سورة الجاثية: اغفر لمن آذاك
سورة الجاثية: اغفر لمن آذاك
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ٥ يناير ٢٠٢٦م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
خطابٌ للمؤمنين بالمغفرة
نقف عند قول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾[1].
من دلالات هذه الآية ومفاهيمها أنها خطابٌ من ربّ العالمين سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾، كأنه نوعٌ من إسقاط الحقوق، ونوعٌ من العفو عن الخطأ الصادر، ونوعٌ من التنازل بين يدي الله تبارك وتعالى، ونوعٌ من تخلية النفس مما تراكم فيها من الآلام بسبب الأذى الآتي من أطرافٍ أخرى. غير أن هذه الأطراف التي تتعمّد إيذاء المؤمنين لا ترجو لقاء الله: ﴿يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾.
لكلٍّ ما يكفيه
وعندي أسئلة بسيطة وسريعة جدًّا. السؤال الأول: هذه الآية وردت في سورة الجاثية، ويُستفاد من ذلك أن كل نفسٍ مشغولة بمشاكلها؛ فلا أحد ينتظر أن يأتيه ألمٌ من قِبل الآخرين، كل واحد عنده ما يكفيه. وهي أصلًا مليئة، ليست بحاجة إلى مزيد. فإذا وجدتَ أذًى جاءك من قِبل الآخرين يجثو فوق صدرك بما هو أثقل من الجبال... فالمؤمن الذي يتتبّع أعماله وأنفاسه وخطواته عنده في ذاته رقيبٌ من الداخل يتابع كل شيء، فكلما صدر منه خطأ صغيرٌ أو كبير عاتب نفسه وأنّبها شيئًا ما وراجع ذاته. فعنده مراجعات ذاتية تكفيه للشعور بالألم الكافي، وللشعور بمحاولة الاستغفار بين يدي الله سبحانه وتعالى. فعندك ما يكفيك، ثم يأتيك واحد آخر يشتمك أو يسبّك أو يؤذيك أو يفتري عليك أو يتبلّى عليك، فكأنه يجثو على صدرك بما لا تستطيع أن تتحمّله في بعض الأوقات.
تخلّقوا بأخلاق الله
غير أن الله تبارك وتعالى لما خاطب أهل الإيمان قال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾. فالمغفرة المرتقبة من أهل الإيمان هي نفس المغفرة المرتقبة من ربّ أهل الإيمان؛ فأهل الإيمان يلتمسون من ربّ العالمين سبحانه مغفرةً يريدون أن يدلّلوا على وجودها في حياتهم أصلًا. فإذا أردتَ شيئًا من ربّ العالمين فليكن ما تعامل به الخلقَ من جنس ما تطلبه منه سبحانه جلّ في علاه، ولله المثل الأعلى. وكان الشيخ الغزالي رحمه الله يقول، بمعنى: تخلّقوا بأخلاق الله، فمن التمس من الله عفوًا فليعفُ، ومن كان محتاجًا إلى كرم ربّ العالمين فليكن كريمًا في حياته، ومن التمس من ربّ العالمين سبحانه وتعالى رزقًا فليكن سببًا في رزق الناس، إلى آخره. وهذا هو التخلّق بأسماء الله وصفاته بما يليق بالعبد.
لماذا لا يرجون أيام الله؟
غير أنها مسألة أن تغفر لمن آذاك. فلماذا لا يرجون أيام الله؟ شوف كده: إن الذين يفترون الكذب هم الذين لا يؤمنون بآيات الله.[2] فكأنك تقف أمام أناس لا يعرفون لربّ العالمين سبحانه مكانةَ المرجعية الكبرى الكلية في حياتهم، فيتجاوزون في ألفاظهم بما يُجريه الشيطان على الألسنة. فابن آدم الذي يخرج من لسانه الأذى للخلق، من الذي أجرى هذا الكلام على لسانه؟ شيطانٌ أم ملك؟ شيطان. فهو يتّبع الشيطان في لحظةٍ من اللحظات التي يضعف فيها أمام ذاته، إلى آخره. وطبعًا الأسباب التي تحمل الناس على إيذاء الخلق كثيرة وتحتاج إلى تفصيلات كثيرة.
خُلُقنا اليوم
لكن ليكن هذا من أخلاقنا التي نتعلّمها اليوم في صلاة الفجر: ﴿يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾. كل من استشعرتَ منه أنه يؤذيك فاعلم أنه لا يرجو من الله تعالى خيرًا، وهذا أصلًا بعيدٌ جدًّا عن أن تشغل نفسك به، لأنه ليس على سبيل الإيمان الذي أنت عليه. فالتمس من الله عفوًا، وسل الله تبارك وتعالى مغفرة، وارجُ من الله عز وجل فضلًا يكون مغنيك ومرضيك وجابرًا لخاطرك ومسبلًا سترَه عليك في الأولى والآخرة، وما عند الله عز وجل أبقى وأعزّ.
--- [1]: توثيق المحرر: سورة الجاثية، الآية ١٤. [2]: توثيق المحرر: ورد في التفريغ «إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بالله»، ونصّ الآية: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٥]، فنُقل المعنى في المتن بلا تلاوة. وقول الغزالي منقول بمعناه كما ورد في التفريغ دون تحقق من قائله الدقيق ولا موضعه؛ وعبارة «تخلّقوا بأخلاق الله» لا تثبت حديثًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ. وفي آخر التفريغ كلمة مبتورة («سلم الله…») فحُذفت.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