فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ
عقبةُ الآخرة لا تُعبَر إلا بيدٍ امتدّت إلى جائع
المناسبة: خلاصة خطبة جمعة أُلقيت في مسجد ديربورن بتاريخ 7 مارس 2025مالمصدر: تفريغ خطبة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
تخيّل طفلًا جائعًا ينظر إلى أبيه فيسأله: يا أبي، أليس نحن مسلمين؟ فيقول: بلى يا ولدي. فيقول: فلماذا نحن في هذا الحال؟ فيجيبه: هذا اختبار الله لنا بهذا التجويع. فيعود الطفل فيقول: يا أبي، أوَما أمر الله الأمة أن تتعاون؟ فيقول: بلى. فيسأل الطفل: فأين أمة الإسلام؟ أيُرجى من طفلٍ هذا حاله أن يبقى له انتماء إلى دينه، وقد تخلّى عنه أهل دينه؟
هذا المشهد استحضره الخطيب في أثناء خطبته، وقد عنونها بآية من كتاب الله.
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله ﷺ. أما بعد:
فنحن في يومٍ مبارك من شهرٍ عظيم فيه ليلة القدر، وفيه يقترب العباد من ربهم. وقد انطلق الخطيب من حال أطفال اليمن الذين لا يجدون طعامًا، وأرقامُهم بالملايين لا يحصيها العدّ. وقال إن عزاءنا في فقدٍ كهذا ليس لسانًا نقوله، فنحن حين نقول «إنا لله وإنا إليه راجعون» نعزّي أنفسنا أيضًا، ثم يبقى السؤال: أي عزاء يصل إلى من ماتت أطفالهم جوعًا؟
العقبة التي تنتظرنا
﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: 11-16].
يقول أهل العلم إنها عقبة الآخرة: يقف العبد بين يدي الله فلا يحسن أن يعبر إلى الجنة إلا إذا قدّم هذه الشواهد. فهي حجّة العابر، كأنه يقول: فعلتُ كذا وكذا، فأستحق أن أعبر.
فكُّ الرقبة في زماننا
تعلّمنا أن فكّ الرقبة عتقُ الرقيق، وقد مضى ذلك الزمان. لكن الواقع يتحدث بغير هذا، فثمة رقبة مدين لا يخرج من وراء أسوار السجن لأجل ثمن ثلاجة أو موقد أو ما نراه نحن تافهًا. ونحن، أصحاب الرفاهية في أمريكا، لدينا من الإمكانات قليلُها أو كثيرها، ولا ينكر أحدٌ منا فضل الله عليه، ونسأله أن يرزقنا حسن الشكر.
وقد تكون الرقبة المفكوكة رقبة فقيرٍ لا يحسن تربية ولده فربّيتَه له، أو لا يحسن الإنفاق على فتاة فأنفقتَ عليها. ثم يأتي الإطعام «في يومٍ ذي مسغبة»، أي عند الشدائد التي نزلت بإخواننا وأخواتنا، رجالًا ونساءً، صغارًا وكبارًا، ليس لهم ملجأ بعد الله إلا أمثالكم.
وهنا يعرض الخطيب مقارنة لا تحتاج إلى شرح: الدولار الذي ينفقه أحدنا أو الخمسة لكأس قهوة، والعشرون أو الثلاثون في مكانٍ نمضي فيه وقتًا طيبًا. ولا نمنع أحدًا من ذلك، ولم نعصِ ربنا فيه، لكن ترتيب الأولويات يقتضي أن يسأل كلٌّ منا نفسه قبل أن يسأل غيره: هل وضعتُ مثل هذا عند أولئك المحتاجين، أم استأثرتُ به لنفسي وحدي؟
أيدٍ التصقت بالتراب
«ذا متربة» يعني أن أيديهم التصقت بالتراب لا يملكون سواه. فإذا وضع أحدهم إصبعه في فمه ليشعر عقله بشيءٍ من الأكل ولو كان صوريًّا، فإنما يأكل التراب العالق بيده. فأي نعمة نحن فيها، وأي بؤسٍ فيه إخواننا!
سؤال أهل سقر
ثم يستحضر الخطيب مشهدًا آخر في كتاب الله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: 38-47].
لو تخيّل أحدنا نفسه بين يدي الله لما أحسن أن يصف نفسه بأنه من أهل الجنة. وقد اقترن في الجواب ترك الإطعام بترك الصلاة، فجُعلا في منزلة واحدة من العمل.
