الغفلة في القرآن
حالٌ يُسكَن فيها حتى ينكشف الغطاء
يُساق الناس إلى الموقف، ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ (٥٠:٢١)، فتسكت الدنيا كلها كما يسكت الضجيج حين يُرفع الستار. وفي تلك اللحظة تُقال للإنسان كلمةٌ تختصر عمرًا بأكمله: ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (٥٠:٢٢). لا يقال له «كنتَ منكرًا»، ولا «كنتَ جاهلًا»، بل «كنتَ في غفلة». كأن الحقيقة كانت قائمةً أمامه طوال الوقت، وكأن الذي تبدّل اليوم ليس الحقيقة بل عينه. وقد فسّر الطبري الكشف هنا بقوله: «فجلينا ذلك لك، وأظهرناه لعينيك، حتى رأيته وعاينته، فزالت الغفلة عنك»[1]. وفي مشهدٍ قريب يرتدّ صدى آخر من أفواه الذين كفروا: ﴿يَـٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا بَلْ كُنَّا ظَـٰلِمِينَ﴾ (٢١:٩٧). وفي قولهم «بل كنا ظالمين» ما يشعر بأن الغفلة لم تعد عندهم عذرًا يُحتمى به، بل صارت اعترافًا بتقصير.
خمسة وثلاثون موضعًا، ولا موضع يُثبت الغفلة لله
يرد جذر «غ ف ل» في القرآن خمسًا وثلاثين مرة[2]: فعلٌ مجرد واحد هو ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾ (٤:١٠٢)، وفعلٌ رباعي واحد هو «أغفلنا» في سورة الكهف (١٨:٢٨)، وخمسة أسماء هي «غفلة» (١٩:٣٩، ٢١:١، ٢١:٩٧، ٢٨:١٥، ٥٠:٢٢)، وسبعٌ وعشرون صيغة لاسم الفاعل المذكر «غافل» ومشتقاته، وصيغة مؤنثة واحدة هي «الغافلات» في سورة النور (٢٤:٢٣).
وتتبّعُ هذه الصيغ يكشف أمرًا لا يظهر لمن يقرأ الآية وحدها. فمن بين الثمانية والعشرين موضعًا لاسم الفاعل، جاء الله تعالى منفيًّا عنه الغفلة في إحدى عشرة آية: ست منها «وما الله بغافل»، وثلاث «وما ربك بغافل»، وآية ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (١٤:٤٢)، وآية «وما كنا عن الخلق غافلين» (٢٣:١٧). أما إثباتها لله فلا يوجد في القرآن كله موضع واحد. فالغفلة في الاستعمال القرآني شأنُ الخلق، ونفيُها عن الله بابٌ من أبواب التنزيه والإنذار معًا.
«في» غفلة، و«عن» ذكره: حالٌ تُسكَن وانصرافٌ يُقصَد
وفي العربية القرآنية للغفلة طريقان لا يتبادلان. فالاسم يأتي مع «في»: ﴿ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ (٢١:١)، و﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ﴾ (١٩:٣٩). أما الفعل واسم الفاعل فيأتيان مع «عن»: «غافلون عن آياتنا»، ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ﴾. وقد جاء حرف «عن» (أو «عمّا») مع واحدٍ وعشرين من ثمانية وعشرين، وجاء سبعة مطلقةً بلا حرف جر، ولم يرد في القرآن «غفل في» ولا «غافل في».
وهذه قراءتي لهذا الفرق، وأضعها بين يدي القارئ على أنها استنباط لا قولٌ منقول: «في غفلة» وعاءٌ يُسكَن فيه، حالٌ يعيشها صاحبها كما يعيش في غرفة معتمة لا يعلم أنها معتمة؛ و«غافل عن» انصرافٌ عن متعلَّق محدد، أي عن آية أو آخرة أو ذكر. فالأولى توصيفٌ لحال، والثانية تسميةٌ لما يُترك. ومما يعضد ذلك أن المشهد الذي رأيناه في سورة ق يقدّم الغفلة حالًا يُنتشَل منها بكشف الغطاء، لا طبعًا ثابتًا لا فكاك منه. ومثلُه قوله تعالى في المدينة التي دخلها موسى عليه السلام: ﴿وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ (٢٨:١٥)، وهو عند الطبري «عند القائلة نصف النهار»[3]، أي ساعةٌ يخلد فيها الناس إلى الدعة ويخفّ الانتباه؛ ومن هذه الغفلة المكانية الزمانية خرجت الحادثة التي غيّرت مصير موسى كله.
