمة لله تبارك وتعالى وحده، وأنّ النفس البشرية ليست ملَكًا، وأيضًا ليست شيطانًا. ربّ العالمين سبحانه حين أقسم في سورة الشمس قال: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧-٨]. كل نفس على ظهر الأرض فيها قابلية الخير وفيها قابلية الشر، فلا الإنسان ملَكٌ ولا الإنسان شيطان، وإنما هو بين هذا وذاك. ففيه القابلية لأن يفعل الخير حتى تزداد منزلته ومكانته، فيصير ربما فوق مرتبة الملائكة في بعض المواطن، وفيه قابلية لفعل الشر حتى يصير يومًا ما أستاذًا لإبليس، يدرّس له كيف يُخضع الناس وكيف يقنعهم بالخطأ ويزيّن لهم الخطأ على أنه صواب. النفس البشرية قابلة لهذا وقابلة لذاك.
الأبناء: لا نفترضهم ملائكة
وأذكر هذه النقطة تحديدًا لأننا حين نتعامل مع أبنائنا وبناتنا دائمًا نفترض فيهم الصلاحية لفعل الصواب فقط، ولا نفترض أنه يمكن أن تغويهم شهوة، أو أن تنزل عليهم نسبة من الإقناع فيفعلوا خطأ ما. نتعامل معهم على أنهم ملائكة فقط، وأنهم غير قابلين لأن يكونوا شياطين يومًا ما. وكلما استطعنا أن نحوطهم بكمٍّ كبير من الرعاية والعناية، والموعظة والكلم الطيب والنصح الجميل والتشجيع وكذا، فإنهم يبقون معنا على الخط المستقيم الذي ننشده. غير أنه ينقصنا في مثل هذه الحالة مسألة القدوة، وهي في غاية الأهمية. فالإنسان، أو عمومًا الطفل، إنما يقلّد من سبقه فيما يفعله، وأحيانًا يقلّد دون وعي، ويقلّد من يثق فيه. وأكثر من يثق فيه الأبناء هم آباؤهم وأمهاتهم، فيفعلون الخطأ لمجرد فعل الآباء والأمهات. ولذا فإنني أستنكر تمامًا على والدٍ يأتي ليقول: إنّ ابني يدخّن، فأسأله: أتدخّن أنت؟ فيقول: نعم. فأقول: أين الخلل؟ الولد يدخّن كأبيه.
كيف يُقاس الخطأ؟ المعيار الأول: خطأ في ذاته أم في تقييمك؟
لو حاولنا أن نقول: بماذا يقاس الخطأ؟ فنقول إنّ الخطأ يقاس بعدد من الأمور. منها: هل هذا الفعل الذي صدر أمامك أو منك خطأٌ في ذاته، أم أنّ ذاك تقييمك أنت؟ ودعونا نذكر قصة قصيرة عن شابٍّ من شباب الصحابة، جلس في المسجد يومًا يتعبّد لله تبارك وتعالى، ولعله كان في حاجة إلى مال أو غيره. وبينما هو جالس إذ يمرّ عليه رجل كبير، لا يلتفت إليه ولا ينظر إلى وجهه، ويُلقي إليه بصدقة ويخرج، وما نظر إليه حتى لا يُحرجه؛ فوضع المال وانصرف. فعاد الشاب بما معه من مال إلى بيته، وأول من أراه المال أراه لأبيه، فقال: انظر يا أبي، لقد رزقني الله تعالى في هذا اليوم رجلًا مرّ فتصدّق عليّ بهذا المال. فقال الأب: أنت؟ قال: ما تعني؟ قال: أنا الذي تصدّقتُ، وما عنيتُ بها أنت، ما قصدتك، فهذا المال ليس لك. فقال الابن: بل هو لي، إنما أرسله الله تعالى إليّ. قال: لا، ليس لك. قال: بل لي. فذهب إلى «الرائد الذي لا يكذب أهله» ﷺ، فانطلق إليه.
