لا شيء يُخفى يوم العرض
﴿لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾: لا شيء يُخفى يوم العرض
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 30 يونيو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
وبارك اللهم لنا فيما رزقتنا، وقنا اللهم عذاب النار. ثم نقف مع قول الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾[1]
وقفة مع كلمة «خافية»
نتوقف عند الكلمة في محاولة لإدراك دلالتها. «خافية» تختلف في لفظها عن «تُخفون». فإذا قلنا «تُخفون» فهناك جهد مبذول من صاحبه ليخفي شيئًا، وقد يكون هذا الشيء غير قابل للإخفاء أصلًا. من معه شيء كبير يحاول أن يضعه في جيبه، فيبقى ظاهرًا بارزًا مهما حاول إسكاته. أما الشيء الصغير جدًّا الذي يُوضع في أي موضع فيختفي، فهو «خافية».
أسئلة حول الإخفاء
إذا قلنا «خافية» فعندنا مجموعة أسئلة. الأول: لماذا حاول صاحبها أن يخفيها؟ والجواب أنه لا يريد إبرازها، فعنده ممنوعات، فيضعها في الجيب «السحري» الذي في داخل الحقيبة بين الدهاليز، ويحاول أن يخبّئها. ومع ذلك «لا تخفى»: الماسح الضوئي يكشفها وإن لم تكشفها العين البشرية، وإن لم يكشفها فعندهم وسائل أخرى تشمّ الرائحة وتُخرج الشيء. فنحن أمام أسباب تُكتشف بها المخفيّات والخوافي في داخل الأشياء.
فما الذي سنريد إخفاءه يوم القيامة بين يدي الله سبحانه وتعالى، وهو يقول: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾؟
مشهد التفتيش
الإشكال في لحظة دخولك على نقطة التفتيش؛ هذه اللحظة وحدها فيها رهبة وهيبة، ويُكتشف بها من أخفى شيئًا ومن لم يُخفِ. تراقبك الكاميرات وأجهزة المراقبة في المطار مثلًا، وهناك من ينظر إلى الناس المارّين ويقرأ الوجوه، فإن شكّ في أحد استوقفه، ومع الإجراءات قد تظهر مصائب أخرى غير مسألة أنه يخبّئ شيئًا.
فإذا كان هذا في الدنيا، فقوله ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ يسأل: على من ستُعرض؟ وبين يدي من ستقف؟ وما أدوات كشف الكذب والاحتيال والنصب والغش والإخفاء؟
تخيّلوا أن إنسانًا يفعل أمرًا خاطئًا وهو يعلم أن في الطريق كمينًا، وأن عندهم خبرًا بأن شيئًا مخالفًا سيمرّ. إذا فهم أن هناك كمينًا وراصدًا فسيفهم مباشرة أن الواقف ليس مجرد شرطي، بل هناك خبير في كل جزئية مما يُحتمل إخفاؤه، خاصة فيما بلغهم الإبلاغ عنه. هذا هو الواقع الذي نعيشه.
فإذا قلتَ «يومئذ تُعرضون»: فمن الذي ينتظرك في تلك اللحظة؟ من سيطّلع على خباياك؟ هو الذي يعلم السر وأخفى، سبحانه جلّ في علاه. فبالله عليك، أي عاقل يحمل معه مخدرات وهو يمرّ على كمين ويعلم أن الواقفين متخصصون في هذا المجال؟ إنك لم تأتِ بها إلا لتسلّم نفسك!
فإذا فهم العبد دلالة ﴿لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ فقد عرف أن الخافية، وهي ما بلغ من الإخفاء حدًّا لا يظهر معه في ذاته، «لا تخفى» أيضًا؛ وإذا قلنا إنها لا تخفى فهناك عين مطّلعة بصيرة خبيرة.
من أوتي كتابه بيمينه
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾[2] فهو يباهي بأعماله الصالحة. لكن السؤال: بين من؟ فهو يصيح يوم القيامة ينادي الناس: افرحوا معي! ومن الذي سيفرح معك؟ لا شك، والله تعالى أعلم، أنه ينادي من عرفوه في حياته، من عايشوه ومن شهدوا له بالخير أو حتى بالشر، من ألِفوا منه الكلمة الطيبة، ومن ضايقوه في بعض مواقفه وأحواله. كأنه يقول لهم: كيف حالكم اليوم؟ اقرؤوا كتابي، صفحتي بيضاء!
فما الذي عمله بين يدي الله تبارك وتعالى؟ ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾. و«الظن» إذا ورد في القرآن على لسان أهل الإيمان فمعناه اليقين: كنت على يقين أني ملاقٍ حسابي.
فإذا كان على سبيل اليقين فلماذا جاء بلفظ الظن؟ لأن هذا الموضوع موطن ظنٍّ عند بقية الناس، وظنّ المؤمن غير ظنّ الكافر. فظنّ المؤمن، حتى لو ظنّ السوء، يحمله على أوجه الخير المحتملة فيه ولا يتهم أحدًا. هذه تركيبته وقالبه، يمشي في هذا الخط ولا يعرف غيره، فعينه لا تقع على سوء ولا فاحشة ولا تطّلع على منكر، إلا فيما يجري من محاولات الإصلاح، ومحاولات الإصلاح لا تكون بالعنف ولا بالاتهام، وإنما بالإصلاح.
عيشة راضية
فإذا استعرضنا قوله ﴿لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ ورأينا هذا المشهد العظيم بين يدي رب العالمين، ثم قولَ صاحبه ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾، يقول الله: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾[3]
من الراضي هنا أصلًا؟ ومن الذي ينبغي أن يرضى؟ الظاهر أنه راضٍ عن عيشته، لكن العيشة نفسها «راضية»: كأنه يقول لك إن هذه العيشة مرتاحة في ذاتها، فكل من يفد إليها يرتاح ولا يشقى معها أحد. وفي الدنيا قد يرتاح شخص في مكان ويشقى فيه غيره: واحد يحب الهندسة، عاشقٌ لها يرى نفسه فيها، وآخر مُكرَه عليها يراها أشقّ عمل في الدنيا. وواحد يحب أن يجلس هنا فيتكلم كلمتين، مستريح مسرور يشعر أنه يقدّم خدمة، وآخر مُكرَه يحضر ويتحمل. أما هناك فالعيشة نفسها راضية مستريحة، فكل من أتى إليها رضي.
نسأل الله سبحانه أن يبارك لنا ولكم فيما بين أيدينا من أوجه الخير وأسبابه، وأن يثبّت قلوبنا وعقولنا على طاعته، وأن يبرّئ قلوبنا وعقولنا وأجسادنا مما يغضبه سبحانه، وأن نلقاه يوم القيامة بقلوب سليمة ونفوس زكية وعقول مطمئنة واثقة موقنة، اللهم آمين. ونسأله في هذا اليوم الكريم أن يرزقنا وإياكم رزقًا حلالًا طيبًا مباركًا فيه، برحمته.
--- [1]: توثيق المحرر: سورة الحاقة، الآية ١٨. [2]: توثيق المحرر: سورة الحاقة، الآية ١٩. نُقلت الآية بقدر ما نطق به المتحدث، وكان نطقها في التفريغ مضطربًا. [3]: توثيق المحرر: سورة الحاقة، الآية ٢١؛ وقوله «إني ظننت أني ملاقٍ حسابيه» في الآية ٢٠.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