ما لا علامة عليه: الغفلة في لسان العرب
يعرّف الراغب الأصفهاني الغفلة بأنها «سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ»[4]، فلا يكفي عنده مجرد السهو، بل لا بد أن يصحبه نقصٌ في الاحتراس. وعند ابن فارس أن الغين والفاء واللام «أصل صحيح يدل على ترك الشيء سهوًا، وربما كان عن عمد»[5]. ثم يضيف تفريقًا لافتًا: «غفلتُ عن الشيء غفلةً وغفولًا، وذلك إذا تركته ساهيًا. وأغفلته، إذا تركته على ذكر منك له». فالإغفال إذن ترك مع الذكر، والغفلة ترك مع السهو، وبينهما مسافةٌ سنحتاجها بعد قليل في آية الكهف.
وفي المعجمين صورةٌ حسّية تفتح الباب: «أرض غفل: لا علم بها. وناقة غفل: لا سمة عليها. ورجل غفل: لم يجرب الأمور»، وعند الراغب «رجل غفل: لم تسمه التجارب»[6]. فالغَفَل في أصل اللغة ما لا علامة عليه: أرضٌ بلا منار، وناقة بلا وسم، وإنسان لم تنقش التجارب عليه أثرًا. وكأن الغافل قلبٌ لم يُوسَم باليقظة. وهذا مفتاحٌ جميل لآية الكهف.
«أغفلنا قلبه»: ثلاثة وجوه في فعلٍ واحد
﴿وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُۥ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمْرُهُۥ فُرُطًا﴾ (١٨:٢٨). هذه هي الآية الوحيدة التي يُسند فيها الإغفال إلى الله، وقد وقف عندها الزمخشري فذكر في «أغفلنا» ثلاثة وجوه: أن يكون معناه «جعلنا قلبه غافلًا عن الذكر بالخذلان»، أو «وجدناه غافلًا عنه» كقولك أجبنته وأبخلته إذا وجدته جبانًا بخيلًا، أو من «أغفل إبله إذا تركها بغير سمة، أي لم نسمه بالذكر ولم نجعلهم من الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان». ثم قال: «وقد أبطل الله توهم المجبرة بقوله ﴿وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ﴾»[7].
والراغب يميل إلى الوجه الثالث، وهو الأقرب إلى ما رأيناه في أصل المادة: «تركناه غير مكتوب فيه الإيمان»، ثم يذكر بصيغة التمريض «وقيل: معناه من جعلناه غافلًا عن الحقائق»[8]. وليس هذا خلافًا يسيرًا في ما أقرأ، فالأول يجعل الإغفال عقوبةً على ما سبق، والثاني يصف حالًا موجودة، والثالث يجعل القلب أرضًا لم يُنقش عليها الإيمان. وفي الحالات كلها لم يتحول القلب إلى غافل ثم يُلام، بل جاء الاتباع للهوى فعلَ صاحبه، وبهذا ردّ الزمخشري توهّم الجبر. وسياق الآية يزيد المعنى وضوحًا: في صدرها أمرٌ بالصبر مع الذاكرين غدوةً وعشيًّا، ثم نهيٌ عن طاعة من أُغفل قلبه، فالمقابلة قائمة بين قلبٍ موسوم بالذكر وقلبٍ بلا سمة.
النبي ﷺ والغفلة: ثبوتٌ في الماضي، ونهيٌ في الحاضر
أما النبي ﷺ فلم يوصف في القرآن بأنه «غافل» وصفًا حاضرًا. فآية يوسف ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ﴾ (١٢:٣) تتحدث عما قبل الوحي، وقد فسّرها الطبري بقوله: «وإن كنت، يا محمد، من قبل أن نوحيه إليك لمن الغافلين عن ذلك، لا تعلمه ولا شيئًا منه»[9]. وعند ابن عاشور: «والغفلة: انتفاء العلم لعدم توجه الذهن إلى المعلوم»[10]. فهي غفلةُ عدم العلم لا غفلةُ التقصير، وليس فيها لوم، بل هي في سياق المنّة: نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك.
