﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾: السنن الإلهية والكونية ونفسية المؤمن المتينة
﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾: السنن الإلهية والكونية، ونفسية المؤمن المتينة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 16 مايو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
سأل الدكتور أحمد ربَّه في مستهلّ الخاطرة أن يصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، وأن يهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، وأن يبارك لنا فيما رزقنا، وأن يقينا عذاب النار ويصرف عنا أسباب العذاب في الدنيا والآخرة. ثم قال:
جملة تتكرر في القرآن
﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾[1]. جملة تتكرر كثيرًا في القرآن الكريم بصيغ مختلفة وحروف قليلة متباينة، والمعنى واحد: أن الله عز وجل لا يظلم أحدًا، ولكنّ الناس أنفسهم يظلمون. فكيف نفهم ذلك، وكثير من الخلق يتعرضون لأحوال قاسية وشديدة في مجالات حياتهم؟
سنن إلهية وسنن كونية
الجواب أن الله تبارك وتعالى وضع في الكون سننًا إلهية وسننًا كونية. والفارق بينهما أن السنة الإلهية قانونٌ يرتبط بالعلاقة بين الله وبين الناس. ومثاله قول النبيّ ﷺ: «أشدّ الناس بلاءً الأنبياء». فتسأل: الأنبياء بلغوا من التقوى والهدى والفلاح ما لم يبلغه أحد، فكيف يكونون أشدّ الناس بلاءً؟ هذه سنة إلهية.
أما السنة الكونية فإن الله تبارك وتعالى أخبر أن الجسد مكوَّن من مكوّنات، وأن هذه المكوّنات إذا تعرضت لكذا حصل لها كذا. فإذا بإنسان يقول: الله سبحانه وتعالى أمرضني! وهو قد دخل حمّامًا ساخنًا بماء حارّ جدًّا ثم خرج فجأة إلى الهواء، فأصاب جسدَه لفحُ برد، فمرض وسقط في فراشه إلى وقت، ثم يعلّق الأمر بالله تبارك وتعالى.
وحين يقول ربنا سبحانه إنه لا يظلم أحدًا، فهذا علاج لما يريد الشيطان أن يبثّه في نفوس الناس من أن ثمّة مظلومين في الأرض. لا؛ فمهما كانت حالنا، وفي أعلى مقامات الدنيا، فذلك ابتلاء واختبار، وربنا لا يظلم أحدًا؛ وفي أدنى مستويات الحياة فذلك اختبار ربّ العالمين سبحانه وتعالى. وخلاصة السنن الإلهية أنها التكليف: كلّف الله عز وجل الناس بأنواع من التكاليف، ووجب عليهم أن يتعاملوا معها، فإن لم يتعاملوا معها وقعت عليهم عقوبات.
وأما السنن الكونية فكما ضربنا مثلًا: رجل يعبر الطريق فتصدمه سيارة، فيقال له: يا بنيّ، لماذا لم تنظر يمينًا وشمالًا؟ فيقول: توكّلت على الله. وليس هذا هو التوكل، وإنما التوكل أن تنظر يمنة ويسرة، وتتبع الأسباب، وتسرع في الخطى، وتقيس المسافة بين السيارة الآتية وخطواتك التي ستعبر بها، وعرض الطريق إلى آخر ذلك. فهناك حسابات كثيرة جدًّا تدور في الذهن عندما تريد أن تفعل شيئًا.
كرم الله يجازي بما لم يُعمل
ثم إن الله سبحانه وتعالى، وقد أخبر أنه لا يظلم أحدًا، كرمُه عظيم وعميم حتى إنه ليجازي الناس أحيانًا بما لا يعملونه. وقد وقع في نفسي، قبل أن نستمع إلى التلاوة، حديثُ النبيّ ﷺ وهو عائد مرة من غزوة غزاها ومعه أصحابه، إذ حدّثهم فجأة، فيما رُوي عنه ﷺ، أن بالمدينة أقوامًا ما سار الغزاة مسيرًا ولا قطعوا واديًا إلا كتب الله لهم من الأجر مثل ما كتب لهم[2]؛ أي أن أولئك لم يتحرّكوا معهم، والغزاة ما حرّكوا خطوة ولا أنفقوا نفقة ولا سعَوا سعيًا ولا بذلوا جهدًا يرجون به الأجر من الله إلا وقد كتب الله لأولئك مثله. فقالوا: كيف يا رسول الله؟ ففي منطق الحياة: هل يستوي العاملون والقاعدون؟ هل يستوي من عمل ومن لم يعمل؟ فقال ﷺ: «حبسهم العذر».