فلمّا شرح له الأمر قيّم النبيّ ﷺ الأمر بمنطقٍ مختلف. أين المنطق عند الولد، وأين المنطق عند الوالد؟ الولد يقول: هذا المال لي وليس من حقّك أن تستردّه بحال من الأحوال، وإنني لستُ مخطئًا. والوالد يقول: أنت مخطئ في أن تنال المال الذي لم أقصدك به. والولد يقول: بل ربما تقييمك يا أبي ليس صوابًا، فمسألة أن تقصدني أو لا تقصدني مسألة خارجة عن إطار التصرّف والتقويم. هنا تأتي الخلافات، وهنا يقيّم كلٌّ منا موقف الآخر على أنه — إن لم يكن خطأ — فعلى الأقل ليس صوابًا. فماذا قال النبيّ ﷺ؟ قال: «لك ما نويتَ… ولك ما أخذتَ».[5] هذه مسألة منتهية تمامًا؛ فقيّم النبيّ ﷺ الموقف بمنطقٍ آخر.
وهنا نتساءل عن الأخطاء التي تحدث أمامك: ماذا فعل الولد؟ ماذا فعلت البنت؟ ماذا فعل جارك؟ ماذا فعل شريكك في العمل؟ ماذا فعل صاحبك في الطريق؟ ماذا فعل فلان الذي يصلي معك في المسجد؟ ما الذي فعله؟ هل هو خطأ فعلًا، أم أنه خطأ من وجهة نظرك أنت؟ إننا أحيانًا نضخّم الأشياء إلى درجة أنك تتصل بواحد فلا يجيبك، فتقول: هو يهملني ولا يعبأ بي. أو تفكر في مسألة أخرى: في أي شيء أغضبتُه؟ أنا زعّلته في إيه؟ لماذا؟ وتصنع مئة سؤال، في الوقت الذي كان التليفون مغلقًا، أو كان على الصامت من بعد الصلاة، أو لم ينتبه إليه، أو لعل امرأته ضربته كالعادة فلا يسمع أصلًا صوت التليفون. فهناك أشياء بسيطة جدًّا تحدث في حياتنا نضخّم فيها بحيث تصير إشكاليات كبيرة جدًّا.
المرجعية: من الذي قيّم الخطأ؟
فنقول: المعيار الأول: هل ذلك الشيء خطأ في ذاته، أم أنه خطأ في وجهة نظرك أنت؟ ومن الذي قيّم ذلك الخطأ؟ هل هو تقييم من عندي أنا: هذا التصرف خطأ لا يصدر مرة أخرى، وهذا قانونٌ مني في هذا البيت، عليك أن تتبع التعليمات وعلى الأولاد أن يلتزموا بهذا من تاريخ إعلانه الذي هو معلَن الآن؟ هل هذا خطأ قيّمتُه أنا وأصدرتُ فيه قرارًا؟ أم أنه خطأ باعتبار القانون، قانون الدولة التي نعيش فيها؟ أم أنه خطأ قيّمه أو أصدر فيه أمرًا مباشرًا ربّ العالمين سبحانه وتعالى؟
في قضايا التربية دائمًا يعلّموننا: لا تعلّم ولدك أنّ هذا خطأ باعتبارك أنت المرجع، وإنما علّم ولدك أنّ هذا خطأ باعتبار أنّ الله تعالى قال فيه شيئًا، أو أنّ النبيّ ﷺ نهى عن ذلك. فلا تجعل المرجعية عند عيالك دائمًا هي أنت، وإنما اجعل المرجعية عند عيالك دائمًا الله ورسوله ﷺ. ولماذا هذا؟ … بلى، كل ذلك معلوم تمامًا. ولكن إذا كنتَ أنت المرجعية الأولى، فسوف يصادف أستاذًا له في المدرسة أذكى منك، أو يصادف صديقًا هو أكثر حكمةً منك، أو أعلمَ واحد في الجالية، أو في المجتمع، أكثر تعقّلًا للأمور، يعجبه تصرّفه أكثر مما يعجبه تصرّفك، فتُنزع منه المرجعية التي كانت عنده، فيصير بلا مرجعية فيضيع. لكن إذا كانت المرجعية لله ولرسوله ﷺ، فهذه المرجعية له وحده أم لنا جميعًا؟ لنا سويًّا. فإن كان ثمة خطأ فنحن سويًّا ملتزمون بألا نفعل ذلك الشيء، لأنّ الله تبارك وتعالى هو الذي جرّمه، أو لأنّ النبيّ ﷺ هو الذي منع عنه.
