خاطرة [ من هدايات سورة الفاتحة ]
من هدايات سورة الفاتحة — الحمد والربوبية والرحمن والرحيم ومالك يوم الدين
المناسبة: تفريغ خاطرة أُلقيت بتاريخ 25 سبتمبر 2021م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
اللهم إنا نسألك الخير كله عاجله وآجله، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ونسألك سلامة قلوبنا وعقولنا وعافية أبداننا. ثم حيّاكم الله، فبين الحين والآخر نحتاج أن نذكّر أنفسنا بدلالات سورة الفاتحة.
مفتاح الصلاة
هذه السورة الكريمة جعلها الله تعالى مفتاحًا لصلاته. وتخيّل مفتاح الصلاة كمفتاح غرفتك الخاصة داخل البيت. فالبيت الكبير هو الإسلام، ومفتاحه «لا إله إلا الله، محمد رسول الله». أما الخزينة التي تحفظ فيها ممتلكاتك، وتودع فيها خصوصياتك، وتعبّر فيها عن خلوتك بذاتك، فهي الصلاة. وقد جعل الله مفتاح الصلاة سورة الفاتحة؛ والصلاة هي التي يخلو العبد فيها بربه، ورُوي أن أول ما يُحاسَب عليه العبد يوم القيامة صلاتُه، فإن صلحت صلح سائر عمله وإن فسدت فسد سائره. وقد افتُتحت بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
«الفاتحة» اسم توقيفي
علمتم أن اسم «الفاتحة» اسم توقيفي، وأسماء السور كلها توقيفية. ومعنى توقيفي: أنه ليس اجتهاديًّا، بل هو موقوف على ما جاء به الوحي. وهذا ما أدين به لله: أن كل ما في كتاب الله منقول من رب العزة إلى جبريل عليه السلام، إلى محمد ﷺ، إلى الصحابة. ثم نسأل: ماذا تعني كلمة «الفاتحة»؟ هل هي فاتحة القرآن وحسب، أم هي فاتحة لكل ما يمكن أن يكون مغلقًا؟
الحمد يفتح لك كل شيء
أنت تبدؤها بالحمد لله، والحمد يستوجب أن تذكر نِعَم الله عليك. وتخيّل أنك ترفع سماعة الهاتف تكلّم إنسانًا، وفي كل مرة تذكر له أفضاله عليك ومعروفه الذي لا تستطيع أن ترده، وتكلمه بمنتهى الإجلال: ألا يمنحك هذا مزيدًا من العطاء؟ إذا أشعرتَ من تحدّثه أنه صاحب فضل عليك، فلا شك أنه يعطيك أكثر. فإذا أُغلقت أبواب المصالح الدنيوية، وتعاملتَ بالحمد مع رب العالمين سبحانه، فتح لك. فمفهوم الحمد أنه يفتح لنا كل شيء.
رب العالمين: التعهّد والرعاية
ثم إنه ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وقد كررنا كثيرًا أن الربوبية من التعهّد، أي التربية والرعاية، ومفهومها أن يجلب كل نفع ويدفع كل ضر. وكما ترعى ولدك فتأتيه بكل ما فيه نفع له وتمنع عنه كل ما فيه ضرر، فأنت تقول أمام كل شيء تفعله في الحياة: ربّ العالمين، أي أنه يرعاني، ويتعهد مصالحي، ويترفق بي ويتلطف بي، ويعطيني هذا الأمن وهذه السكينة والطمأنينة والحماية، ويفتح بين يدي الأسباب ويفتح لي مغاليق الأبواب، ويُيسّر لي كل سير ويهوّن عليّ كل صعب. سبحان الخلّاق.
الرحمن والرحيم
مما قيل في الفرق بينهما، وما أفهمه، أن «الرحمن» معبّرة عن عِظَم العطاء. فإذا سألتَ ربك شيئًا فإنه يعطيك، وإذا أعطى لأنه رحمن فعطاؤه لا حد له ولا نهاية. أما «الرحيم» فتفيد مدة العطاء: إلى متى؟ إلى ما لا نهاية. فهو الرحمن في عِظَم عطائه، الرحيم في مدّته.
