مقاصد الشريعة ٦: حفظ المال
حفظ المال: لماذا لا يزدري الإسلام المال، ولماذا الغد بيد الله
المناسبة: تفريغ خاطرة عشاء ألقاها الدكتور أحمد أبو سيف في بيت الكريم بتاريخ ٢٩ يوليو ٢٠٢٦ المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
هذا هو اللقاء السادس في سلسلتنا عن مقاصد الشريعة، والوقت يمرّ سريعًا. تحدثنا عن المقدمة وعن الأسباب الداعية إليها، والآن نأتي إلى أحد المقاصد: حفظ المال.
المال جزء من الحياة
حين يتحدث الأئمة عن المال، يتحدثون في الغالب عن المسؤولية: كم نوليه من الاهتمام، وماذا سنقدّم بين يدي الله يوم نلقاه. وكثيرًا ما يؤول هذا بالناس إلى الابتعاد عن المال كليًّا. لكن الله سبحانه جعل المال جزءًا من الحياة لا يمكن تجاهله، لأنه وسيلة أبلغ بها مكاني الذي قدّره الله لي. فكّروا: لولا المال، كيف كنت أُطعم نفسي أصلًا؟
من الذي «في سبيل الله»؟
كان النبي ﷺ جالسًا مع أصحابه فرأوا رجلًا قويًّا يمضي إلى جهة ما. فسأل أحدهم: لماذا لا يكون مثل هذا الرجل في الحرب؟ لماذا ليس في الجهاد؟ فشرع النبي ﷺ يعيد تشكيل طريقة تفكيرهم في معنى السعي في سبيل الله. فإن خرج الرجل ليُطعم نفسه ويعفّها عن الحرام فهو في سبيل الله. وإن خرج ليُطعم زوجته وأولاده فهو أيضًا في سبيل الله. كان النبي ﷺ يعلّمهم كم من طريق يؤدي إلى ذلك.[2]
ومقصدي هو هذا. حين تحدث النبي ﷺ عن إطعام نفسي وزوجتي وأولادي وأهلي، وعن الفقراء والمحتاجين الذين يعتمدون عليّ، كان يتحدث عن مسؤوليات، وكل واحدة منها تحتاج إلى المال. المال له كلمته، وبدونه لا نستطيع أن نفعل الكثير.
أسأنا فهم موقف الإسلام من المال
نميل إلى الظن بأن الإسلام يتجاهل المال. وليس هذا صحيحًا. فالنبي ﷺ حين كان يُثني كان يقول في معنى كلامه: ما أحسن المال في يد الرجل الصالح التقي. فالمال في أيدي الصالحين هو موضع نفعه الحقيقي.[3]
لكن عندنا هنا إشكالٌ. نتذكر دعاء النبي ﷺ أن يحيا مسكينًا ويموت مسكينًا، فنتخيل رجلًا متواضعًا لا يملك شيئًا. ولا أستطيع أن أترجمه ترجمة وافية، وبصراحة لم نستوعب معنى ذلك الحديث. فإن صحّ، وجب أن نسأل ما معنى المسكين، وهنا نفرّق بين صنفين ممن يأخذون الزكاة: أحدهما لا يملك شيئًا البتة، والمسكين عنده شيء لكنه لا يكفي حاجته. دعونا نترك هذا جانبًا لحظة وننظر في رواية أخرى.
قال الصحابة إن النبي ﷺ كان أجود ما يكون في رمضان، وكان أجود من الريح المرسلة. تصوروا الريح: تأتي محمّلة بالكثير وتتركه في كل مكان. فهل تسير الريح وفي جيبها شيء؟ فكيف نفهم رجلًا وُصف بالجود مثل الريح، لو كان فقيرًا فحسب؟ إن من لا يملك شيئًا لا يُوصف بالجود لما أعطى. ووصفُ النبي ﷺ بهذا يعني أنه كان عنده مال، وإن لم يلتفت إليه أحد. فقد جعل الله له الخُمس مما جاء من الغزوات. وفي آخر حياته نراه يسأل أهله هل في البيت مال، فيجيبونه بأن فلانًا أعطى شيئًا في سبيل الله. فلماذا كان يسأل؟ أحيانًا أسأل زوجتي هل عندنا طعام. وأحيانًا أقصد أنه ليس عندنا شيء كالعادة، وأحيانًا أسأل لاحتمال أن يأتينا ضيف. وحين سأل النبي ﷺ عن المال كان يسأل لنفسه أو لغيره، والسؤال نفسه يدل على أن المال كان موجودًا.
والأمر نفسه في الصحابة. كثيرًا ما بدوا فقراء لأن ما كان عندهم أعطوه. أعطوا وأعطوا، وفي آخر النهار لا يبقى في أيديهم شيء. وهذا لا يعني أنهم لم يكسبوا مبالغ كبيرة على مدى أيامهم وشهورهم. وحين نصف حال النبي ﷺ نذكر الرواية أنهم كانوا يمرّون شهورًا لا يوقدون نارًا، يعيشون على التمر واللبن. فإذا سمع الناس ذلك استنتجوا أن النبي ﷺ لم يكن عنده شيء. وهذا لا معنى له. كان عنده مال، وكانت يده دائمًا معطية.