وبناءً عليه تمرّ الأيام والليالي، وتمرّ الأعوام والسنوات، وبعد عشرين وبعد خمسين سنة يصير الوالد له من العمر سبعون مثلًا أو ثمانون، ويصير للولد ثلاثون أو أربعون، وكلٌّ منهما لا يزال يقرّ بأنّ هذا الشيء خطأ وأنّ هذا الشيء صواب، وأننا سنفعل ذلك سويًّا، وأننا لن نفعل ذلك سويًّا، لأنّ كلينا إنما يعتبر لأمر الله تبارك وتعالى وأمر رسوله ﷺ. فإذا مرّت الأيام والسنوات وجاء الولد ليطيع والده، هل ستبقى الطاعة لأن هذا فقط هو الوالد وهو مرجعيتي، أم لأنني ووالدي مرجعيتنا لله الذي أمره بتربيتي أول الأمر، وأمرني ببرّه في أول الأمر وآخره؟ هل وضحت هذه المسألة؟ والله تعالى أعلم.
المعيار الثاني: صغير أم كبير؟
هل الخطأ صغير أم كبير؟ وتلك مسألة أيضًا تُقاس حسب المعايير التي ذكرناها. مسألة أن تحدث حالة طلاق في البيت لأنّ الزوجة — أكرمها الله تبارك وتعالى — ما كانت مركِّزة وهي تغسل الأواني، فكسرت كوبًا، فدخل الزوج — أكرمه الله — وجرى من الكلام ما لم يتضح في التفريغ، ثم: أنتِ دائمًا ظلمتِني، لا بل أنتَ كذا، وأنتِ وأنتَ… بسم الله ما شاء الله، ربنا يحفظ الجميع. طيب، هذا خطأ، فما الذي ترتّب عليه؟ هل وقوع الكأس من اليد في حد ذاته خطأ في القياس العام؟ ثم: ما أسبابه؟ ما الذي تسبب فيه؟ الأخت كانت مضطربة، كانت ضائقة بأن الأولاد تأخروا في المدرسة، وهي قلقانة غير مركّزة وخائفة على البنت والولد وكذا وكذا، فحصل ما حصل. فما الذي حدث وكيف قيّمتَ الأمر؟ هل هو خطأ صغير أم خطأ كبير؟
هل الخطأ الذي يصدر من الولد بأنه لم يصنع الواجب المدرسي اليوم يُقاس على نسبة الخطأ نفسها في أنه دخّن سيجارة، أو شرب كأسًا، أو سهر في المكان الفلاني، أو صاحب فلانًا الذي نعلم فسقه وإجرامه؟ كيف تُقاس الأخطاء؟ وهل الخطأ صغير أم كبير؟
المعيار الثالث: الانتشار والأثر
ويُقاس الخطأ أيضًا باعتبار انتشاره وأثره. الذي أفتى بأن يُقتل الناس في الشوارع — ذلك واحد من الناس وقف على المنبر وتكلم في العالم كله أن اقتلوهم — ذلك خطأ. هل يُقاس هذا الخطأ برجل أتاك إلى المسجد فقال: يا شيخ، أنا والله لا أدري، أتيتُ من السفر متأخرًا وأدركتُ صلاة العشاء فصلّيتُ خلف الإمام العشاء، وما أدري الآن أصلّي المغرب بعده وحدي، أم أصلي المغرب وبعده العشاء مرة أخرى؟ يعني مرتبك يا مولانا، لا أدري. هل هذه تُقاس بتلك؟ هذا خطأ أم صواب، وهذا خطأ أم صواب؟ الله أكبر.
