أ
ڈاکٹر احمد ابو سیف
اکیڈمی آف امامز
Text size
مضامین پر واپس
حکمتیں اور بصیرتیں

الفضيل بن عياض: بكاء عرفة والرضا عن الله

الفضيل بن عياض: بكاء عرفة، وولدٌ وبنتٌ على طريق أبيهما، والرضا عن الله (من سلسلة معالم الهداية)

ڈاکٹر احمد ابو سیف•٢٢ مارس ٢٠١٩•12 منٹ مطالعہ
المناسبة: تفريغ خاطرة عشاء أُلقيت بتاريخ ٢٢ مارس ٢٠١٩م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا وآخرتنا، اللهم هيّئ لنا من أمرنا رشدًا، وبارك لنا فيما رزقتنا، وقِنا عذاب النار يا ربّ العالمين.

في حلقاتنا حول «معالم الهداية» كنّا قد تحدّثنا عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى، وذكرنا طرفًا من سيرته. وكان في بداية حياته رجلًا ممّن أخذتهم الدنيا وذهبت بهم أهواؤهم؛ يقطع الطريق على الناس، ويعتدي عليهم، ويسلبهم أموالهم ومتاعهم. ثم شاء الله سبحانه وتعالى، بسببٍ من الأسباب، أن يهديه حين سمع قوله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾[1] فكان جوابه: قد آنَ يا ربّ، الآنَ.

من قاطع طريق إلى جار البيت

مضى في طريقه إلى التوبة. وفي الليلة التي تاب فيها إلى الله سمع ناسًا يحذّر بعضهم بعضًا من السير في هذا الطريق لأن فيه الفضيل بن عياض، فأخبر مَن حوله بعزمه على مجاورة الكعبة.[2] وقد ذكرنا أنه مرّ في طريقه بأهل العلم وجلس إليهم، وواصل رحلته متجهًا إلى الحرم المكي.

عرفة: بكاءٌ يحول دون الدعاء

وهناك كان من أبرز الخلق في مشاهد التعبّد لله تبارك وتعالى. يروي لنا الإمام ابن الجوزي رحمه الله في «صفة الصفوة» عن مهران بن عمر قال: سمعتُ الفضيل بن عياض عشيّة عرفات بالموقف، وقد حال بينه وبين الدعاء البكاء.

وأحيانًا يا إخواني لا يستطيع الإنسان أن يستكمل ما يريد قوله وهو يناجي ربّ العالمين، فيغلبه البكاء حتى يمنعه من إتمام دعائه. وهذه حالة من حالات الخشية لربّ العزة سبحانه؛ يبكي العبد، ولا يكون اللسان هو الذي يتحدّث، وإنما تكون المشاعر ووجدان الإنسان من داخله هو الذي يعبّر عن حاله.

وكان يقول ويردّد: واسوأتاه! أي: يا فضيحتي! هو يستشعر ألم ما كان يفعله من قبل من الاعتداء على الخلق وسلب الأموال، ويتخيّل أنه إذا مثُل بين يدي الله، وقف أمام ربّ العزة والناس جميعًا يشاهدون هذا الحساب وهذه الفضيحة على الملأ، أيّ ذنبٍ يستطيع أن يخفيه، وأيّ شيءٍ لا يشتهر على مسامع الناس؟ فكان يقول: واسوأتاه، وإن عفوتَ عني! أي: وإن عفوتَ فعندي رصيدٌ من السيئات.

وقد يقول قائل: إذا عفا الله عزّ وجلّ عن العبد فكيف يقول ذلك؟ ونقول بدايةً: هذا حال من بلغه الوجد؛ هو في مرحلة من مراحل الإحساس بالذنب والندم، يتكلّم فيها عن حاله هو، وإن علم أن الله تعالى يمكن أن يعفو عنه، إلا أنه يحدّث بحالة الوجد التي هو فيها.

