أ
ڈاکٹر احمد ابو سیف
اکیڈمی آف امامز
Text size
مضامین پر واپس
حکمتیں اور بصیرتیں

الاستعداد لشهر رمضان

لقاء النساء: العفو أمنية المؤمن الكبرى، والصيام نيةً واحتسابًا، والاستعداد البدني والعقلي والنفسي، وتلاوة القرآن بالتدبر

ڈاکٹر احمد ابو سیف•٧ يونيو ٢٠٢٤•24 منٹ مطالعہ
المناسبة: تفريغ محاضرة أُلقيت في لقاء النساء بتاريخ 17 أبريل 2018مالمصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

الحمد لله، والصلاة والسلام على عبد الله ونبيِّه ورسوله، سيدنا ونبيِّنا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. اللهم إنا نسألك الخير كلَّه عاجلَه وآجلَه، ونعوذ بك من الشر كلِّه عاجله وآجله، ونسألك ربَّنا رحمتَك التي وسعت كلَّ شيء، ونعوذ بك من غضبك ونقمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا وآخرتنا، اللهم آمين يا رب العالمين.

حيّاكم الله وبارك فيكم أخواتنا الكريمات، وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا السعيَ إلى بيته في موازين حسناتكم كاملًا غير منقوص، بإذنه تبارك وتعالى.

لماذا نجتمع؟

يسوؤني كثيرًا أن انقطعت اللقاءات في الأسابيع الماضية. ولا نزال نسمع من يردّد أن الأخوات لا ينبغي أن يجلسن إلى الشيخ ليحاضرهنَّ. ولا حاجة بنا إلى استحضار الدلائل النبوية الكثيرة على أن النبي ﷺ كان إذا فرغ من حديثه مع الرجال انطلق إلى النساء ليعظهنَّ، وقد وردت في ذلك روايات متعددة وأحاديث متنوعة، وكلُّها في دلالتها لا تمنع أصل المخاطبة في ذاته. وإلا لكان بين كل رجل وكل امرأة في المجتمع حائل.

لكنَّ النصوص التي اعتُمدت في شريعة الإسلام اعتمدت مبدأ الحفظ لكلا الطرفين من الطرف الآخر، مع بقاء أصل الثقة بين المؤمنين والمؤمنات. فليس كل رجل في قلبه مرض، وليست كل امرأة تتبرّج تبرُّج الجاهلية. والأصل بين المؤمنين أنهم إذا التقَوا التقَوا على طاعة الله تبارك وتعالى، وعلى مائدة العلم التي ينبغي أن تجمعنا جميعًا لنبلغ بها الجنة، لا لتكون وسيلة للبغي أو للخطأ، ونعوذ بالله من ذلك.

رمضان سباق مع الزمن

نريد أن نتحدث عن استعداداتنا لشهر الصيام، شهر رمضان الكريم. وحين نتحدث عن رمضان فإننا نتحدث عن جُمل بعينها تتكرر معنا كل سنة: شهر المغفرة، وشهر الرحمة، وشهر العتق من النيران، وشهر يباهي الله فيه بعباده ملائكته.[1] وقد أوصى النبي ﷺ المؤمنين أن يُروا الله تعالى من أنفسهم خيرًا في ذلك الشهر الكريم.

لكن كيف ندخل هذا السباق مع زمن رمضان؟ رمضان تسعة وعشرون يومًا أو ثلاثون، فالمسألة حسابيًّا معروفة. وأنا أتذكر أيام المذاكرة، كنا نقول: فاضل على الامتحان ثلاثة شهور. فيأتي من يقول: لا، هذا الكلام خاطئ، فاضل على الامتحان تسعون يومًا. ما هي ثلاثة شهور! فيقول لك: لو حسبتَها بهذا الشكل تهوّن القضية بين يديك، لكن إذا حسبتَها برقم محدّد فالأمر مختلف. والأشدّ من ذلك أن تحسب كم ساعة ستذاكر في كل يوم. فلنفرض عشر ساعات في اليوم، فأنت تتكلم عن عشرة في ثلاثين، ثلاثمئة ساعة. وعندك عشر مواد، لكل مادة كتاب، فتقسم الثلاثمئة على عدد الأوراق فيخرج لكل ورقة كذا دقيقة. فكأنك حين تحسب هذا الحساب تريد أن تقوم فتمسك الكتاب الآن حالًا، لأنك تعلم أن دقيقة ستفوتك الآن، فهي حق ورقةٍ من الأوراق التي يُفترض أن تُذاكَر.

وكذلك حين أحسب أن الباقي على رمضان تسعة وعشرون يومًا تقريبًا، ورمضان نفسه تسعة وعشرون يومًا، فالمفترض أنني في سباق مع الزمن لأحصل من رمضان على النجاة طوال حياتي من العذاب، من النار.

العفو أمنية المؤمن الكبرى

ربُّ العالمين سبحانه إذا أفاض على عباده بعتق رقابهم من النار في شهر رمضان فكأنما حازوا الفضل كلَّه. ولم يبقَ شيء آخر يمكن أن نحصل عليه بعد ذلك إلا مزيدٌ من رضوان رب العالمين سبحانه. وليس في أمنيات المؤمنين أكثر من أن ينالوا عفو الله سبحانه وتعالى.