وتخيّل مشهد أولئك الذين وردت علينا التلاوة بشأنهم: تولّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألّا يجدوا ما ينفقون. فلو وجدوا ما ينفقون فأين مقامهم؟ مع الساعين. ولو وجدوا ما يحصّلون به الإنجاز لكانوا مع السابقين.
ولذلك ترى من كرم الله وفضله ما رُوي عن النبيّ ﷺ من أن درهمًا سبق ألف درهم[3]. والألف هنا مضروبة على سبيل التكثير لا على سبيل الإحصاء؛ فرُبّ درهم سبق مليون درهم، ورُبّ درهم سبق بليون درهم. كيف ذلك؟ إن في الحديث ما دلالته أن واحدًا من الناس أنفق ألفًا من جملة مليون، فما أنفقه نسبةٌ ضئيلة من جملة ماله. أما آخر فأنفق درهمًا واحدًا وهو يملك درهمين، فأنفق نصف ما يملك. فكانت العبرة، أو اعتبار ربّ العالمين سبحانه وتعالى لما يصدر عن الناس، ليس بكثرته ولا بكمّه، وإنما بمتانة النفس التي تنتج هذا العمل. فلنا أن نحصّل نفسيات تتحدث مباشرة مع الله: إني أريد أن أفعل ولا يحبسني عن العمل إلا العذر.
ودائمًا نسوق هذا الحديث عندما نتكلم مع من عجزوا عن الذهاب إلى مكة للحج، فنبشّرهم بأن الله تبارك وتعالى كتب لهم من الأجر مثل ما كتب لأولئك في سعيهم وطوافهم وخُطاهم وذهابهم وإيابهم ونحرهم وهديهم، لأن العسر حبسهم فلم يتمكنوا من ذلك، والأعذار كثيرة كما تعلمون. ونسأل الله البركة للقاعدين وللمنطلقين بإذنه تبارك وتعالى.
نفسية المؤمن المتينة
لكن الشاهد في القول نفسيةُ المؤمن، وهو الأمر الذي أحرص دائمًا على تكرار الكلام فيه: نفسية المؤمن المتينة التي تصمد أمام النوائب، وهي نوائب عند الناس ولكنها منح عندنا؛ التي تقوى على مزيد من العمل والسعي فلا تكلّ ولا تكسل؛ التي تُثقل نفسها بمزيد من الإنجاز، فكلما أنجزت شيئًا استشعرت مزيدًا من الحيوية والانطلاقة نحو مزيد من الأعمال. فلا تقعدنَّ بنا الهمم، فإن الجنة هي المبتغى، ومن كان مبتغاه الجنة كان سعيه بقدر ما يريد أن يحصّل. والناس يُقاسون بقدر طموحاتهم، ومن كان طموحه ما عند الله كانت همّته لا بدّ أن تبلغ السماء.
أسأل الله أن يمكّن لكم، وأن تقووا، ولا يشعرنّ أحدٌ منّا بالضعف، فإن الضعف من وسائل الشيطان في إخماد حركة البدن. سلّم الله القلوب، وحفظ العافية، وأمّن النفوس، وطيّب الخواطر، وقبل الله الأعمال.
--- [1]: توثيق المحرر: نطق المتحدث بالجملة بمعناها العام ولم يعيّن سورةً ولا موضعًا؛ وهي تتكرر في مواضع (منها التوبة: 70، والعنكبوت: 40، والروم: 9)، ولا يُجزم هنا بموضع بعينه. [2]: توثيق المحرر: الحديث منقول بمعناه على لسان المتحدث بلا عزو، وأصله في الصحيحين من حديث أنس وجابر رضي الله عنهما بألفاظ مقاربة (منها «حبسهم العذر» و«حبسهم المرض»)؛ فلا يُنسب إليه لفظ المتحدث حرفيًّا. [3]: توثيق المحرر: نقله المتحدث بالمعنى بلا عزو (رُبّ درهم سبق ألف درهم)؛ والمعروف في الحديث (عند النسائي وأحمد من حديث أبي هريرة) لفظ «سبق درهمٌ مائةَ ألف درهم»، فلا يُثبت اللفظ المنقول في المتن على أنه نص الحديث، ويُراجع قبل النشر.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