قالوا قديمًا — ولا يزال الأمر كذلك —: «زلّة العالِم». الخطأ الذي يصدر من العالِم إنما هو زلّةٌ لعالِم، لماذا؟ لأنّ الناس تشاهده. فإن كنتَ وحدك، وعفا الله تبارك وتعالى عنك إن كنتَ كذلك، فالخطأ منك فيما بينك وبين نفسك لا يُقيَّم أبدًا بخطأ يصدر من والدٍ أمام عياله وأمام زوجته. وإن كنتَ ربّ عائلة بأكملها، يعني أنت الكبير في عائلتك، فيتبع في ذلك زوجتُك وأولادُك، ولك أبناء عمومة وأبناء خؤولة، وعندك عائلة كبيرة، والتصرّف منك إنما يُذاع في هؤلاء جميعًا في لحظة، على الإنستغرام أو ما شابه. وهكذا فالخطأ يكون أثره بانتشاره، ولا يُقيَّم أبدًا بخطأ صغير يصدر من إنسان وحده فيما بينه وبين نفسه.
ودائمًا أضرب المثال للناس فأقول: لو أنك رأيتني وأنا ألبس هذا الهندام أو الزيّ الأزهري أو غيره، وماسكٌ سيجارة وماشٍ في الشارع هكذا وأدخّن، فالناس تنظر: ما هذا؟ أستغفر الله! هذا شيخ! أو: يا عمّ، حلال، هذا سيدنا الشيخ… وهو ماشٍ في الشارع! ولو أنني نفس الشخص ولكنني لابس زيًّا كالعادي، مثل لباس أخينا جلال، فلو أني أسير في الطريق ألبس زيًّا عاديًّا كبقية الناس وأدخّن، الناس تمرّ عليّ ولا تلتفت؛ لكن لمّا كنتُ صاحب زيٍّ أو شارة، أيًّا كان نوعها، فإنّ الناس يلتفتون إليه. حضرتك، كم واحدًا يعدّي حواليك وأنت سائق سيارتك بسرعة؟ لكن لو عدّى عليك بوليس بيجري ومن غير أن يكون مشغّلًا الضوء، يلفت نظرك أم لا؟ فهكذا: ما هي نسبة انتشار الخطأ الذي يصدر من الشخص أو من الأشخاص؟
المعيار الرابع: هل هو قابل للإصلاح؟
طيب، هل الخطأ قابل للإصلاح أم غير قابل للإصلاح؟ هل هناك خطأ صدر من أي أحد وخلاص إن شاء الله، يعني ننجرّ، ونقول: كيف تكون الإصلاحات الواقعة أم لا؟ النبيّ ﷺ عندما وجد رجلًا في المسجد يبول في المسجد — جريمة جدًّا! — يعني نحن بالنسبة لنا، نحن لا نطيق العيال الذين يتحرّكون في وسطنا، وعمالين كل شوية نعمل إشكاليات: امشِ من هنا، وارجع وراء، وصلّوا معًا وخذوهم إلى مكان ما في الحتة الفلانية. وبالعكس تمامًا: لنعرّج على هذه الجزئية، فعندما نجد روايات تحدّث بأنّ النبيّ ﷺ كان يسجد فيصعد على ظهره حفيدُه، فإذا بالنبيّ ﷺ يبقى ساجدًا حتى ينزل. ما الذي حدث؟ تصوّر الموضوع، ما الموقف؟ الموقف أنّ المجتمع المسلم كله متعطّل بسبب طفل! أليس كذلك؟ حركة المجتمع المسلم كلها معطّلة بسبب طفل — في روايتنا نحن — يلعب مبسوطًا فوق ظهر جدّه، مبسوطٌ قوي، متكيّف على الآخر. فلماذا يصبر النبيّ ﷺ؟ وقد اجتمع وراء النبيّ ﷺ أبو بكر وعمر، وقيادات المجتمع كلها، ليس هو مستعجلًا لشيء من عند نفسه أو من تلقاء ذاته، هذه حركة المجتمع كلها؛ ومع ذلك النبيّ ﷺ يصبر عليه. لماذا يصبر عليه؟ فلعله من فوق يتعلّم كيف يكون قائدًا، مثلًا — على سبيل المثال — نحن لا ندري.[6]