وقال إسحاق بن إبراهيم الطبري: وقفتُ مع الفضيل بن عياض بعرفات فلم أسمع من دعائه شيئًا، إلا أنه وضع يده اليمنى على خدّه وطأطأ رأسه يبكي بكاءً خفيًّا، فلم يزل كذلك حتى أفاض الإمام، فرفع رأسه إلى السماء وهو يقول: واسوأتاه منك وإن غفرتَ! يعني: أيّ نوعٍ من الخجل أشعر به بين يديك، حتى وإن عفوتَ عني! فلا يزال شعوره بالخجل قائمًا أمام ربّ العزة سبحانه وتعالى.

طاعةٌ لا يفيق صاحبها إلا على مزيد منها

وتخيّل إنسانًا خرج من عهد المعصية، من عهد الخروج عن أصل التطهّر والتعبّد لله سبحانه، إلى عهد آخر أقبل فيه على الله تبارك وتعالى. كانوا يصفون صلاته فيقولون: كان يُلقى له حصيرٌ في مسجده، فيصلّي من أول الليل ساعة، يقف: الله أكبر، يصلّي ساعة، ثم تغلبه عينه فيُلقي نفسه على الحصير فينام قليلًا، ثم يقوم، فإذا غلبه النوم نام، ثم يقوم يصلّي، وهكذا حتى يصبح. وكانت عادته إذا غلبه النعاس أن ينام حتى يفيق، فإذا هو لا يفيق إلا على مزيد من الطاعة.

علي بن الفضيل: «أخاف ألا تجمعنا القيامة»

ويروون عن أحد أولاده، وكان له ولد اسمه عليّ، فيقولون: لم نرَ ولدًا بلغ من الطاعة ما يتفوّق به على أبيه مثل عليّ بن الفضيل بن عياض. ونسمع مشهدًا من مشاهده؛ يحكيه الفضيل فيقول: رأيتُ ابني عليًّا يبكي، فقلت: ما يبكيك يا بني؟ فقال: والله يا أبتِ أخاف ألا تجمعنا القيامة.

تأمّل: الولد يخاف من ماذا؟ يخاف إذا كنّا يوم القيامة ألا نجتمع سويًّا. هذا هو همّه! وتخيّل أولادنا ونحن نفكّر في ماذا؟ نفكّر في متاع الدنيا والغُنم فيها، والمكاسب الدنيوية، والشهرة بين الناس، وصحبةٍ تشهد لك بكذا؛ نفكّر في المزيد مما بين أيدينا، في مظاهرنا وأشكالنا وألواننا والمناطق التي نتحرّك فيها ونمرح. تلك هي الدنيا التي بين أيدينا، والولد يبكي أنه قد لا يجتمع بأبيه يوم القيامة.

وقد ذكّرنا هذا بأحد أصحاب النبي ﷺ حين أتاه باكيًا، فسأله عن بكائه، فقال: يا رسول الله، استحضرتُ القيامة فخشيتُ ألا أكون معك. فسأله النبي ﷺ: أتحبّ؟ قال: أحبّك يا رسول الله. فبيّن له ﷺ أن «المرء مع من أحبّ».[3] هذا حال البشر الذين يستشعرون اختصار الدنيا في كلمتها: إنها دنيا، ليست الأعلى بل الأدنى، أما الآخرة فهي الحيوان، أي الحياة الحقيقية بين يدي ربّ العالمين سبحانه وتعالى.[4]

ثم قال له: يا أبتِ، سَلِ الذي وهبني لك في الدنيا أن يهبني لك في الآخرة. أي: ادعُ ربّنا، كما وهبني لك في الدنيا ولدًا، أن يهبني لك في الآخرة. ونحن ما اخترنا أن يكون هذا الولد ابننا؛ الله سبحانه وتعالى أراده واختاره لنا بشكله وهيئته ومواصفاته وتركيبه النفسي والعقلي. الله اختار لنا هذا الولد ليكون ولدنا، وهو هبةٌ من الله تبارك وتعالى. فهو يقول له: كما وهبتني لك في الدنيا فادعُ الله أن يهبني لك في الآخرة. وهو يعلم من صلاح حال أبيه أنه بإذن الله في الجنة، ويريد أن يكون معه، وما يبكيه إلا أنه يخاف الفراق الذي قد يحصل حين يلقون الله تبارك وتعالى.

