أ
ڈاکٹر احمد ابو سیف
اکیڈمی آف امامز
Text size
مضامین پر واپس
مقاصدی تفسیر

سورة الأنعام: مجتمع راقٍ يعرف حدوده، وسورة الدولة المدنية

سورة الأنعام: مجتمع راقٍ يعرف حدوده، وسورة الدولة المدنية

ڈاکٹر احمد ابو سیف•٢٩ أبريل ٢٠٢٦•3 منٹ مطالعہ
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 29 أبريل 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

اللهم سلّم لنا قلوبنا، واحفظ علينا عافية أبصارنا وبصائرنا، وثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويوم يقوم الأشهاد، آمين يا رب العالمين.

الحقيقة أن في تلاوة سورة الأنعام أثرًا خاصًّا في نفوس المؤمنين الذين حمدوا الله تبارك وتعالى في أول السورة على أنه خلق السماوات والأرض وخلق كل شيء. غير أن التشريعات الواردة في السورة تخاطب مجموعة من الفئات.

فئات تخاطبها السورة

فالفئة المؤمنة خاصةً فيما يتعلق بأنواع الطعام، سبحان الله القدير، وتلك من المزايا الموجودة في السورة الكريمة: ماذا نأكل وماذا لا نأكل؟ فإذا بنا أمام خطاب خاص بأهل الإيمان الذين لا يأكلون مما لم يُذكر اسم الله عليه. ثم ترى هؤلاء المشركين الذين حرّموا على أنفسهم ما لم يحرّمه عليهم رب العالمين سبحانه وتعالى، فجعلوا لله شركاء فيما طعموا. ثم ترى خطابًا خاصًّا بأنواع الطعام عندما نتحدث عن اليهود: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ﴾[1].

موقع السورة بعد المائدة

وسرّ هذا التنويع وتناسبه مع موقع السورة: أن سورة الأنعام جاءت بعد سورة المائدة التي تحدثت في الأصل عن الوفاء بالعقود، وأول هذه العقود أحقّ بالالتزام هو العقد مع الله تبارك وتعالى، العقد مع رب العالمين سبحانه. ولذلك ترى سورة المائدة في عمومها تتحدث عن كيفية تعامل المجتمع المسلم مع المجتمعات المحيطة به، وآليات التعاون وأساليبه إلى آخره. فتأتي سورة الأنعام لتغوص معك فيما ينبغي أن تفعله في حياتك اليومية، ثم تتطرق إلى مستوى أعلى من تثبيت الإيمان في داخل نفوس الناس؛ تسمع مثلًا أن الله فالق الحب والنوى، يخرج الحيّ من الميت ومخرج الميت من الحي[2]، وحديث رب العالمين سبحانه عن كيفية إنبات الزرع من الأرض وأنواع هذه المُخرَجات، وكيف أن الماء الواحد الذي يُسقى به الزرع يخرج منه أنواع مختلفة.

منظومة الوصايا

غير أنها تختم معنا، سبحان الله القدير، بمجموعة من المبادئ التي بدأنا الحديث عنها اليوم في صلاة الفجر: ﴿قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا﴾[3]؛ هذا هو البند الأول من بنود هذا العقد بين الله وبين عباده: ألّا تشركوا به شيئًا، وبالوالدين إحسانًا. هذه منظومة القواعد، أو كما نسميها نحن الوصايا العشر التي أوردها رب العالمين سبحانه وتعالى في سورة الأنعام، تخاطب في الحقيقة مجتمعًا راقيًا، مجتمعًا يعرف مبتدأه من منتهاه، يعرف لنفسه حدودًا ويسير في إطارها، ويعيش في الدنيا لا بعشوائية.

فإذا أردنا أن نتعلم اليوم درسًا وباختصار، فإن سورة الأنعام جاءت لتتعامل مع مستوى راقٍ جدًّا من أنماط الآدميين الذين يعيشون في الأرض، يعرفون ما الذي يدخل بطونهم، وما الذي يدور في عقولهم، وكيف تتحرك خطواتهم، وإلى أين ينطلقون، ومتى سيصلون، إلى آخره. هذا الترتيب بهذا الشكل لا يتحدث مع مجتمع غوغائي، وإنما يتحدث مع مجتمع متحضّر.

القرآن صانع الحضارة

فإن قيل لنا يومًا: أين قرآنكم من الحضارة؟ فنحدّث الناس بمنتهى القوة أن قرآننا هو صانع الحضارة في الدنيا. وإذا قيل لنا: إن قرآنكم يهتم بالتفاصيل أم يهتم بتعذيب المشركين بين الحين والآخر؟ فنقول: إن قرآننا قد نظّم لنا خطانا في الحياة خطوة خطوة، وجعل لنا ذلك المنهاج الذي نتحرك في إطاره ولا نخرج عنه، ونظّم لنا قوانين التشريع حرفيًّا.

ودائمًا ونحن نتكلم عن مثل هذه الآيات ﴿قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ترى ما يناظرها في سورة الإسراء: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا﴾[4] إلى آخره. وأنا أسمّي هذه السورة سورة الدولة المدنية؛ كيف أنها جاءت بمنظومة من التشريعات تشابه حرفيًّا نقاط أو بنود الدستور في أي دستور في أي دولة عظيمة جدًّا. فترى القرآن الكريم يضع لك البنود كأنها بنود دستورية تحفظ كيان الأمة.

خلاصة ما أردتُ أن أقوله، وأنا أستلهم هذه المعاني من سورة الأنعام وهي تُتلى علينا: أن رب العالمين سبحانه وتعالى جعلنا في إطار منظّم، في إطار متحضّر، نتذوق معه دلالة مصطلحات المدنية بحرفيتها، ولا ينبغي لمسلم أن يعيش بعشوائية في أي حال من الأحوال، ولا في أي مجتمع من المجتمعات. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

--- [1]: توثيق المحرر: سورة الأنعام، الآية ١٤٦؛ ذكر المتحدث مقطع الآية مجملًا فأثبتنا ما ذكره. [2]: توثيق المحرر: سورة الأنعام، الآية ٩٥؛ نقل المتحدث معنى الآية فلم نثبتها في المتن نصًّا. [3]: توثيق المحرر: سورة الأنعام، الآية ١٥١؛ أثبتنا من الآية بقدر ما ذكر المتحدث. [4]: توثيق المحرر: سورة الإسراء، الآية ٢٣؛ أثبتنا من الآية بقدر ما ذكر المتحدث.

Share this article

تبصرے

مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔

ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔

امید ہے مضمون سے مستفید ہوئے، ہم آپ کے تبصرے اور نصیحت کا خیر مقدم کرتے ہیں۔

شیخ سے پوچھیں