وكلما نزلت حاجة ماذا كان يفعل؟ كان يجلس ويسأل الصحابة مَن يعين. كان نداءً حقيقيًّا إلى البذل، ﷺ. كان يسأل من سيفعل كذا وكذا، فترتفع يد: «أنا لهذا، لا تهتم بشيء». وكان أبو بكر يأتي بكل ما يملك. وإذا سمعنا ذلك وجب أن نتعلم أهمية المال، ثم أهمية بذله.
حفظ المال يبدأ بالعمل
حين نقول إن من مقاصد الشريعة حفظ المال، فمن ذلك أن الله يأمرنا بالعمل. لماذا؟ لنكسب ونعود إلى البيت بطعام نُطعم به أهلنا، فلا نكون عبئًا على غيرنا. لست هنا لتتسوّل من الناس: «أرجوكم أعطوني طعامًا الليلة، ليس عندي شيء». لقد طلب الله منا أن نتحرك. وكما ذكرنا من قبل، يخبرنا الله في القرآن أنك لن تجد مخلوقًا بلا رزقه.[1] لكن أين يكمن ذلك الرزق؟ في يد الله. عليك أن تخرج وتمشي وتبحث عنه وتعود به.
وإن لم أستطع ذلك، فهناك آية أخرى ألجأ إليها: الله هو المُطعِم. قد يقول قائل: «وماذا عن تقاعدي؟ ماذا سأفعل حينها؟ لن أستطيع الكسب. أنا خائف. أريد حساب 401(k) الخاص بي، أريد هذا الهدف وذاك». اهدأ. وماذا عن الغد؟ الغد بيد الله.
قصة عن رزق الغد
حكيت لكم قصة قصيرة من قبل، سبحان الله. زوجان شابان حديثا الزواج، عادا لتوّهما من شهر العسل، وكانا يبحثان عن شقة. حاولا وحاولا، وفي النهاية قال لهما أحدهم: «عندي مكان، اذهبا واسألا». فذهبا ووقّعا العقد وانتقلا إليه. كانا ما يزالان يجهّزان كل شيء من الصفر، واحتاجا إلى شيء صغير، ربما ملح، لا أذكر على وجه الدقة. فطلب الزوج من زوجته، وهما في غضارة الشباب، أن تطرق باب الجار وترى إن كان عنده شيء.
ذهبت وطرقت. فسمعت من مكان ما في الداخل صوتًا خافتًا متواضعًا: «تفضلي». فتحت الباب على غرفة فيها رجل مسنّ. «يا جدي، كيف حالك؟ لماذا أنت وحدك هنا؟» فأخبرها أن ابنه وابنته تركاه، وأنه ظل يحاول الاتصال بهما فلا يجيب أحد. اختفيا ببساطة. وبقي وحيدًا.
لو جئتِ قبل شهر لوجدتِ كنزه في ابنه وابنته. نحن نستثمر في أبنائنا، أليس كذلك؟ أُنفق كل ما عندي لأمنح ابني فرصة في هذه الكلية وذلك التدريب وتلك الدراسة. نستثمر في أبنائنا، ثم نجد كنزنا قد ضاع فجأة.
اتصلت الشابة بزوجها فجاء. قالا: انظروا إلى الرجل، ما أجمل وجهه، ما شاء الله! وداعباه، وضمّاه إليهما، ورعياه من ذلك اليوم حتى آخر لحظة من حياته. من أين جاء هذان؟ لماذا لم يجدا شقة في مكان آخر؟ لأن الله جعلهما رزقًا لهذا الرجل.
الغد لله وحده
حين نفكر في المستقبل كثيرًا ما نتناوله على غير وجهه. نحاول أن نشغل موضعًا هو لله وحده، كأننا نشاركه فيما يدبّره هو وحده، وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا. إنه ليس شأننا. نفعل ما نستطيع لتأمين المستقبل، إن شاء الله، لكن اعتقادنا في الله سبحانه. أولًا، يطلب الله منا أن نبذل وسعنا. وثانيًا، حرّم الله كل صور الربا وطلب منا أن نتعامل بالطرق السليمة، وأن نحفظ أموالنا بالطريقة السليمة، لنصل إلى النتيجة السليمة.
أسأل الله أن يحفظكم جميعًا، وأن يحفظ حياتكم. وإن شاء الله نبدأ رحلة جديدة بموضوع مختلف في المرة القادمة. ادعوا، وانتبهوا إلى المحتاجين من حولكم، لا سيما أقاربكم. وأسأل الله أن يحفظنا جميعًا.
--- [1]: توثيق المحرر: قول المتحدث «لن تجد مخلوقًا بلا رزقه» هو إيراد بالمعنى لآية قرآنية يشير إليها على أنها مذكورة سابقًا في السلسلة، والأرجح أنها هود ١١: ٦ (غير مؤكد)؛ ولا تُذكر آية في الحديث. [2]: توثيق المحرر: روى المتحدث هذه القصة بالمعنى ولم يذكر مصدرًا؛ وتُروى رواية مشابهة عند الطبراني عن كعب بن عجرة رضي الله عنه. ويجب التحقق من اللفظ قبل أي عزو. [3]: توثيق المحرر: أورد المتحدث بالمعنى قول «نِعْمَ المالُ الصالحُ للرجل الصالح»، رواه أحمد عن عمرو بن العاص رضي الله عنه.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