قال الفضيل: لم يزل، أي بني، منكسر القلب حزينًا. ثم قال: كان يساعدني على البكاء، يا ثمرة قلبي، شكر الله لك ما قد علمه فيك. وكان هذا الكلام بعد أن توفي الولد في حياة أبيه.

وقد مات عليٌّ من آية سمعها من تالٍ يقرأ القرآن. قال أبو سعيد الخرّاز: سمعتُ إبراهيم بن بشار يقول: الآية التي مات منها عليّ بن الفضيل هي قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ﴾[5] هذه هي الآية التي مات الولد على إثرها.

عالمٌ غير عالم الأخذ والعطاء

يا إخواني، حين نتكلم عن المشاعر وعن الإحساس فنحن نتكلم عن عالم مختلف عن عالم الأخذ والعطاء والمادة والتحكّمات التي تتحكّم فينا في الدنيا. نتكلم عن مستوى آخر من التفكير، عن أولئك الذين أحسّوا هذا الإحساس. ترى الولد الصغير الذي يحبّك، يُقبل عليك، فإذا غضب منك أعرض عنك. الإحساس هو الذي يتحكّم في الحركة البشرية؛ فإذا أحببتَ شيئًا أقبلتَ عليه، وإذا أحببتَه وأقبلتَ عليه قد تُفني نفسك من أجله. نحن نتصوّر أن يموت الإنسان من أجل لقمة العيش، لكننا لا نقدر أن نتصوّر أن يموت إنسان لأنه سمع نصًّا من القرآن الكريم فأثّر في قلبه وفؤاده فخرج من هذه الحياة بسببه. أحسَّه، واستشعره، وعاشه ولو للحظات.

ابنته: «قد بسط الله لي من ثوابها»

والعجيب في الموقف أنه كانت له ابنةٌ لا تقلّ ورعًا عن أخيها ولا عن أبيها. اسمع ما يقول الراوي: وكان الفضيل، وهو الذي يخشع له الرشيد، ويبكي لنصائحه الأمير، ويتأثر كبار العلماء بمواعظه، كان يتلقّى النصائح من ابنته هذه، ويقف من تنبيهاتها موقف المتعلّم من معلّمه. ومن ذلك أنه دخل عليها مرّة يعودها وكانت تعاني من وجعٍ في كفّها، فقال لها: يا بنيّة، كيف كفّك هذه؟ فقالت: يا أبتِ، قد بسط الله لي من ثوابها ما لا أؤدّي شكره أبدًا.

فنحن أمام امرأة أو فتاة تشكو من كفّها ألمًا، والأب يسألها عن يدها، فتقول له: قد بسط الله لي من ثوابها؛ كأنها تتقرّب إلى الله تبارك وتعالى بهذا الألم. تأمّلوا: هي متألّمة، لكنها لا تحمل همَّ الألم بقدر ما هي فرِحة بالثواب المترتّب عليه. ونحن نشتكي أننا لو ذهبنا إلى المسجد وقعدنا ساعة أو نصف ساعة أو خمس دقائق، نشكو أن يطيل بنا الإمام في صلاته، ونشكو إذا كنا في مجلس علم أو مجلس قرآن أو خطبة جمعة أن يحصل بنا كذا وكذا، ونخشى أن نسعى سعيًا أو نسير سيرًا طويلًا، مع أنه قد تتحقّق لنا منافع دنيوية. وهذا المثال يعطيك أن الألم في ذاته، إذا أحسّ المؤمن أنه قرّبه إلى الله، فإن الثواب المترتب عليه أرجى من كل شيء في هذه الحياة الدنيا. يقول الفضيل: فتعجّبتُ من حسن يقينها.