ومن فقه ذلك أن العبادات منها ما نفعه قاصر على صاحبه، ومنها ما يتعدّى نفعه إلى غيره. فإذا صليتُ من العشاء إلى الفجر فمن منكم استفاد من صلاتي؟ لا أحد، إلا أن أدعو لأحد. أما إذا أخرجتُ من جيبي نفقة فأعطيتُها لفلان وفلان، فقد تقرّبتُ إلى الله بالصدقة كما تقرّبتُ إليه بالصلاة، وتعدّى نفعها إلى غيري. وبهذا نحسّ دلالة قوله ﷺ: «لَا يَزَالُ اللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»[1]. فمن كان لا يستغني عن عون الله لحظة، ولا يعيش إلا في ستره، فلينظر إلى من حوله ممن يحتاجون إلى عونه.
شعار أهل الكفر
يقول المتعلّلون بترك الإنفاق: لماذا ننفق نحن؟ لو شاء الله لأطعمهم! وهذا بعينه شعار الكافرين في سورة يس: ﴿أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: 47]. قال الخطيب: ومنهم نحن، والعياذ بالله، حين نقول: أنا مالي، ليست مسألتي.
فلماذا جوّعهم الله؟ ليختبر المطعَم، وليختبر أصحاب الأموال ومن له خزائن وحسابات بنكية، وليختبر بعض العباد ببعض[2]. وتلك سنّة الله في خلقه.
كلّا، بل لا تُكرمون اليتيم
﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: 15-20].
وموضع الشاهد، كما يقول، أن الله ذكر هذا بعد حديثه عن عاد وإرم وفرعون ذي الأوتاد، أي بعد طغيان الطاغين في الأرض وإفشاء الفساد، ليربط لنا أن صمّام الأمان لحفظ الدنيا وما فيها هو هذا التواصل بيننا بالحضّ على طعام المسكين. وقد يقول قائل إنها مسألة بسيطة، والخطيب يقول: لا، فإهمالها في القلوب جعلنا ننقسم هذه الانقسامات؛ فلا يتحدث مصري في شأن أهل اليمن، ولا يقف جزائري في صفّ مصري، وتفرّقنا وتشتّتنا، ولم نستشعر قول ربنا: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]، وفي موضع آخر: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: 52][3]. فالأمة الواحدة لا تنسجم إلا باجتماع العقول والصفوف، وما نبذله من أنواع العبادات ترجمةٌ لانتماء القلوب إلى الله؛ فإذا غاب التعاون بيننا دلّ على خلل في هذه العبادة نفسها.
المال أمانة ومحنة
وما في جيبك اليوم، والذي نسألك إياه طوعًا، سيكون حجّة علينا بين يدي الله إن قصّرنا، وسيسأل الله عنه: لماذا لم تنفقوا في سبيلي وقد جعلتكم مستخلفين فيه؟[4] وليفهم أهل المال أن مالهم لم يكن بحدسهم ولا بشطارتهم، فكلٌّ منا يعلم أن حوله من هو أذكى منه وأقدر على تحصيل المال ولم يُعطَ ما أُعطي. فلماذا خصّني الله به دون غيري؟ هو امتحان الله لي بهذا المال، وامتحانه لآخر بهذا الذكاء، ولثالث بهذا الصبر.
من التخويف إلى الترغيب
ثم انتقل الخطيب من التخويف إلى الترغيب، وقال إنه يحدّث نفسه قبل أن يحدّث أحدًا، ويسأل الله أن يرزقنا حسن القبول ويقينا إعراض القلوب عن النصح. قال ربنا:
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: 5-12].
كلام الله ولا تعليق. فمن أراد أن يبلغ الغاية فليبذل لها، ومن أحسن الوصول فقد أحسن العمل، ومن ابتغى المراد لم يصعب عليه تقديم الدليل. ومنا المحتاج ومنا من هو في ضائقة، فمن لم يستطع أن يقدّم مالًا اليوم فليقدّم نيّة وليقدّم دعاءً. غير أن ربنا أعلم بما في خزائننا، ولا يظنّنّ أحدنا أنه أذكى من رب العالمين فيتحايل عليه.
خاتمة: دعاء
اللهم أطعم إخواننا وكسهم، اللهم ثبّتهم فيما ابتليتهم به، اللهم إنا نسألك لهم عونًا ومددًا وسندًا يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار.
--- [1]: توثيق المحرر: رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»؛ وما أورده الخطيب نقلٌ بالمعنى. [2]: توثيق المحرر: المعنى من قوله تعالى ﴿وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَا۟ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾ [محمد: 4]، ولم يتلُ الخطيب الآية في هذا الموضع. [3]: توثيق المحرر: عزو الآية إلى سورة المؤمنون من المحرر؛ الخطيب قال «وفي موطن آخر» ولم يسمّ السورة. [4]: توثيق المحرر: العبارة من قوله تعالى ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: 7].
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