أولو الألباب: الذين يُحسنون الاستماع فيتبعون أحسنه
خاطرة الفجر | د. أحمد أبو سيف | 22 يوليو 2026 | AIA
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 22 يوليو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
افتتح الدكتور خاطرته بدعاء جامع: اللهم إنا نسألك خير هذا اليوم وخير ما فيه وخير ما بعده، ونعوذ بك من شرّ هذا اليوم وشرّ ما فيه وشرّ ما بعده، أصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، وبارك لنا فيما رزقتنا، وقنا عذاب النار، واصرف عنا أسباب العذاب في الدنيا والآخرة برحمة منك ورضوان وكرم. ثم حيّا أهل الفجر ورُوّاد بيوت الله، وسأل الله أن يكتب آثارهم ويحفظ خطاهم ويقضي حوائجهم ويُلبسهم ثياب العافية إلى أن يلقوه يوم القيامة على سُرر متقابلين في الجنة.
أذنٌ واعية تلتقط الخيط
قال: حين تسعد النفس بذكر الله تبارك وتعالى، وتستشعر الأنس به عزّ وجلّ، يقول الله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.[1]
هؤلاء لمجرد أن يلتقطوا الخيط يبدؤون في الانطلاق إلى مراحل ومستويات؛ يمسك الواحد منهم أول الخيط فينطلق إلى ما بعده، وليس انطلاقه استمرارًا في مجرد السماع. وفي دنيانا من يسمع ويستمتع بما يسمع، عاشقٌ للصوت والأداء واللحن والموسيقى، وهؤلاء «سَمِيعة». أما نحن فعلى الطرف الآخر: نستمع بأذن واعية، متدبّرة، مستأنسة بالله إلى الحدّ الذي يحمل صاحبها على أن يبدأ الاتباع.
الفاعل هو الله، والاستحقاق للألباب
ثم تأمّل الآية: فهؤلاء أصحاب هداية، ﴿هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾، فليسوا هم الفاعلين وإنما الفاعل فيهم ربُّنا عزّ وجلّ، أخذ بنواصيهم فهداهم. لكن كيف استحقّوا ذلك؟ إنهم كانوا أولي الألباب. وهذه الألباب تتفكّر في ربّها، وتأنس به، وتعمل له، وتضحّي لأجله، وتبذل في سبيله؛ لا تُقعد أبدانها ولا تُريح نفوسها. إنها عقول متفكّرة دائمًا.
ولو تتبّعنا ذكر أولي الألباب لوجدنا أن الله ذكرهم في موطن آخر: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.[2] بمثل هذا وصف الله أولي الألباب: الذين لا تسكن عقولهم أبدًا. ولا يرتبط هذا بشهادة، ولا بدكتوراه، ولا بمنصب، ولا بزيّ، ولا بشيء.
الفلّاح الذي رزقه الله عقلًا
وأذكر يومًا أن كان لوالدي رحمه الله صديق زرناه في مزرعته. رجل فلّاح من الألف إلى الياء، لا يُدرك شيئًا من أبعاد الحياة من حيث المظهر، لم يتخرّج في مدرسة ولا نال شهادة، فلّاح بسيط جدًّا. ذهبنا لنقضي حاجة، وبينما هم يتكلمون سُئل الرجل عن أمر يجري في بلد أوروبي، لا أذكر تحديدًا، فإذا به يتكلم في ذلك الشأن. فقلت في نفسي: ما حكاية هذا الرجل؟ وبعد أن مضينا في مشوارنا الطويل قال لي والدي: يا ابني، من رزقه الله عقلًا لا يخيب له حالًا. أرأيتَ كل هذا الذي فيه الرجل؟ قلتُ: ما شاء الله، خير كثير جدًّا. قال: هذا لا يحسن أن يفكّ الخطّ، لكن آتاه الله تبارك وتعالى عقلًا يفكّر، ففتح له من أبواب الدنيا والثقافة واستيعاب مجريات الحياة ما لم يُفتح لأصحاب مناصب كبيرة جدًّا، بل وهم يتولّون شؤون الناس وهم لا يفهمون شيئًا، مساكين.
فربّ العالمين سبحانه يحدّثنا عن أولي الألباب. وتخيّلْ معنى «اللُّبّ»: لبّ الشيء، مخّه من داخله. فهؤلاء الذين يُحسنون التركيز والتفصيل في التفاصيل، يُحسنون التدبّر والتفهّم والفكر، ويُحسنون استيعاب أعماق المسائل: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾.