«المحبة للخالق والرحمة للأولاد»

قال الفضيل: فإني عندها قاعد إذ أتاني ابنٌ لي له ثلاث سنين، فأقبل عليه فقبّلتُه وضممتُه إلى صدري، فقالت لي: يا أبتِ، سألتك بالله، أتحبّه؟ فقلت: نعم والله يا بنية.[6] فقالت: والله يا أبتِ، ظننتُ أنك لا تحبّ مع الله غيرَه! فقال: يا بنية، أفلا نحبّ الأولاد؟ فقالت: يا أبتِ، المحبة للخالق والرحمة للأولاد.

وكأنها قسمت مسألة المشاعر إلى نوعين: قلبٌ خالص متعلّق بربّ العزة سبحانه وتعالى لا يعرف أحدًا غيره، ومشاعر مجاورة لهذا الحب تدور حوله: الرحمة والإشفاق والعطف والعفو. فكأنها قسمت الأمر إلى مسألتين: مسألة محبة متوجّهة إلى الله تبارك وتعالى لا تنصرف إلى غيره، ومسألة التعامل مع الأشخاص المحيطين؛ للزوجة حظٌّ كذا، وللأولاد حظٌّ كذا، وللأمّ حظّ كذا، وللوالد حظّ كذا.

يقول الفضيل: والله إن هذه ابنتي هيَّمتني في حبّها وحبّ أخيها، ولكني والله لا أحبّ معك أحدًا حتى ألقاك يا ربّ العالمين.

الرضا عن الله: رأس المال

ويقول الرواة إن الفضيل، بعد أن بلغ هذه المكانة والمنزلة وكان مجاورًا لبيت الله الحرام، غلب عليه ما يسمّى بالرضا، وكان ذلك ظاهرًا فيما يحدّث به الناس. كان إذا استنصحه أحد نصحه بأن يجعل رأس ماله الرضا عن الله سبحانه وتعالى. هل أنت راضٍ عن الله عزّ وجلّ أم لستَ راضيًا؟ وقد يأتي السؤال: وهل يمكن ألا يرضى أحدٌ عن الله تبارك وتعالى؟ والجواب: إنك إذا رضيتَ بما أعطى ورضيتَ بما أخذ فقد رضيتَ عن الله.

وأنا أتصوّر أن الإنسان إذا عرف من نفسه وحاله أنه لا حول له ولا قوة، وأن المغبون في هذه الدنيا هو المغرور بنفسه وبقوته وبماله وبسلطانه وبحياته، المغبون في هذه الدنيا هو الذي انشغل عن الله بغير الله، فإنه يعرف قدر الرضا.

وزاره بشر بن الحارث المشهور بالحافي، فلما جلس إليه قال له: يا بشر، الرضا عن الله أكبر من كل شيء، أكبر من الزهد في الدنيا. ولو لاحظتَ لوجدتَ أن بعض الناس يخلط بين المسألتين؛ فيظنّ أن الزهد في الدنيا، وهو أن تترك الدنيا كلها، دليل على الرضا، وأن الذي ترك الدنيا راضٍ بلا شك عن ربّنا. لا، قد لا يكون. فالرضا عن الله تبارك وتعالى في الأخذ وفي العطاء مسألة، والزهد في الدنيا مسألة أخرى. وترك الدنيا ليس مؤشرًا أكيدًا على أنك راضٍ عن الله، لأن بعض الناس يزهد في الدنيا لعدم رضاه بهذه الدنيا، أو لأنه يشعر أنها غير متوائمة معه.