وقيل في الفرق أيضًا: الرحمن هو المنعم بجلائل النعم، والرحيم هو المنعم بدقائقها. فتأتي «الرحمن» مناسبةً للعطاءات العظيمة في الحياة، و«الرحيم» للأشياء الدقيقة الصغيرة. ولننظر في أجسادنا: القلب شيء ضخم جدًّا يقوم بمهام عظيمة، لكن في داخله دقائق. وقطرة الدم، والشعيرات التي تشعر فيها بالألم، والجهاز العصبي والهضمي والتنفسي: كل ذلك من دقائق هذا البدن، وهو في الوقت نفسه من عظائمه. ولن تجد في خلق الله شيئًا دقيقًا إلا ووجدته في ذاته عظيمًا. فكأن «الرحمن» تصوّر لك عِظَم ما أنت فيه، و«الرحيم» تصوّر لك قدرة الله على الإحاطة بهذا العظيم الذي تصورته.
وقيل: الرحمن هو المنعم بنعم عامة تشمل جميع الناس مؤمنين وكفارًا. فقد قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، وهذا يشمل المسلم والكافر، والموحِّد والمشرك، والعاصي والطائع، والبَرّ والفاجر. وقيل: الرحيم خاصة بالمؤمنين. فنحن لنا عطاءات مختلفة عن عطاءات غيرنا؛ فالرحمن يتكلم عن عطاءات كل الناس، والرحيم عن فئة خاصة من الخلق. فاسأل نفسك: بماذا نتميز كمؤمنين عن بقية الناس؟ سكينة القلب، وطمأنينة النفس، وراحة البال، والخشوع في الصلاة؛ وهذا لا تجده عند ناس كثيرين. فكأن ربّ السماوات والأرض يمنح هذه الخصائص لخصوص عباده، والرحمن يعطي كل شيء لأي أحد في ما لا يخص أهل الإيمان والتوحيد.
وهذا الشعور بالاستقرار قد يبذل الناس خزائن الأرض كلها ليحصلوا عليه، ليضعوا رؤوسهم وينامون. (ويمازح فيقول: يا عم أنت يا من تشخر، صوتك يملأ الدنيا! فيُقال: دعه، هو في ملكوت آخر، ليس هنا، إنه نائم.) فتقول لي: الناس كلهم ينامون! لكن فرق كبير بين من ينام ونفسه مستريحة وقلبه متسق مع نفسه وخاطره هادئ، وبين من ينام منزعجًا مثقلًا ليس متسقًا مع ذاته، لأنه يحيا في معصية الله وينام في معصية الله، والعياذ بالله. تخيّل واحدًا نائمًا وقد سُكرت رأسه من الخمر، وآخر يقول: «اللهم إني وجّهت وجهي إليك، وفوّضت أمري إليك، وأسلمت ظهري إليك رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت».[2] وقد قرأ آية الكرسي والمعوذتين وقرأ القرآن، فينام هادئًا مطمئنًّا، ويستقبل غده أحسن مما استقبله أمسه، منطلقًا نشيطًا، يعرف أن له في الحياة غاية وهدفًا، وأنه فيها مستقر. وآخر، أعزّكم الله، كالأنعام، كالبهيمة المطلقة في الدنيا. فرق كبير بين هذا وذاك.
وقيل إن «الرحمن» لا يُطلق إلا على الله عز وجل، و«الرحيم» يمكن أن يُطلق على الناس، كما يُضرب المثل بصيغ مثل «عليم» و«حكيم» و«جميل» و«حنين»، فهذه تشترك فيها الصفات مع الناس وليست خاصة بالله. فإذا كانت «الرحمن» خاصة بالله، فلماذا يُذكر معها ما يشترك فيه البشر؟ والذي أفهمه من ذلك: أنك ربما ترى صلاح حالك فيما يملكه الخلق، وما يملكه الخلق يملكه الله. فاللجوء إلى الأكبر المهيمن على الوجود أحسن من اللجوء إلى ما في أيدي الأصغر. فلجوؤك إلى الله «الرحمن» يسخّر لك رحمة كل الرحماء الذين حولك، فلا تحصل على رحمة من اشتركوا مع الله في الصفة، وإن اختلف الفعل، إلا بإذن الرحمن سبحانه وتعالى.
