وظيفتك التذكير، والحساب والهداية بيد الله
خاتمة الغاشية: وظيفتك التذكير، والحساب والهداية بيد الله
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 19 يونيو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
اللهم إنا نسألك خير هذا اليوم وخير ما فيه وخير ما بعده، ونعوذ بك من شرّ هذا اليوم وشرّ ما فيه وشرّ ما بعده. اللهم أصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، وقِنا عذاب النار، وباعد بيننا وبين النار وأسباب النار وبين صحبةٍ تُساق إلى النار، ونسألك الجنة وأسبابها وصحبةً تؤدّي إليها.
من التسبيح إلى الحساب
في ختام سورة الغاشية، تلك السورة التي كان رسول الله ﷺ يردّدها كثيرًا مع سورة الأعلى، حتى كأنهما جملةٌ واحدة من المعاني والتراكيب المشتركة لا انفصال بينها[1]: تبدأ الأعلى بالتسبيح ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وتنتهي الغاشية بالحساب ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾[4]. هذه بداية السورة الأولى، وتلك خاتمة الثانية.
السورتان معًا تمرّان بالعبد في رحلة كونية أخروية: تمرّ بالإنسان في رحلة الدنيا كلها ثم تعبر به إلى الآخرة، إلى يوم الفصل. و«الإياب» هو العودة مرةً أخرى إلى نقطة البدء التي كان فيها؛ سوف يعودون إلينا. وهذا حديثٌ عن الكافرين، بل عن البشر أجمعين، وليس خطابًا للنبي ﷺ.
وظيفتك التذكير
فما الذي قاله ربنا لنبيّه ﷺ في هذه السورة المباركة؟ ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾. وظيفة النبي ﷺ هي التذكير. فالحساب عند مَن؟ عند الله عز وجل. وليس لنا صلاحية الحكم على الناس؛ الحكم على الخلق بيد الله تبارك وتعالى.
ولا أقول هذا الكلام للحديث في عالم العقيدة ومآلات الناس يوم القيامة؛ أتكلم عن المسألة الجزئية البسيطة، حتى إننا لنجد أنفسنا نحكم على الخلق بالفشل والنجاح باعتبار رؤيتنا وتقييمنا. وفي ذلك درسٌ مهم: أن الله عز وجل هو الذي يقدّر المقادير، وهذا كائنٌ أيضًا في بداية سورة الأعلى ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾. فرُبّ فاشلٍ بين يديك اليوم لا ترى منه نفعًا ولا ضرًّا، ولا ترجو منه خيرًا ولا شرًّا، وإذا هو يقود الدنيا يومًا ما. ومتى يفتح الله على العباد، ومتى ينزل رحماته في قلوب الخلق وعقولهم، فتلك مسألة بيد الله تبارك وتعالى.
أبناؤنا وتجربتنا الشخصية
أقول هذا الكلام لأنه يرد إلى ذهني حين أنظر إلى أبنائنا، الذين نراهم دائمًا ناقصين[2]: ما زالوا صغارًا، لا يحسنون اتخاذ القرار، ولا يستطيعون التصرف، ولا يُحسنون التعامل مع الحياة، ولا نعطيهم من الثقة بقدر ما يستحقون من القيادة في المستقبل. فنحكم عليهم بحكم عقولنا وتجاربنا، غير أننا لا ندري متى يسوق الله تعالى لهم الخير.
وأبسط ما نعتبر به تجاربنا الشخصية: ماذا كنتُ قبل ذلك؟ لما كنتُ في عمر ابني وفي سنّه، ماذا كنتُ أفعل؟ كيف كنتُ أتصرف؟ كيف كان تقييمي للمسائل وحكمي على الناس؟ كيف كانت اندفاعاتي وتصرفاتي العشوائية التي كان يجنّ لها أبي وأمي؟ كنتُ أكثر منهم بمراحل، ومع ذلك آتي اليوم لأحكم على غيري!
عمر بن الخطاب وحمار الخطاب
وربنا سبحانه يخاطب القدوة العظمى والنبيّ الرائد الذي لا يكذب أهله ﷺ، فيقول: ذكّر، إنما أنت مذكّر، لستَ عليهم بمسيطر، لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ فمآل الأمور إلى الله سبحانه وتعالى.
تخيّل الناس وهم يتكلمون عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بحكمهم وتقييمهم ونظرتهم وتقديرهم: يقولون «لو أن حمار الخطاب أسلم ما أسلم عمر»[3]. أي لو أن الحيوان، الذي الأصل فيه أنه لا يجيد التصرف ولا التعامل مع الحياة، لو أنه تجاوز وفهم وأدرك واستوعب وأحسّ فأسلم، فعمر بعيدٌ جدًّا عن هذه المسألة، كأنه بالنسبة لهم متخلّفٌ كثيرًا عن عالم الحمار نفسه. فإذا بعمر بن الخطاب رضي الله عنه هو قائد الريادة الإدارية في علوم الحياة كلها، رأسٌ من رؤوس العلوم الإدارية، يؤسّس لعلم الإدارة من أساسه إلى نهايته، وكل ما يأتي بعد ذلك تفريعاتٌ عمّا أصّله عمر رضي الله عنه.
وقد ترى واحدًا من الشباب يصول ويجول في عالم الفسق والفساد، فإذا به اليوم داعيةٌ كبير يحدّث الناس بالهدى والنفع.
لا تحصروا الناس بحدود أعينكم
خلاصة القول، حتى لا أطيل فيما لا فائدة منه: لا تحصروا مواقف الناس ولا مستقبلهم بحدود أعينكم وتقييماتكم. هناك بُعدٌ مهمٌّ جدًّا هو بُعد الهداية الإلهية، الذي لا يدرك مداه ولا يعلم حقيقته إلا ربّ العالمين سبحانه وتعالى.
فمتى استقللتَ أحدًا من الناس، أو نظرتَ إلى أحدٍ بأنه قليل، فادعُ الله أن يكثّر الخير الذي فيه، واسأله تبارك وتعالى أن يزيد النعمة التي عنده، واطلب من ربّ العالمين أن يبسط له من الرزق.
وهذا والله يا إخواني نجده في كل واحد منا: كلٌّ منا معلِّمٌ على الناس الذين حوله بعلامة. أنت تعيش في وسط أولادك وزوجتك وأقاربك وخالك وعمّك، فتعرف العيب الموجود في كل إنسان فتقيّمه به. فلو انقلبت المسألة على ضوء ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾، فادعُ صاحب التصريف أن يصرف قلوبهم إلى الطاعة، وادعُ صاحب العلم الأوفى سبحانه بأن يحوّل ما عندهم من نقصٍ إلى تكميل، وهو قادرٌ على فعل ذلك سبحانه جلّ في علاه.
--- [1]: توثيق المحرر: المعروف في السنة قراءته ﷺ بالأعلى والغاشية في صلاة الجمعة والعيدين (صحيح مسلم). والمتحدث قال «كان يردّد الأعلى والغاشية كثيرًا» ولم يحدّد الموضع. [2]: توثيق المحرر: عبارة التفريغ هنا («في الكف الناقص») مضطربة؛ أُثبت المعنى العام فقط. [3]: توثيق المحرر: القول منقول بحسب ما ذكره المتحدث عن كلام الناس في عمر قبل إسلامه؛ ولم أقف على عزوٍ متيقَّن له. [4]: توثيق المحرر: [الأعلى: 1]، [الأعلى: 2–3]، [الغاشية: 21–22]، [الغاشية: 25–26].
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