والموضع الآخر نهيٌ لا وصف: ﴿وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْـَٔاصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ﴾ (٧:٢٠٥). وهنا اختلف شيخا التفسير. فالطبري يرى أن المراد: «ولا تكن من اللاهين إذا قرئ القرآن عن عظاته وعبره»، فهو عنده في المستمع المنصت للقرآن في صلاة أو خطبة. وخالفه ابن كثير فقال: «وقد زعم ابن جرير وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم قبله أن المراد بهذه الآية أمر السامع للقرآن في حال استماعه بالذكر على هذه الصفة. وهذا بعيد مناف للإنصات المأمور به»، ثم: «بل المراد الحضّ على كثرة الذكر من العباد بالغدو والآصال، لئلا يكونوا من الغافلين»[11]. وأوجز القرطبي فقال: «ولا تكن من الغافلين أي عن الذكر»[12].
والذي يعنينا من الخلاف أن الطرفين اتفقا على أن علاج الغفلة هو الذكر. فعند الطبري هو ذكرٌ خاشع عند سماع القرآن، وعند ابن كثير هو ذكرٌ ممتد بين طرفي النهار. وفي نظري أن قوة آية الأعراف ليست في تحديد الزمان بل في الصياغة: «ولا تكن من الغافلين»، أي لا تدخل في جماعة هذا شأنها. فحرف «من» هنا للانتماء إلى جماعة، لا للابتداء، فالنهي نهيٌ عن الانضمام إلى قافلة، وكأن الغفلة تيارٌ يجرف من لم يتشبث بالذكر.
من المخاطَب بالكشف؟
وإذا عدنا إلى آية ق وجدنا أن المفسرين وقفوا عند سؤال لطيف: من الذي يُقال له «لقد كنت في غفلة»؟ ذكر الطبري ثلاثة أقوال: أنه الكافر، وأنه نبي الله ﷺ، وأنه جميع الخلق من الجن والإنس. وحكى ابن كثير الأقوال الثلاثة، وذكر أن القول الثاني (كل أحد من بر وفاجر) هو اختيار ابن جرير، «لأن الآخرة بالنسبة إلى الدنيا كاليقظة والدنيا كالمنام»، وأن القول بأنه النبي ﷺ يقول به زيد بن أسلم وابنه، ثم قال: «والظاهر من السياق خلاف هذا، بل الخطاب مع الإنسان من حيث هو»[13].
ولهذا الخلاف أثره في المعنى. فإن كان الخطاب لكل إنسان صار المشهد مرآةً لكل قارئ، وصارت الدنيا في عبارة ابن كثير كالمنام والآخرة كاليقظة. وإن كان للكافر وحده بقي الكشف عقوبةً. وأنا أميل إلى قراءة ابن كثير لأن الآية جاءت بعد مشهد السائق والشهيد، وهو مشهد يعمّ كل نفس.
غفلة مقرونة بالإعراض، ومقرونة بالطبع
يقرن القرآن الغفلة بالإعراض في أول الأنبياء، ويقف الزمخشري عند الجمع بينهما: «وصفهم بالغفلة مع الإعراض، على معنى أنهم غافلون عن حسابهم ساهون، لا يتفكرون في عاقبتهم، ولا يتفطنون لما ترجع إليه خاتمة أمرهم، مع اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء للمحسن والمسيء»[14]. وهذه الجملة الأخيرة هي مفتاح الباب: الغفلة غير معذورة لأن العقل نفسه ينبّه. ولذلك قال الطبري في الآية إنهم أعرضوا «فتركوا الفكر فيه والاستعداد له».
وأشد من هذا ما في الآيتين اللتين وردت فيهما العبارة «أولئك هم الغافلون»: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ كَٱلْأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ﴾ (٧:١٧٩)، و﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ﴾ (١٦:١٠٨). في الأولى جعلهم الطبري، نقلًا عن مجاهد، قلوبًا لا تفقه وأعينًا لا تبصر ثم «أخبر أنهم هم الغافلون»؛ وفسّر القرطبي الغفلة هناك بأنهم «تركوا التدبر وأعرضوا عن الجنة والنار»[15]. فالغفلة هنا، كما أقرأ، الدرجة الأخيرة في سلّمٍ تبدأ حلقته الأولى بعدم الإصغاء وتنتهي بعدم الإحساس. وهي في الآيتين وصفٌ ختامي، كأنها الاسم الجامع لما تقدّم.