تخيّلوا، إذا عفا الله عز وجل عن عبد استقرّت حياته. فأنتِ تتكلمين عن مشكلات في البيت مع زوجك، أو مشكلة مع حماتك، أو مع ابنك، أو مع جارتك، أو مع أي أحد في الدنيا كلها. كل هذا يُحَلّ باستقرار النفس وثباتها وطمأنينتها. فإذا تحققت الطمأنينة في نفوس العباد استقرّت حياتهم بشكل تام.

ولذلك، لما أراد ربُّ العالمين سبحانه أن يذكّر نبيَّه ﷺ بمزيد فضله عليه قال له، بسم الله: ﴿وَالضُّحَىٰ ۝ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ۝ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ۝ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ ۝ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾.[2] ثم عدَّد عليه النعم: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ ۝ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ ۝ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ﴾. هذا بُعد مادي دنيوي. وبعد هذه النعم يُطلب منا ردُّ الجميل بكذا وكذا وكذا، ثم نكمل القراءة فنقول: لا، لقد انتهينا من هذه، لكنَّ هناك المزيدَ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾. تخيّلوا! فكان من أعظم النعم التي أسداها الله تعالى على رسوله ﷺ أن شرح له صدره.

بماذا شرح ربُّ العزة صدرَ النبي ﷺ؟ ربما نقول، والله أعلم: شرح صدره بأن أزال عنه استشعار ثقل المعصية.[3] فالمعصية تُثقِل. وقد جاء في الرواية أن المؤمن يرى ذنبه الصغير كأنه جبل يوشك أن يقع عليه فيدكَّه دكًّا، بخلاف الكافر أو العاصي الذي يرى ذنبه كأنه ذبابة وقعت على أنفه ففعل هكذا. فإذا أخطأ هذا خطأً كبيرًا فهو عنده عادي، وإذا وقع في مصيبة فلا مشكلة، وإذا ارتكب كبيرة من الكبائر فسيمرّ عليها. أما المؤمن فعلى خلاف ذلك.

فنقولها مرة ثانية: الأصل في رمضان بالنسبة لنا هو أن نحصل من رب العالمين سبحانه على المغفرة وعلى العفو. فإذا عفا الله تبارك وتعالى فقد حصّلنا خيرَي الدنيا والآخرة.

ولذلك تجدون، حفظكم الله جميعًا، أن النبي ﷺ لما سُئل عن أخصِّ اللحظات تقرُّبًا إلى الله تبارك وتعالى في أعظم الليالي، قالت السيدة عائشة: يا رسول الله، لو أنا صادفتُ ليلة القدر فما أقول؟ فعلّمها النبي ﷺ الدعاء: «اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعفُ عني».[4] لأن الله إذا عفا فقد تجاوز، وقد غفر، وقد منح، وقد أعطى، وقد لبّى سبحانه، جلّ في علاه.

الصيام: إمساك ونيّة

ونحن نتحدث عن الصيام، فالصيام عبارة عن الإمساك. وما معنى الإمساك؟ أن أمتنع عن فعل شيء كنت أفعله وتعوّدتُه. قال لي: ستمتنع عن أشياء مخصوصة في أوقات مخصوصة. وأنا لا أفهم ما يعني هذا، فيقول: ستمتنع عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، مع النية.

ومسألة النية مسألة أساسية، وهي في قول النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات». كل شيء، ولنخرج من موضوع الصيام قليلًا ثم نعود إليه. حين تنظّفين البيت والأمر ثقيل عليك جدًّا، وترين أن الحمل كثير، والأولاد تركوا لك الدنيا بعد أن ذهبوا إلى المدرسة، وتقولين: هل أنا كل يوم في هذا الهمّ؟ فنقول لك: نقطة واحدة فقط ثم أكملي. هذه الفاصلة التي نقف فيها ثم نرجع، ماذا نقول فيها؟ نقول: «إنما الأعمال بالنيات». فاجعلي عندك نية. هذا يُخرج عيني، وذاك يطلّع روحي، لا، لا أقدر. فنقول: احتسبي. وما معنى احتسبي؟ أي أننا نُخلص العمل لله سبحانه وتعالى. فسأتعب قليلًا أكثر؟ لا تكلّميني، كلّمي ربنا. لم أنم جيدًا؟ لو سمحتِ لا تكلّميني، كلّمي ربنا. أنتم دائمًا تعبون، من فضلك لا تكلّموني، كلّموا ربنا. فكلما كلّمتِ ربَّ العالمين سبحانه في مسألة تبذلين لها جهدًا، فإن الله تبارك وتعالى يكافئ عليه.