ماذا لو قلناها بحضور؟
فتخيّل أنك تقرأ «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم»؛ تشعر بالاستقرار والطمأنينة. وانتبه أنك تقول هذا الكلام سبع عشرة مرة كل يوم. فلماذا تخاف من الغد؟ لماذا تحمل همّ الرزق؟ لا بد أن واحدًا منا اليوم ما قال «الرحمن الرحيم» (يقولها مازحًا: أنا وزوجتي، واحد فينا ما قالها، ولذلك عندنا مشكلة!). وربما لماذا عندي مشكلة مع زملاء العمل؟ يبدو أن واحدًا منا اليوم ما قال «الرحمن الرحيم». ولما اختلّت نِسَب الخشوع والتركيز فيما نقرأ ونتلو، اختلّت منظومة الفهم عندنا. والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.
مالك يوم الدين
وفي هذه السورة العظيمة تذكير باليوم الآخر، وهو الغاية التي ننشدها وننظر إليها بأعيننا وقلوبنا. فإذا قلتَ الآن: أريد أن أفرغ من عملي لأعود إلى أهلي، وتفرغ من صلاتك لتعود إلى أهلك وبيتك، فآخر ما في اليوم أن نعود إلى أهلنا، لكن آخر ما في الحياة أن نعود إلى الجنة.
ثم يذكر حال أهل الجنة على السُّرر متقابلين، يطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾[1]. ذكريات، يحكون حكايات جميلة حصلت لهم في الدنيا، مرّوا بها كتجارب وعبروا منها.
الهداية بيد الله
ولما كان القرار بالهداية بيد الله تبارك وتعالى، جاء هذا الإعلان: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؛ فلا نستطيع حتى العبادة إلا بعونه. ﴿اهْدِنَا﴾: ولا تَكِلْنا إلى أنفسنا فنضلّ أو يُغضب علينا. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. اللهم لا تضلنا، آمين، ولا تُضِلَّ بنا، واجعلنا هداةً مهتدين، وارزقنا ربنا حسن البلوغ إلى ما أردتَ منا من أداء أمانة البلاغ عنك.
اللهم إنا نسألك الستر التام والعفو الكامل والرحمة الواسعة والمغفرة التامة. اللهم أسدل علينا سترك، وتلطّف بنا وارحم ضعفنا وأقل عثراتنا، وأهدنا سبلنا ويسّر لنا أسباب طاعتك ما حيينا، وتوفّنا على الإسلام، ولا تقبضنا إلا وأنت راضٍ عنا يا رب. اللهم اختم بالباقيات الصالحات أعمالنا، وارزقنا حسن العاقبة في أمورنا كلها، وأوردنا موارد النجاة، ولا تسلّط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا. اللهم إنا نسألك رحمتك ومغفرتك وعفوك ولطفك وكرمك وعونك، ونسألك يا رب العالمين أن ترزقنا شربةً من حوض نبيك لا نظمأ بعدها أبدًا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
--- [1]: توثيق المحرر: المقطع المتلوّ من سورة الطور: 25–28 (والإشارة إلى الغلمان قبله بالمعنى من الآية 24)، وقد نُقل على ما تُلي في التفريغ المضطرب وضُبط على نص القرآن؛ والآيات الأخرى: الفاتحة: 2 و4–7، وهود: 6 (جزء من الآية كما ذُكر). [2]: توثيق المحرر: هذا دعاء النوم المأثور، وهو في الصحيحين من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، ولفظه فيهما «وألجأت ظهري إليك»؛ وقد نقله المتحدث على لفظه المنطوق.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