«وما ربك بغافل»: تطمينٌ وتهديد
وإذا انتقلنا إلى المواضع الإحدى عشرة التي نُفيت فيها الغفلة عن الله وجدنا تركيبًا يكاد يتكرر حرفيًّا: «عمّا تعملون». ففي سورة البقرة بعد وصف قسوة القلوب: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٢:٧٤). وفي آخر هود، وبعد الأمر بالتوكل: ﴿فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (١١:١٢٣). وفي إبراهيم: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلْأَبْصَـٰرُ﴾ (١٤:٤٢).
وللنفي وجهان في الآيات: وعيدٌ للظالم الذي ظنّ أن تأخير العقوبة إهمال، فبيّن الله أن التأخير ليس غفلة بل ميقات؛ وتطمينٌ للمؤمن المظلوم المتوكل حتى لا يظن أن عمله مُضاع. وتأمّل اقتران التوكل بنفي الغفلة في هود: كأن التوكل لا يصحّ إلا لمن علم أن من توكل عليه لا يغفل. وهذا أيضًا استنباطٌ مني من نص الآية، وليس قولًا لمفسر أنقله. وهنا تتم المقابلة التي يقوم عليها هذا الباب: الإنسان يغفل فيحتاج إلى الذكر، والله لا يغفل فيكفي أن يُذكَر.
ما ثبت عن النبي ﷺ: الغفلة والجمعة والقيام
وتؤيد السنة معالم هذا المعنى. ففي صحيح مسلم (٨٦٥) أنه ﷺ قال: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين»[16]. وانظر كيف جاء الجمع بين الختم على القلوب والغفلة، كما جاء في آية النحل بين الطبع والغفلة، فترك الجمعات تهاونًا ينتهي إلى قلبٍ مختوم، والقلب المختوم هو الغافل. وفي الحديث الذي يرويه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه ﷺ قال: «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين»، وقد صححه الألباني[17]. والعبارة «من قام» لا «من قرأ»، فالمعيار قيامٌ بالآيات يحضر فيه القلب. وكأن عشر آيات تُقام بها الليلة شهادةٌ تُخرج صاحبها من قائمة الغافلين. وهذا من قراءتي للحديث لا من شرحٍ منقول: أن الباب مفتوح لمن قلّ زاده.
حنظلة رضي الله عنه: حين يخاف المؤمن من غفلته
وأحسن نموذج بشري لهذا المعنى صحابيٌّ ظنّ أن غفلته نفاق. جاء حنظلة الأسيدي رضي الله عنه يقول: «نافق حنظلة». وسبب ذلك أنهم «نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنّا رأي عين، فإذا خرجنا من عنده عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرًا». فأجابه النبي ﷺ: «والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة»، ثلاث مرات[18].
ولفظ «الغفلة» لم يرد في الحديث، لكن الحال حالها بعينها. وفيه ما يضبط ميزان هذه الدراسة: الغفلة التي يذمها القرآن هي الدوام فيها والرضا بها والإعراض عن علاجها، أما مجرد الانشغال بالأهل والضيعة فمن طبيعة البشر. وقد فزع حنظلة لأن قلبه حيٌّ يحاسب نفسه، بينما الغافل الحقيقي هو الذي لا يخطر بباله أن يخاف. «ساعة وساعة» ليست تسامحًا مع الغفلة، بل هي اعترافٌ بأن اليقظة تتنفس، ما دام الإنسان يعود.
من الآية إلى الحياة: كيف نحرس أنفسنا من غفلة الجماعة؟
يتحصّل لنا مما سبق أن الغفلة في القرآن حالٌ يُسكَن فيها لا يعلم صاحبها أنه فيها، وأنها لا تُنسب إلى الله بل يُنفى عنه، وأن علاجها الذكر، وأن الله يكشفها يومًا بنزع الغطاء، ويبقى لنا في الدنيا أن نسأله كشفها قبل ذلك. ومن هنا ننتقل إلى التطبيق.