والزوج الذي أتعبكِ في البيت وطلّع عينيكِ وأنتِ تقولين: أنا صابرة عليه من أجل الأولاد. لو تكرّمتِ صحّحي الجملة واجعليها: صابرة عليه من أجل ربنا. فتجدين الاحتساب يحقق لك من الثواب ما يضمن لك الجنة، ويسعد نفسك في الدنيا. أما إن كنتِ تشعرين أنكِ تفعلين من أجل الأولاد، فإن الأولاد ما إن يكبروا ويشمّوا أنفسهم ويقف كل واحد على رجليه، حتى يذهب كل واحد إلى مكانه، هذه البنت وجدت لها عريسًا فتزوجت ومشت معه واستقرّت في بيتها والحمد لله، وأنا بقيت وحدي. فيكون الناس الذين بذلتُ جهدي من أجلهم في حياتي كلها قد ذابوا كحبّة ملح وراحوا كلهم. لكن لو عملتُ من أجل ربنا فأين يذهب مني ربنا؟ أنا الذي سأسأل نفسي: أين أذهب أنا منه؟ فلو صار شعور الإنسان في هذا الإطار فلن تضيع لنا أعمال، ولن يُبدِّد اللهُ سبحانه جهدنا.

فمسألة النية هي التي يقول مشايخنا وفقهاؤنا وعلماؤنا إنها ركن في كل الأعمال التي نتعبّد بها لله سبحانه وتعالى.

الحديث القدسي: «الصوم لي وأنا أجزي به»

حين نستقبل رمضان نسترجع مجموعة من أحاديث النبي ﷺ. ومنها ما ينقله النبي ﷺ عن رب العزة سبحانه وتعالى. وقد تعوّدنا أن نسمع من ربنا في القرآن، فإذا جاءنا حديث ينقله عن ربه سميناه الحديث القدسي، لكن في إطار أن ربنا يتكلم عن موضوع. فهل تتصورون أن ربنا يتكلم في مواضيع تافهة؟ الله عز وجل يتكلم! فإذا تكلم الله تبارك وتعالى عن أمر فإنما هو أمر جلل.

فيقول ربُّ العزة سبحانه وتعالى: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به». والصوم هو الشيء الوحيد الذي يأخذه الله سبحانه، القدير، من العبد كما هو، كما يخرج منه، فيأخذه لنفسه. فما الذي نُري ربَّنا سبحانه وتعالى من أنفسنا حين يتكامل بين أيدينا أمر الصيام؟

ثم قال النبي ﷺ: «والصيام جُنّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفُثْ ولا يصخَبْ ولا يجهل، فإن شاتَمَه أحدٌ أو قاتَلَه فليقل: إني صائم. والذي نفس محمد بيده لَخُلُوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى يوم القيامة من ريح المسك. وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه».[5]

هذه مجموعة من الجمل التي رسم لنا النبي ﷺ من خلالها الطريق ونحن ماشون في رمضان.

ثلاثة محاور: البدن والعقل والنفس

ونحن نستقبل رمضان نريد أن نستعد نفسيًّا، ونستعد عقليًّا، ونستعد بدنيًّا. ثلاثة محاور أساسية لا بد أن نركّز عليها.

الاستعداد البدني. يبدأ بتهيئة الجسم لما سيلقاه في رمضان. أين سيتعب الجسم من رمضان؟ عندي ناس يشربون القهوة بكميات مجنونة، فأقول له: انتبه، سيأتي عليك رمضان فتجد نفسك من أذان الفجر إلى أذان المغرب لا تستطيع أن تشرب ولا حتى رشفة قهوة. فكيف تفعل؟ بدل أن يشرب خمسة أكواب يبدأ فيقلل قليلًا، ثلاثة، ثم يقلل إلى اثنين. والله الذي لا إله غيره، هذا العمل التدريجي في حد ذاته فيه احتساب لله سبحانه، وفيه تربية للنفس. فأنا بدأتُ أربّي نفسي، وهذا هدف تربوي أصلًا في رمضان، لكني بدأت من أول شعبان، لا من أول رمضان فقط. أتعرفون لماذا أفعل ذلك؟ لأني أريد أن أسبق في رمضان. فيقولون لنا: تسبق إلى ماذا؟ أقول: أسبق، أسبق، أريد أن أسبق إلى مرضاة الله تبارك وتعالى.

ولو تخيّلنا أن ناسًا داخلين في سباق جري، وجئنا برجل من مكتبه الذي يقعد فيه أربعًا وعشرين ساعة بين اتصالات وناس ومناقشات، وقلنا له: تعال، قف هنا فهذا هو السباق، هيا اجرِ. اجرِ؟ أين؟ أنا هنا على كرسيّي لا أقدر أن أتحرك، فأين أذهب؟ لا أستطيع أن أجري. لكن لو عرف هذا الرجل أن سباقًا سيحدث بعد شهرين أو ثلاثة أو خمسة، وقلنا له: من فضلك ابدأ من الآن، فكَّ عضلاتك وتحرّك، امشِ خطوتين، فمشينا اليوم خمسة أمتار، وغدًا سبعة، وبعد غد كيلومترًا، وبعد أسبوع مشينا مسافة أبعد بكثير، فإذا جاء وقت الاختبار كنتُ أمارس شيئًا اعتدتُ فعله، فلم يعد غريبًا على عقلي، ولم يعد بدني متباعدًا عن أدائه، وصار البدن نفسه عنده نوع من الممارسة.