كم من قول نسمعه ولا نتعظ به
كم من قول نستمع إليه ولا نتعظ به! ولو قال أحدنا إن المراد بالقول قولُ الله في القرآن فقط، فذلك تضييق لواسع. فربّنا يسوق لنا في كل يوم من العِبَر، حتى على ألسنة العوامّ، ما ينبغي أن نتعلّم منه أيّما تعلّم. فربّ قائل لجملة، أو كلمة عابرة، أو شيء يرد على ذهنك، أو عبارة تمرّ أمام عينيك، يكون فيها من الإيقاظ لك ما لا تُدركه لو بقيتَ تفكّر سنوات.
وهذا يذكّرني بخاطر الإمام ابن الجوزي رحمه الله، وكتابه المحترم «صيد الخاطر». ما معنى «صيد»؟ شيء مرّ على دماغه فكتبه بسرعة. ويذكر في مقدمته كم من خواطر تعمر بها الدنيا لا توجد، لأن أصحابها لم يقيّدوها، فعمد إلى أنه كلما وردت له فكرة صاغها وكتبها. وقد جرّبتُ هذا مع أدوات الذكاء الاصطناعي الموجودة حديثًا، سبحان الخلّاق العليم: تأتيك فكرة، تفتح التطبيق وتُملي عليه، تقول له: ما رأيك في هذه الفكرة؟ عندي في خاطري كذا وأريد أن أدوّنه، فيدوّنه لك بأحسن صياغة. وهذا موضوع مستقل، لكن ربّنا يسوق إلينا من الخير ما لا يُدرك أبعادَه إلا هو عزّ وجلّ.
الخاطر وصفة طبية
أنتم تعرفون الأطباء الماهرين؛ إذا عرف الطبيب الداء عند المريض كتب له وصفة تناسب جسده وبيئته وحاله وأعراضه الجانبية وتاريخ هذا البدن. فإذا أمرّ الله على قلبك خاطرًا فقد أعطاك وصفة طبية، أعطاك دواءً لشيء علم أنك تحتاج إليه. فلا تُضيّع هذا. هؤلاء أولو الألباب الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وهم قد مرّوا بمرحلتين: المرحلة الأولى ﴿هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾، والمرحلة الثانية ﴿وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
مقارنة ينقصها شقّها الآخر
ثم يعقد ربّنا سبحانه مقارنة بسيطة جدًّا، وسأختم بها لضيق الوقت. الآية التي بعدها: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾.[3] أهذا سؤال أم جواب؟ إنه سؤال، ومن شأن «أمَن» أن نضع المقابل بعده: أفمن حقّت عليه كلمة العذاب أم من حقّت له كلمة النجاة؟ فعندنا شِقّان، لكن الآية لم تضع الشقّ الآخر ولم تجعل لنا اختيارًا آخر، بل قالت: ﴿أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾.
وعندنا موضع آخر على الطريقة نفسها: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾.[4] لم يقل بعدها: «كمن هو لاهٍ في نهاره وليله» أو ضعْ ما شئتَ؛ الشقّ الآخر غير موجود، «أمَّن» واحدة فقط. والطبيعي في الجملة أن توجد مقارنة بين طرفين: طائع وعاصٍ، طرفٌ حقّت عليه كلمة العذاب وطرفٌ حقّت له كلمة الجنة. لكن الشقّ الثاني غير موجود، فكيف ذلك؟ لأن الأصل في أهل الإيمان أنهم أصحاب قنوت، لا يختلفون عليه ولا تتبدّل أحوالهم ليلة واحدة.
ثم يأتي بعدها: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ونحن ما زلنا في السياق نفسه. فكان الفارق بين القانت في الليل الملبّي لنداء الله وبين المهمِل هو العلم والجهل. فالذين لا يقومون الليل انتفت عنهم هذه الصفة، فليسوا أصحاب علم، وإن تحدّثوا على المنابر، ووقفوا في الناس، وعُدّوا في الخلق، وكتبوا المؤلفات، وصنّفوا الدساتير، وبلغوا آفاق السماء في المناصب؛ لا، ما عندنا علم. لو وُجد العلم لوُجد معه القنوتُ لله، وتنتهي المسألة.
الدعاء
فأسأل الله أن يجعلنا من أولي الألباب، الذين يتفطّنون إلى مقامهم الذي اختارهم الله إليه وانتدبهم لمهمّتهم، ويُبصرون ما بين أيديهم، ويُحسنون استماع القول واتباع أحسنه. اللهم آمين يا ربّ العالمين.
--- [1]: توثيق المحرر: من سورة الزمر، الآيتان 17–18. قرأ المتحدث الآية مجزّأة (فبشّر عباد … بشّر عبادي …) ثم ساقها كاملةً. [2]: توثيق المحرر: من سورة آل عمران، الآية 191؛ وقد ساق المتحدث الآية بالقدر المثبت. [3]: توثيق المحرر: من سورة الزمر، الآية 19. [4]: توثيق المحرر: من سورة الزمر، الآية 9؛ ومنها أيضًا ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ التي ذكرها بعدها.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