والشاهد في القول: هذا الخطأ الذي صدر من الصحابي — رضي الله تعالى عنه — حين بال في المسجد، هذا خطأ كبير جدًّا في عين الصحابة. ولكن لمّا قيّمه النبيّ ﷺ وأدرك أنه قابل للإصلاح، فإنّ النبيّ ﷺ ينهاهم أن يقطعوا عليه بولته مبدئيًّا، لأنّ التصرف للعلاج سيؤدي إلى نتيجة أسوأ مما نحن فيها الآن. ومن ثَمّ وجب علينا التعقّل ونحن نعالج أخطاءنا في اليوم أو في الغد. ثم يأتي النبيّ ﷺ إليه فيعلّمه، أو يقول: أريقوا على بوله دلوًا من ماء — أو حسبما حدّثت الروايات — بطريقة العلاج التي صدرت من النبيّ ﷺ.[7]
وهناك صحابيٌّ آخر في الصلاة يتكلّم: واحدٌ يتثاءب أو يعطس، فيقول له: يرحمكم الله، فالناس تضرب له على… فيقول: أنا تخيّلتُ أنني عملتُ مصيبة، فحبستُ — كتمتُ غيظي — وما تكلمتُ، خلاص، بقى هنعدّيها لحدّ ما نخلص الصلاة. فإذا النبيّ ﷺ يأتي إليه ويقول: إنّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كذا وكذا، ويعلّمه كيف يذكر الله سبحانه وتعالى في صلاته وكيف يؤدي صلاته.[8]
فهل الخطأ قابل للإصلاح؟ هل كل غلطة تحصل في البيت خطأ ومصيبة وكارثة نقوم عليها الدنيا؟ الدنيا اتوقفت وتعطّلت، والكون اتعطّل كده، علشان عندي أي حاجة حصلت؟ إخواني، قضية التعقّل في تقييم المواقف والتصرفات، والنزول على رغبات الناس...
اللمم والكبائر: درجات في الميزان
ثم إنّ هناك أخطاءً بالنسبة لمسألة التقييم سمّاها القرآن الكريم «لَمَمًا»: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾. حاجات بسيطة تحصل، حاجات حياتية تحدث. هذه الأشياء حتى وإن صدرت منك لا تُحدث لك اضطرابًا نفسيًّا ولا اكتئابًا، وإن كان لا بدّ أن تكترث، لأنّ معظم النار من مستصغر الشرر؛ ولا بدّ أن نجمع بين المسألتين. نحن نتحدث عن ذلك، لكن ليست هذه هي التي تجعل الشيطان ينتصر عليك؛ فاستغفروه، يمحو الله تبارك وتعالى به: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾،[9] وتنتهي المسألة.
لكن أحيانًا سمّى الله تعالى الخطأ كبيرة: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾. وهناك أخطاء سمّاها القرآن الكريم طغيانًا، وهناك أخطاء سمّاها القرآن اعتداءً: «معتدين».
المنهج القرآني في تصويب الأخطاء
على أي شيء اعتمد المنهج القرآني في تصويب الأخطاء؟ اعتمد القرآن على تقديم النصح مباشرةً للناس، سواء بالطريقة المباشرة أو بطريقة التلميح. فنحن مثلًا عندما نقرأ قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ﴾، نرى بمنتهى البساطة كيف يربّي القرآن المجتمع المسلم من خلال هذه العبارة. وكيف يوجّه القرآن الكريم الناس من خلال هذه العبارة: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾؟ وكيف يربّي القرآن الناس من خلال هذه العبارة: «لا تكونوا من المفسدين»؟[10] إن المنهج القرآني اعتمد على الخطاب التربوي الذي يعمد إلى تأسيس القواعد الراسخة في النفس البشرية، بحيث تثبت على الصواب مع كل الاحتمالات؛ فهو يربّيك من جوّاك، يربّيك من أعماقك. فأنشأ وغرس فينا قضية العقيدة في الله سبحانه وتعالى: أنّ لنا إلهًا نراقبه في كل الأحوال، وننظر مواطن رضاه ومواطن سخطه، فنتبع هذه ونتجنب هذه. فلا يتعمّد الواحد منا أن يرتكب خطأً ولو يسيرًا، طالما أنه يؤمن بأنّ الله تبارك وتعالى يراقبه ويعتمد خطاه أولًا بأول.