فيقولون لنا: لو قدرتم أن تُكثروا من الصيام في شعبان. ولذلك كان النبي ﷺ يُكثر من الصيام في شعبان.[6] لماذا؟ لأنه يعلّمنا ﷺ أن نستعد لرمضان. فإن الأعمال حين تأتي، يا أخواتنا الكريمات، كأنها صدمة، فيرتبك الجسم، والإنسان حين يمارس شيئًا كأنه صدمة، كأنه مضطر إليه، يكون الأمر عليه ثقيلًا.

تخيّلي أن رب العالمين يراكِ وأنتِ صائمة في أول يوم من رمضان وأنتِ كارهة متضايقة قرفانة لا تتحملين: لا أحد يكلمني، لا أحد ينظر في وجهي، لا أحد يرفع صوته، أنا مصدَّعة لأني صائمة! ماذا بك يا عم؟ صائمة؟ وما معنى صائمة؟ أعبد ربي. وما بالك قرفانة هكذا وأنتِ تعبدين ربك؟ الطبيعي أن تكوني مبسوطة فرحانة. لكني صدمتُ جسمي بما فعلتُ، فكل الحركة الدورية الموجودة في الجسم اضطربت. وعليه فلا بد أن أبدأ في تحضير نفسي من الآن حتى أستطيع أن أبدأ السباق مع المتسابقين في رمضان لنيل مرضاة رب العالمين سبحانه وتعالى.

فالاستعداد البدني: أن نبدأ بتقليل كمية الأكل قدر ما نستطيع، حتى إذا جاء رمضان لم يضايقني جسمي في أول يوم. لأنه إن ضاق جسمي ضاق دماغي، وإن ضاق دماغي تغيّرت معنوياتي، وإن تغيّرت معنوياتي فأنا لا أؤدي العبادة على أكمل وجه. ومن هنا كان النبي ﷺ يكثر من الصيام في شهر شعبان، وكأنه يعلّمنا أن نستعد للصيام في رمضان.

هل فينا من يعترض على أنه سيصوم في رمضان؟ هل بين الجالسات من تقول: لا، أنا لا أريد أن أصوم في رمضان، رمضان ليس لي؟ إذا كنا سنصوم على كل حال لأننا مؤمنون والحمد لله، فلماذا تصومين وأنتِ مضايقة؟ حتى لو كانت معنوياتك جيدة وأنتِ تشعرين أنك تحتسبين (فيما يبدو؛ الكلمة مشوشة في التفريغ)، فلماذا تكونين مخنوقة؟ لو عملتُ بعض التدريبات من الآن فسأكون بخير في رمضان. فبدل أن آكل أربع مرات في اليوم، أو ثلاثًا، أو خمسًا، أقلّل الكميات بقدر ما أستطيع، فيما هو معتاد ومقبول لدى الجسم.

وعندنا بعض الأبدان تحتاج إلى كميات معينة من الأكل في أوقات معينة بسبب المرض، فهذه تسير بشكل طبيعي، وقد يأتي عليها رمضان ولا تكون مطالَبة بالصيام أصلًا، وتبقى على البرنامج نفسه. لكني أتكلم عن الشخص العادي الذي يستطيع أن يقلل من كميات طعامه حتى يلحق برمضان بشكل طبيعي جدًّا.

وبعض الناس يقولون: لا تقلق، الأمر عادي جدًّا، نصوم طول النهار ونبقى نائمين إلى المغرب، أو إلى قبل الظهر أو بعد الظهر أو قبل العصر، فإذا صحَوتُ، إن شاء الله، استغللتُ بعض الوقت وقرأتُ شيئًا من القرآن، وأول ما يأتي المغرب أنقضُّ على الطعام. فأنا لم أخسر شيئًا، والحمد لله، ورمضان لم يخسّرني شيئًا. هذه العقلية تفكر تفكيرًا غير سليم. فالطبيعي أن أخرج من رمضان وأنا سليم صحيًّا ونفسيًّا وعقليًّا. رمضان جاء ليعالج كل الأشياء. رمضان دورة تدريبية[7] للبشر يدخلونها ليخرجوا منها وهم في حالتهم الطبيعية الصحية. أنتم تعرفون أنكم حين تعملون إعادة تشغيل للحاسوب فإنه يبدأ من الأول، فتخرج كل الأشياء مضبوطة بإعداد ممتاز. نفس الكلام: المفترض أن أخرج من رمضان وقد عملتُ إعادة ضبط وإعادة تشغيل لكل ما عندي.

هذا رقم واحد: الاستعداد البدني.

الاستعداد العقلي. وما موضوع الاستعداد العقلي هذا؟ ما بال العقل؟ هل سأركّب عقلًا جديدًا؟ لا. بل أسألك: فيمَ تفكرين الآن؟ أريد أن أسمع آراء الأخوات (لو كنت مع الرجال لأخذتُ آراءهم حتى يُطلعوا عيوني، لكننا هنا مع الأخوات فسنُوجز). فيمَ تفكرين الآن؟ قد يقول لي أحد: والله أفكر في السيارة التي سأشتريها، وفي البيت الذي سأبنيه، وفي الأكل الذي سأعمله، وفي ابني الذي في المدرسة وبنتي التي في الجامعة، وفي زوجي أين هو، وفي زوجتي ماذا تفعل. حسنًا، بعد إذنك فلنفكر في هذه الأشياء، لكن لنجمعها قليلًا، فبدل أن تأخذ تسعين بالمئة من دماغي تأخذ ثلاثين بالمئة فقط. فتقولين: وماذا أفعل بالسبعين الباقية؟ أتسرقني أنت؟ لا، لا. سأترك لك كل ما عندك، كل شيء، ولكن اجعل ثلاثين بالمئة فقط للدنيا، وابدأ تعديل طريقة التفكير بحيث يكون سبعون بالمئة للآخرة.[8]