فأول ما ينبغي أن يتعلّمه المربّي أن الغافل لا يُعالَج بالتقريع وحده، لأنه لا يرى ما يُقرَّع عليه. وإنما يحتاج إلى من يرفع عنه الغطاء قليلًا في الدنيا: بسؤالٍ يوقظ، أو مشهدٍ يُذكّر، أو صحبةٍ ذاكرة، كما في آية الكهف التي أمرت بالصبر مع الذاكرين. ثم إن الدعوة إلى الصلاة والجمعة والقيام ليست أحمالًا إضافية، بل هي ما يُوسَم به القلب فلا يبقى «غفلًا»، لا سمة عليه. وفي زمن تتزاحم فيه الشاشات على لحظات التأمل، قد تصير الغفلة نمط عيش جماعيًّا لا يشعر به أحد، لأن الجميع فيه. وهنا يتجلى قوله: «ولا تكن من الغافلين»، فالتحذير من الانتماء قبل الوقوع.
وللمرء أن يتخذ من «ساعة وساعة» منهجًا: لا يطلب من نفسه دوام الحضور، ولكن يجعل له مواقيت ثابتة يعود فيها، كالغدو والآصال، وعشر آيات في الليل، وجمعة لا تُترك. فمن حفظ هذه المراسي لم يجرفه التيار.
خاتمة
تبدأ الغفلة هادئةً لا يُسمع لها صوت، وتنتهي بصيحة «يا ويلنا». وبين البداية والنهاية فرصةٌ لا تدوم: أن يُكشف الغطاء ونحن في الدنيا، فنبصر ونحن قادرون على العمل، لا في موقفٍ يبصر فيه البصر حديدًا ولا يملك صاحبه إلا الاعتراف. اللهم لا تجعلنا من الغافلين، ولا تكلنا إلى غفلتنا، وأيقظ قلوبنا بذكرك قبل أن توقظها الأهوال، واكشف عنا غطاءنا في الدنيا برحمتك، فإنك ما كنت عن خلقك غافلًا، وأنت أرحم الراحمين.
الهوامش
- الطبري، «جامع البيان»، تفسير ق ٢٢ (النص على quran-tafsir.net). [2]: بحسب المدوّنة القرآنية اللغوية (corpus.quran.com)، الجذر «غ ف ل» ورد ٣٥ مرة: فعل مجرد (٤:١٠٢)، وفعل رباعي (١٨:٢٨)، وخمسة أسماء «غفلة» (١٩:٣٩، ٢١:١، ٢١:٩٧، ٢٨:١٥، ٥٠:٢٢)، و٢٧ اسم فاعل مذكر، وصيغة مؤنثة واحدة (٢٤:٢٣). وآيات النفي عن الله: «وما الله بغافل» (٢:٧٤، ٢:٨٥، ٢:١٤٠، ٢:١٤٤، ٢:١٤٩، ٣:٩٩)، و«وما ربك بغافل» (٦:١٣٢، ١١:١٢٣، ٢٧:٩٣)، و١٤:٤٢، و٢٣:١٧. والحصر وإحصاء الحروف المصاحبة حسابٌ مني على نصوص الآيات المسرودة في المدوّنة. [3]: الطبري، «جامع البيان»، تفسير القصص ١٥. [4]: الراغب الأصفهاني، «المفردات في غريب القرآن»، مادة «غفل». [5]: ابن فارس، «معجم مقاييس اللغة»، مادة «غفل». [6]: ابن فارس، «معجم مقاييس اللغة»، مادة «غفل»؛ والراغب، «المفردات»، المادة نفسها. [7]: الزمخشري، «الكشاف»، تفسير الكهف ٢٨. [8]: الراغب، «المفردات»، مادة «غفل». [9]: الطبري، «جامع البيان»، تفسير يوسف ٣. [10]: ابن عاشور، «التحرير والتنوير»، تفسير يوسف ٣. [11]: الطبري، «جامع البيان»؛ وابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير الأعراف ٢٠٥. [12]: القرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، تفسير الأعراف ٢٠٥. [13]: الطبري، «جامع البيان»؛ وابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير ق ٢٢. [14]: الزمخشري، «الكشاف»، تفسير الأنبياء ١؛ والطبري، «جامع البيان»، تفسير الأنبياء ١. [15]: الطبري، «جامع البيان»، والقرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، تفسير الأعراف ١٧٩. [16]: رواه مسلم (٨٦٥) عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم، واللفظ المذكور في الرواية الثانية عن الحكم بن ميناء. [17]: رواه أبو داود (١٣٩٨) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وحكم عليه الألباني بأنه صحيح (كما في موقع sunnah.com). [18]: رواه مسلم (٢٧٥٠) من حديث حنظلة الأسيدي رضي الله عنه.↩
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