فما الذي يحدث؟ يخطئ، يقع في الخطأ. وهناك فارق كبير جدًّا بين من يقع في الخطأ ومن يتعمّد الوقوع في الخطأ. ترون الرجل عندما يسير وهو متحرّج، يعني واخد باله قوي، منتبه جدًّا — أعزّكم الله — ماشٍ في طريقك وواخد بالك على السرعة المحددة، «بي كيرفول»، كل حاجة تمام جدًّا جدًّا؛ لكن قدّر الله أن واحدًا مجنونًا يطلع من حتة فيخبط لك حاجة. هذا خطأ صدر منك أم من غيرك؟ متعمَّد أم غير متعمَّد؟ مقصود أم غير مقصود؟ واحد ماشٍ في الطريق واخد باله، لكن رجله وقعت في حفرة مش شايفها، ما شافهاش، فإدراكه لم يقع عليها؛ والآخر ماشٍ بجزمته عمّال يمشي بها في الطين يوسّخ، زي ما كنا بنعمل زمان ونحن صغار في الترعة. فبيّن القرآن للناس مبدئيًّا أنماط النفوس وأنواعها، وبيّن قابليتها للتذكير، وبيّن حالها واطمئنانها مع الهدى، وحالها واضطرابها مع الضلالة.
وكل كلمة من هذه تحتاج شيئًا من الآيات وشيئًا من الشرح. وبيّن آفات النفوس وأنماط الخلل البشري الطارئ، ويمكن أن تتابع ذلك عندما تقرأ قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾، وتتبع ذلك في القرآن كله، وانظر: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ﴾. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾.[11] هذه كلها وغيرها في القرآن الكريم، فاتبعها لتنظر كيف أنّ الله تعالى بيّن لك طبائع الخلق وأهواءه وفِطَرَه وأحوالهم وتقلّباتهم. اقرؤوا القرآن بعين المتعلّم المتأمّل، اقرؤوا القرآن بحيث إذا وقفتم على شيء فيه أدركتم نتيجة وخرجتم بفائدة. ولو أردنا أن نقول إنّ الخطاب القرآني اعتمد الخطاب التربوي الذي يُري المخطئ عاقبة خطئه…
منهج النبيّ ﷺ: الرحمة والتعقّل
ولو حاولنا أن نتكلم عن منهج النبيّ ﷺ — خلّينا من القرآن، وبقية ما بقي نرجئه إن شاء الله إلى لقاء قادم — ففي دقيقتين نقول: إنّ النبيّ ﷺ تعامل بمنطق الرحمة وبمنطق التعقّل. فنقول: كن عاقلًا جدًّا في تصرفاتك، ورحيمًا جدًّا بالناس الذين يعيشون حولك. وأضرب مثالًا واحدًا فقط أختم به كلامي: سيدنا أنس رضي الله تعالى عنه، الذي عاش مع النبيّ ﷺ سنين، يقول: ما قال النبيّ ﷺ لي لأمر فعلتُه: لِمَ فعلتَه؟ وما قال لي لأمر لم أفعله: لِمَ لم تفعله؟[12] يعني ما فيش سؤال خالص، ما فيش متابعة، ما فيش أي استجوابات خالص، كأن الدنيا سائبة. أتتخيل، أو تظن أنّ النبيّ ﷺ ألقى لأنسٍ الحبل على غاربه، وأنسٌ يعمل ما يريد؟ أم أنه كان يربّيه؟ وأيُّ وسيلة كانت التربية؟ لقد وصلت العلاقة بين المربّي والمربَّى إلى أنك بمجرد أن تنظر بعينك، فيفهم ابنك ما تريد أن تعمل؛ وبمجرد أن تفكّر في حاجة فتجدها بين يديك قبل أن تذكرها بلسانك، ما وقع في قلب من أمامك.
أسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا فيما نقول الإخلاص، وأن يمنّ علينا بالعافية في الدين والدنيا، وأن يأجر هذا الجمع الكريم الذي أنا شخصيًّا — والله — مبهورٌ بهذا العدد الموجود فيه، وأن يبارك لكم في مسجدكم. سلّمكم الله تعالى، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
--- [1]: توثيق المحرر: رواه الترمذي وابن ماجه من حديث أنس رضي الله عنه. وقد ساقه المحاضر باللفظ المذكور. [2]: توثيق المحرر: مواضع الآيات التي ساقها المحاضر، وأرقامها من وضع المحرر: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم…﴾ في النحل: ٧٨؛ و﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ في البقرة: ٣١؛ و﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ…﴾ في طه: ١٢٠. [3]: توثيق المحرر: الأعداد (خمس، وآيتان، ونحو ثلاث عشرة) أُثبتت كما وردت في التفريغ، وقد قال المحاضر «تقريبًا» في العدد الأخير. [4]: توثيق المحرر: يشير المحاضر إلى قوله تعالى ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ في سورة البقرة (في سياق الأكل من الحلال)، وإلى ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ في سورة النور (في سياق الفاحشة). ولم يذكر أرقام الآيات. [5]: توثيق المحرر: الحديث في صحيح البخاري من حديث معن بن يزيد رضي الله عنه، ولفظه: «لك ما نويتَ يا يزيد، ولك ما أخذتَ يا معن». وسياق القصة في المتن بحسب ما رواه المحاضر، وقد خالف الصحيحَ في بعض تفاصيلها (كجلوس الابن في المسجد محتاجًا وإلقاء أبيه الصدقة إليه، فإنّ في الصحيح أنّ يزيد وضع دنانير عند رجل في المسجد فأخذها معن). ولم يسمِّ المحاضر الصحابي، والتفريغ فيه «يا معا» غير واضح، فحُذف النداء من المتن. [6]: توثيق المحرر: ورد صعود حفيده ﷺ على ظهره وهو ساجد عند النسائي وأحمد من حديث شداد بن الهاد وغيره. ولم يتبيّن في التفريغ لفظ «حفيده» بوضوح (جاء فيه «حفيده أو في ده»)، ولم أقف على نصٍّ فيه أنّ أبا بكر وعمر كانا خلفه في ذلك الموقف، وقد ذكره المحاضر في سياق كلامه. [7]: توثيق المحرر: قصة الأعرابي الذي بال في المسجد في البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه، وفيها: «لا تُزرِموه» ثم أمرهم أن يُهريقوا على بوله ذَنوبًا من ماء. [8]: توثيق المحرر: لم يسمِّ المحاضر الصحابي، والقصة توافق حديث معاوية بن الحكم السلمي عند مسلم، وفيه: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن». وفي الحديث أنه عطس رجل فقال له: يرحمك الله، فجعل القوم يضربون بأيديهم على أفخاذهم. [9]: توثيق المحرر: مواضع الآيات التي ساقها المحاضر، وأرقامها من وضع المحرر: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ…﴾ في النجم: ٣٢؛ و﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ في هود: ١١٤؛ و﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ…﴾ في النساء: ٣١. وعبارة «معظم النار من مستصغر الشرر» مثلٌ سائر لا آية ولا حديث، وقد أُثبتت بلا علامات اقتباس. [10]: توثيق المحرر: ذكر المحاضر هذه العبارة الأخيرة ضمن الأمثلة ولم يعيّن موضعها ولا آيتها، فأُثبتت بلفظه دون عزو. وأما الآيتان قبلها فمواضعهما: البقرة: ١٠٨، والأحزاب: ٦٩ (من وضع المحرر)، وفي التفريغ «أتريدون» والمثبت رسم الآية «أَمْ تُرِيدُونَ». [11]: توثيق المحرر: قرأها المحاضر مجملةً بلا أرقام، وقد تحرّف في التفريغ بعضها («مريض» والصواب «مريد»، و«يشتري له الحديث» والصواب «لهو الحديث»)، فأُثبتت على نص القرآن. ومواضعها (من وضع المحرر): البقرة: ٨، والبقرة: ١٦٥، والبقرة: ٢٠٤، والحج: ٣، والحج: ١١، ولقمان: ٦. [12]: توثيق المحرر: رواه البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه بنحو هذا اللفظ؛ ومدة خدمته المشهورة عشر سنين، ولم تتضح في التفريغ فلم تُثبت في المتن.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