كيف نرضى عن الله؟

كيف نرضى عن الله سبحانه وتعالى؟ أن تقتنع تمام الاقتناع، فيمتلئ عقلك اعتقادًا ويقينًا، ويمتلئ قلبك اعتقادًا ويقينًا بالله تبارك وتعالى. فإذا اقتنعتَ بذلك علمتَ أن كل حال أنت فيه إنما هو سعادتك التي اختارها ربّ العالمين لك. إذا أيقنتَ أن الله تعالى لا يؤذيك، وأنه لا يبسط لك ما يضرّك، وأنه لا يسلّط عليك ما فيه ألمك، فقد أيقنتَ بأن رضاك عن الله تبارك وتعالى إنما هو تمام الإيمان.

وأولئك الذين يتألمون، ألم تروا البنت ماذا كانت تقول حين تحدّثنا معها عن كفّها: كيف حالك، كيف كفّك الآن؟ فتقول: ثوابه أرجى عندي من الألم الذي أحسّ به. لو أنها تعاملت مع أسباب الدنيا لانشغلت بالعلاج وكيفيته والأدوية ومواقيتها، لكنها تعاملت مع المسبِّب سبحانه وتعالى.

رسالة إلى هارون الرشيد

مات لهارون الرشيد ولد، فكتب إليه الفضيل رسالة يقول فيها: أما بعد يا أمير المؤمنين، فإن استطعتَ أن يكون شكرك له حين أخذه منك أفضل من شكرك له حين وهبه لك فافعل.

لماذا؟ لمّا جاءك هذا الولد يوم قالوا لك إنّ عندك ابنًا، حمدتَ الله تعالى وشكرته؛ شكرتَ ربّنا لأنك فرحان بنعمة الله سبحانه وتعالى. فلو قدرتَ أن يكون شكرك لله حين أخذه أكثر من شكرك له يوم وهبك فافعل ذلك يا أمير المؤمنين. فإنه جلّ ثناؤه لمّا وهبه لك أخذ هبته؛ فكأنه استردّ ما وهب. تخيّل واحدًا يقترض فيأخذ منه الحاجات، وأنت فرحان ساعة القبض. المؤمن، أو العاقل، هو الذي يفرح بالسداد كما يفرح بالأخذ. أما الذي لا يفرح بالسداد فهذا يريد أن يأكل أموال الناس، وهذا موضوع منتهٍ. فالذي أخذ من ربّ العزة سبحانه وتعالى وفرح بالأخذ، ينبغي أن يفرح أيضًا بالاسترداد.

ليلة عرس، ونحن نبكي على أنفسنا

كثيرًا ما نقول للناس في مجالس العزاء: يا إخواني، إذا علمنا حسن خاتمة واحد من الذين ماتوا فينبغي أن تكون هذه الليلة ليلة عرس. أنت تعلم أنه أفضى إلى ربّه سبحانه وتعالى، وأنه انتقل إلى جنة الله. نحن حين نصفّق ونفرح بابنتنا إذا تزوّجت، أو بولدٍ ربّنا يكرمه ووجد له عروسًا كالورد تملأ عليه حياته بإذن الله، نفرح ونصفّق ونفرح له، لماذا؟ لأنه ينتقل إلى نعيم. والبنت التي تزوجت تبدأ خلاص أن تستقلّ في حياتها وتعيش الحياة الجديدة. فإذا عرفنا أن العبد الذي انتقل من الدنيا إنما انتقل إلى الجنة، فماذا نحتاج بعد ذلك؟ ما الذي نريده فوق ذلك؟

وكثيرًا ما أقول إننا حين نتألم أو نبكي أو نشكو في حال الموت فإننا لا نشكو ولا نتألم ولا نبكي على الميت، وإنما نبكي على أنفسنا في الغالب. تسمع الأرملة تقول: مَن سينفق علينا بعده؟ فيقال لها: أنتِ تفكّرين فيه أم تفكّرين في نفسك؟ وعندما يبكي الولد على فراق أبيه ويقول: كان سندي، ومن يكون بجواري؟ نقول له: يا بني، أنت تفكّر فيمن رحل أم تفكّر في حالك، وأنه كان يسدّ لك حاجتك، وكأنك كنت تستعمله لقضاء هذه الحاجة؟ وقد اختار له ربّ العزة سبحانه أن ينتقل إلى جواره.

«ارتضيتَ الدنيا لنفسك»

ونسمع بقية كلام الفضيل بن عياض، فيقول له: يا أمير المؤمنين، إنه لمّا وهبه لك أخذ هبته، ولو بقي لم تسلم من فتنته. أرأيتَ جزعك عليه وتلهّفك على فراقه؟ أرضيتَ الدنيا لنفسك؟

كأنه يقول له: لماذا تحزن؟ هل ارتضيتَ الدنيا لنفسك؟ الطبيعي أن يكون المؤمن مترفّعًا عن مسألة الدنيا والعيش فيها والبقاء إلى أبد الآبدين. أنت تعرف أصلًا أن الله سبحانه وتعالى قد كتب الفناء على كل شيء دونه عزّ وجلّ، فنحن منتقلون لا محالة. فهل أنت راضٍ بالدنيا التي أنت فيها؟ هل رضيتَ عن الدنيا ورضيتَ لنفسك حتى ترضاها لولدك؟ تخيّل أنك في بيت تكره العيش فيه، عندك شقة صغيرة أنت قاعد فيها وكارهها، وتريد أن تخرج منها إلى شيء أوسع؛ أفتقول عن الذي تكرهه: أرضاه لولدي؟ من العقل أن تقول: لا، لا أرضاه لولدي.

فكان الجواب بذلك: ارتضيتَ الدنيا لنفسك فترضى لابنك! أما هو فقد خلص من الكدر، من كدر الدنيا وتعبها وتنغيصها، وبقيتَ أنتَ في الخطر. يقول: أما هو فقد خلص من الكدر وبقيتَ أنت في الخطر.

وللحديث بقية بإذن ربّ العالمين سبحانه وتعالى.

--- [1]: توثيق المحرر: سورة الحديد، الآية ١٦. اقتصر المتحدث على ما أثبتناه من الآية دون إتمامها. وجواب الفضيل منقول من التفريغ بصيغة مضطربة السمع ("أنا يا ربّ الآن")، وقد صيغ هنا بحسب أقرب قراءة له؛ ويُراجع أصل المقطع في الفيديو. [2]: توثيق المحرر: عبارة التفريغ هنا مضطربة ("والله لأجا... الكعبة"). والمثبت هو أقرب قراءة لها، ويؤيده قول المتحدث بعد قليل إنه كان مجاورًا لبيت الله الحرام. [3]: توثيق المحرر: حديث «المرء مع من أحب» أخرجه البخاري ومسلم. ولم يسمِّ المتحدث الصحابي صاحب القصة، ونقل القصة بالمعنى، وأما قوله ﷺ «المرء مع من أحب» فمنقول بلفظه المشهور. [4]: توثيق المحرر: إشارة المتحدث إلى «الحيوان» موافقة لقوله تعالى في سورة العنكبوت، الآية ٦٤، ولم يتلُ الآية. [5]: توثيق المحرر: سورة الأنعام، الآية ٢٧، واقتصر المتحدث على ما ورد في المتن. [6]: توثيق المحرر: نصّ التفريغ هنا غير واضح ("إني لا أحبه")، والسياق (قول ابنته بعدها وقول الفضيل في آخر القصة) يرجّح أنه أجابها بالإثبات؛ ويُراجع أصل المقطع في الفيديو.

Share this article

تبصرے

مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔

ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔

امید ہے مضمون سے مستفید ہوئے، ہم آپ کے تبصرے اور نصیحت کا خیر مقدم کرتے ہیں۔

شیخ سے پوچھیں