فإن كنتُ صائمًا في رمضان، فالطبيعي أن مقصدي مرضاة الله سبحانه وتعالى، فكأن الدنيا تذوب تمامًا من رأسي، وكأن العقل يفكر بطريقة مختلفة حتى ينال مرضاة الله، ويكون ربنا سبحانه وتعالى هو محور التفكير بالنسبة لي كلِّه. فإذا لم أستطع أن أفعل ذلك من الآن وأستعدَّ له، وأبدأ تدريب نفسي، فأزيد المعنويات قليلًا، وأزكّي النفس قليلًا، وأطوّر الذات قليلًا، وأهيّئ نفسي معنويًّا، فلن أقدر على ذلك في رمضان. ستبقى العقلية نفسها بالطريقة نفسها والتفكير نفسه. ومن ثم، ولأن دماغي يشتغل بالشكل المعتاد، فسأنقضّ على الفطور وأُدبّها، وتنتفخ بطني أمامي هكذا، ثم أذهب لأصلي التراويح فإذا بي أنعس[9] في الركعة الثانية من صلاة العشاء، ثم أنتهي: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله.

وبعض إخواننا يخرج، والحمد لله، فيشعل سيجارتين أو ثلاثًا على الباب وهو ماشٍ، ولم يكد يلتقط أنفاسه. ثم ماذا؟ يقف يتحدث مع الناس قليلًا ليشعر نفسيًّا بالارتياح أنه ذهب في وقت الصلاة ورجع في وقت الصلاة، يعني ذهب مع بداية الصلاة، ورجع مع نهايتها. فهو يحدّث نفسه: ها أنا راجع مع الناس الذين صلّوا التراويح، وأنا على أحسن ما يكون. لا، لم تفعل شيئًا. لماذا؟ لأن دماغك لا يسير بالطريقة الصحيحة. فإلى أي شيء وجّهتَ دماغك؟

وبعض السلف كان يمتنع عن كثير من الأعمال التي يؤديها ليلَ نهارَ في حياته العملية، تفرُّغًا للعبادة في رمضان. فتقولين: وهذه لا تحتاج إلى دماغ، تحتاج إلى جسم يُوضع في المسجد؟ لا، لا، لا. العقلية يا أخواتنا هي الطريق.

بِمَ تفكرين؟ انتبهي إلى طبخات رمضان، ومطبخ رمضان، وأكلات رمضان. كثير من الناس يعملون برامج اليوم مخصوصة لأكلات رمضان. وأنا أتكلم دائمًا عن الرجل والمرأة، وأنهما يسيران في اتجاهين مختلفين قليلًا: الرجل يضرب في الأرض وهذه طريقته، وهكذا خلقه الله، والمرأة تتفنّن في البيت وفي احتياجات البيت، وهكذا خلقها الله. فهي تفكر من الآن: بماذا سأتفنّن في الأكل في رمضان؟ لا، كوني على طبيعتك، لو سمحتِ. بل على العكس، علّمي الذين عندك الأدب. أدّبي الناس الذين في البيت قليلًا وعلّميهم أن رمضان ليس للأكل. رمضان اسمه شهر الصيام، لا شهر الأكل.

رمضان ليس شهر الأكل الذي يُرمى كذلك، وهذه نقطة لا بد أن نؤكد عليها، فلو تكرمتم انشروها في وسط الأخوات: رمضان ليس شهر الأكل الذي يُرمى. رمضان يمرّ على ناس لا تجد لقمة تكسر بها صيامها، ناس لا يجدون ما يتسحّرون به.

فمرة ثانية: لا بد أن نغيّر طريقة التفكير التي نشتغل بها. قلتُ الاستعداد البدني، ثم الاستعداد العقلي: بِمَ يفكر الدماغ؟ كيف أفكر اليوم وكيف سأفكر في رمضان؟

الاستعداد النفسي. والمسألة الثالثة هي الاستعداد النفسي. أتخيّل أن رمضان يأتي مباشرة ليدخل على نفس البشر فيصلح ما فيها. لكنكِ ملأتِها كراكيب. النفس من داخلها مليئة بأشياء، في ظلمة، وفي لخبطة، وفي أواني وسكاكين وأشياء غريبة جدًّا. فيجيء رمضان ليدخل: يا جماعة، أفسحوا لي. فيقال له: وسّع قليلًا، زِحْ هذا. فيجد الدنيا مكركبة. فلا بد أن تُفرغي أولًا، وتُخلي مساحة، حتى إذا جاء رمضان ليصلح النفس وجد الدنيا فارغة. تخيّلي حين تأتين بمن يصلح لك صنبورًا في البيت، فتُفرغين المكان ليستطيع أن يتحرك ويروح ويجيء ويرفع هذا ويركّب ذاك ويعمل عمله بشكل طبيعي وتلقائي.

وبناءً عليه، فرمضان حين يأتي ليدخل عليّ يجدني لا أزال حاقدة على فلانة، ومغتاظة من فلانة، ففيّ كمية من الحسد والحقد والبغضاء والضغينة، وكمية من الجهل والتكبر، كميات كثيرة مزدحمة في الداخل. فيأتي رمضان ليدخل فلا يجد موضعًا. وعليه فسيترك لك الدنيا، والمواسير ستنفجر في الداخل، وستجدين نفسك بعد قليل في بحر من الظلمات، للأسف الشديد. نسأل الله السلامة.

وعليه فإذا جاء رمضان فلا بد أن يجد نفسيتي أقرب ما تكون إلى الصفاء. فماذا نفعل؟ رقم واحد: هل نقدر أن نسامح بعضنا؟ هذا سؤال مهم جدًّا. هل نقدر أن نسامح البشر أم لا نقدر؟ زوجة ابنك التي تطلّع عينيك منذ يوم زواجها وتعمل فيك مقالب، هل أقدر أن أسامحها أم لا؟ وحماتك القاعدة لك على الواحدة. والناس تشتكي من المصائب نفسها، فنقعد لبعضنا على الواحدة ونتكلم عن فلانة وفلانة وعلّان وعلّان من الكلام الفارغ. وعليه فرمضان حين يجيء يحتاج أن يرى نفسيات راقية، لأن رمضان مستواه راقٍ، هديةٌ من رب العالمين سبحانه. وهو لا يتكلم مع السفاسف التي في الأسفل، ولا مع الناس التي تريد أن تغرز نفسها في الوحل والطين. إنه يتكلم مع ناس تريد أن تطلع إلى فوق وترتقي. تخيّلوا أستاذًا جامعيًّا يتكلم في موضوع معين ويخاطب مستوى معينًا من الناس.

أما الذين اختاروا لأنفسهم أن يبقوا في مزيد من الظلمات داخل القلب، والجهل المركّب، والحقد الدفين، ومحاولة الثأر والانتقام من البشر، كأن الواحد منهم مخلوق ليكون أداة مسلَّطة على رقاب العباد، فهذا النوع من الناس لا أعتقد أن رمضان يخاطبهم، إلا أنه يربّت عليهم ويقول لهم: ما رأيك أن نبدأ نتعامل مع بعضنا؟

لماذا تكثر المشكلات في شعبان؟

فتكلمنا عن الاستعداد البدني، والاستعداد العقلي، والاستعداد النفسي. (كنتِ تريدين أن تقولي شيئًا؟) قالت إحدى الأخوات: نلاحظ دائمًا أن المشاكل تكثر جدًّا في شهر شعبان. تبدأ في شعبان لا في رمضان؟ نعم، في شهر شعبان.

حسنًا. لو صدّقنا حديثَ النبي ﷺ بأن ربَّ العالمين سبحانه يحبس الشياطين في رمضان، فهذا مجرد فهم بسيط جدًّا مني، والله أعلم، قد يكون صحيحًا وقد يكون خطأً، لكننا نفكّر مع بعض بصوت عالٍ.[10] تعرفين حين تريدين أن توصلي كرة إلى هناك، لكن الباب لن يدخلك أنتِ، فماذا تفعلين؟ تمسكين الكرة، ثم تقذفينها مرة واحدة، فتجري الكرة وحدها، وتجري بما يسمى الدفع الذاتي. فالشيطان يفعل ذلك: يُشعل الدنيا بين كل زوجين قبل رمضان بثلاثة أيام، فيدخل عليهم رمضان وهما متخاصمان بالفعل. ثم يصير رمضان والصيام ونحن متخاصمان، حتى يعدي الشهر الكريم ونحن لا نزال متخاصمين. ومع أن رمضان جاء، تجدينني أقول: ما هذه الأيام المفترجة، هذه لم تأتِ حتى لتطرق عليّ الباب، لم ترضَ أن تصالحني، لم تعبّرني. وأبدأ أتعلّل: هذه لم تضع السلطة في مكانها، هذا الباذنجان لم يطلع مستويًا، هذه الملوخية كانت بايظة. وأقعد أتعلّل، والشيطان يكاد يقول: نفسي أنا أن أكون قد رميتُ الكرة وهي تجري وحدها.

وتخيّلي أي كرة في الدنيا، كرة الثلج مثلًا: حين تبدأ تجري تبدأ بحجم صغير، لكنها تنتهي بحجم كبير. فالشيطان يرميها من البداية فيعمل مصيبة بين اثنين شريكين في محل، أو يعمل كارثة بين جارين موجودين جنب بعض ليلًا ونهارًا، أو يعمل لك مشكلة بينك وبين أختك الموجودة في البلد وأنتِ تعيشين في أمريكا، وكانت طالبة منك آيفون 6 وجئتِ لها بآيفون 4! قصص وحواديت وأفلام. الشيطان يعرف جيدًا.

فقد يقول لي أحد: ولماذا نركز كثيرًا على موضوع الشيطان؟ هل هو قويّ إلى هذه الدرجة؟ الفكرة أن الشيطان عنده خبرة. بمعنى: لو جئتُ بموظف اليوم، متخرّج حديثًا، وعيّنته، هل كفاءته في العمل كفاءة واحد عنده خبرة عشر سنوات في الموضوع نفسه؟ وماذا لو وجدتُ واحدًا عنده خبرة ستين سنة، وبالقوة نفسها والحيوية والنشاط الذهني، وعنده خبرة ستين سنة في الشغلانة نفسها؟ يا ترى من منهم سينجز العمل أسرع ويعرف خبايا الأمور؟ الذي عنده الخبرة. الشيطان عنده خبرة في معالجة بلاوي النفس البشرية على مدار الزمن، منذ خلق الله البشرية. فالشيطان يعرف كيف يدخل إلى النفوس كلها.

فلا يذهب إلى رجل ليقول له: ما رأيك أن تسرق هذين القرشين؟ هو لن يفعل ذلك. لكنه يذهب إليه فيقول له: ما شاء الله، كان صوتك جميلًا جدًّا في صلاة العشاء اليوم، لقد أخذتَ الناس، كان الناس سيُجَنّون من أجلك. فيدخل عليه من قضية الكبر، أو يدخل عليه من قضية العجب. ويذهب إلى امرأة متزوجة لا يمكن أن ترتكب الحرام، لكنه يجعلها تغتاب جارتها حتى تقطع سيرة المرأة. ويذهب إلى آخر فيجعله يفعل كذا. مداخل الشيطان على الإنسان متنوعة وكثيرة بتنوع أهدافها وأغراضها وطرقها، على حسب خبرة الشيطان في إغواء النفس البشرية.

فسؤالك: إن المشاكل تكثر في شعبان، فهذا شيء طبيعي لو تصورنا هذا التصور، أننا نخاف من الشيطان في شعبان أكثر مما نخاف منه في أي وقت.

ولكن انتبهوا مرة أخرى: لو أنه محبوس خلال شهر رمضان، بالشكل الذي نتصوره ونؤمن به، فماذا سيفعل يوم العيد حين يخرج؟ هذه مسألة سنتكلم فيها إن شاء الله بعدين، لكن تخيّلوا ماذا سيفعل.[11] تخيّل أن مجرمًا محبوسًا مكتَّفًا شهرًا كاملًا، وهو يرى الناس في الخارج ويتمنى أن ينطلق فيدمّر فيهم ولا يقدر، فأول ما تُفَكّ القيود ينطلق في الدنيا كلها. ولذلك، كما تفضّلتِ، هناك مشاكل كثيرة في شعبان، لكن هناك مشاكل أكثر يوم العيد، وجرائم أكثر يوم العيد. يخرج صاحبنا مشتاقًا أن يدمّر ما بين البشر من علاقات.

مفتاحا رمضان: القرآن والصيام

صلّوا على هادي البشير. فاتفقنا مرة أخرى: عندنا استعداد بدني، وعقلي، ونفسي. وحتى نقدر أن نستقبل رمضان بشكل جيد لا بد أن نمسك بالمفاتيح التي ندخل بها إلى رمضان. المفتاح الأول هو كتاب رب العالمين سبحانه وتعالى. والمفتاح الثاني هو الصيام. والصيام اتفقنا أننا سنتعامل معه بالشكل البسيط الذي كان يفعله النبي ﷺ، فقد كان يصوم شعبان أو أكثر شعبان أو من شعبان، بحسب اختلاف الروايات الموجودة، وفعل النبي ﷺ في أحواله المتعددة.

لكن قضية القرآن مسألة نحتاج أن نقف عندها قليلًا. كم مرة تقرئين القرآن في رمضان؟ لو مررنا على الناس لوجدنا إجابات متعددة ومتنوعة. وقد مرّ علينا كم رمضان إلى اليوم؟ مرّ علينا عشرة رمضانات، أو عشرون، أو ثلاثون، أو خمسون، على حسب عدد سنوات الصائمين. فيا ترى ما أحوالنا الإيمانية؟ المفترض أن كل رمضان يمرّ عليّ يغفر الله لي فيه كل ذنوبي، ويجعلني ملاكًا، شخصًا آخر، إلى آخره. فلماذا لا نزال في البلاوي نفسها؟ لماذا لا يزال اللسان الطويل نفسه الذي أريد أن أقطعه؟ لماذا لا تزال النفسية الحقودة نفسها على الناس؟ لماذا لا يزال الكذب نفسه عند بعض الأشخاص؟ لماذا لا نقدر أن نقتلع أنفسنا من هذه البلاوي مع أنه مرّت علينا رمضانات كثيرة؟

فيقول لي أحدهم: أنا قرأتُ القرآن السنة الماضية خمس مرات يا شيخ. وآخر: سبع مرات يا شيخ. وآخر: كنت أختم كل ثلاثة أيام يا شيخ. أنتِ تقولين ختمة كل ثلاثة أيام؟ ما شاء الله، جميل جدًّا. وماذا استفدتِ؟ ما الذي استفدناه؟

ثم ذكر الثواب: أن بكل حرف حسنة، وأن الحسنة بعشر أمثالها ويضاعف الله لمن يشاء.[12] وقال الله تعالى لرسوله ﷺ: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾.[13] ثم ماذا؟ رب العالمين لما أمر النبي ﷺ أن يرتّل القرآن، فأنا أرتّل القرآن بمعنى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، أفلا يتفكرون، يتذكرون، يعقلون. كلها عبارات تفيد أنه لا ينبغي المرور على كلمات القرآن الكريم مرورًا عابرًا، وإنما قراءة القرآن لا بد أن تكون بما يناسب مقام القرآن من التدبر.[14]

الأصل في رمضان أن أكثر ما يكون مع الصيام موضوع الصلاة. فلو بدأنا بموضوع الخشوع، بأن نعوّد أنفسنا الخشوع في الصلاة، فسيكون هذا بداية. ابدأ بأن أهتم بالصلاة حتى أقدر بعد ذلك أن أصلي التراويح.

ثم القرآن، كيف نقدر أن نتدبره وكيف نقدر أن نفهمه؟ كيف تقرئين؟ حاولي أن تقرئي القرآن كأنك تشرحين لأحد، من غير أي إضافات. فنقول مثلًا في الصلاة: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ... الضالين، آمين، الله أكبر! ماذا تفعلين؟ ماذا تفعلين؟ أصلي هكذا. أنتِ لا تصلين هكذا، أنتِ تنقرين الصلاة. وماذا تفعلين؟ أقرأ القرآن. كيف تقرئين؟ قرأتُ سورة البقرة اليوم كلها: الم، ذلك الكتاب، … المتقين. بالراحة. استهدي بالله. أنتِ هكذا لا تقرئين القرآن، أنتِ هكذا تمسكين القرآن وتعدّينه. أنتِ ماشية بسرعة.

اتفقنا يا أخواتنا الكريمات؟ فمسألة قراءة القرآن الكريم شيء بسيط، ولن أدخل في أي تفاصيل، لكن اقرئي القرآن كأنك تشرحين لأحد. جرّبي أن تقعدي مع أنس وتقولي له: هيا نقرأ سورة كذا، اقرأ. فنقول مثلًا: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۝ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ۝ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ۝ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ۝ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ۝ كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ ۝ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ ۝ إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ﴾.[15] إذا قرأنا القرآن بهذه الطريقة فهي مقدمة لقضية التدبر.

نحن كلنا نضرب «قل أعوذ برب الناس» في الركعتين ونطير، نأخذ الركعتين بسرعة مئة ميل في الساعة ونحن طايرون، ونقلب الصلاة: اجرِ، اجرِ. هذا الكلام ليس تعبُّدًا، هذا استخفاف. نحن بهذا نهرّج، نحن بهذا نؤدي لله سبحانه وتعالى شيئًا سيئًا، ليس جيدًا في ذاته. لا بد أن يكون هناك فرق كبير جدًّا بين الأداء وإسقاط العمل عن الكتف. أنا لست معي كيس أحمله على كتفي وأريد أن أضعه، أنا معي أمانة أؤديها، فلا بد أن أؤديها على أحسن وجه.

فلو حاولنا أن نقرأ القرآن الكريم كأننا نشرح لأحد، بالراحة وبهدوء، فسنجد أننا نستوعب بنسبة كبيرة لا بأس بها، وساعتها نبدأ نحسّ بحلاوة القرآن. والله الذي لا إله غيره، قد تجدين نفسك في بعض المواقف تردّدين الآية نفسها أكثر من مرة، لأنك أخيرًا أحسستِ أن هذه الآية حلوة جدًّا. وأحيانًا، مع أنك قرأتِ القرآن عشرات المرات، تمرّين على بعض الآيات كأنك لم تقرئيها من قبل، كأنها أول مرة تُبصرينها في حياتك، لأنك بدأتِ تحسّين بحلاوة القرآن الكريم وأثره في القلب وتأثيره على العقل وتوجيهه للدماغ وطريقة التفكير التي تغيّرت. وحين أرجع إلى سورة من السور وأقرؤها قد تجدين نفسك تقرئين السورة مرتين: ما هذه السورة، عمّ تتحدث؟ وذلك بعد التفكير.

وما دمنا نقرأ من غير تفكير، فسنشتغل من غير تفكير، وسنخطط من غير تفكير، وسنطبّق من غير تفكير، وحياتنا كلها ستقوم على منظومة من العشوائية لن نجد معها أي نتيجة عملية. والدنيا كلها حوالينا تسبق، لأن الدنيا كلها حوالينا تفهم ما تفعله وتفكر فيه وتراجع دماغها، ثم تبدأ التنفيذ بعد فهم واستعدا...

(ينقطع التسجيل عند هذا الموضع قبل تمام الجملة.)

--- [1]: توثيق المحرر: ذكر المتحدث هذه الجمل على أنها معان تتكرر كل سنة. أما عبارة «يباهي الله ملائكته بعباده» في رمضان فلم يذكر لها لفظًا ولا عزوًا، ولم يتيقن المحرر من ثبوتها بهذه الصيغة، فتُنقل على أنها ما قاله المتحدث. [2]:توثيق المحرر: الآيات المتلوّة من سورة الضحى (١–٨)، ثم الشرح (١)؛ ولم يسمِّ المحاضر السورتين ولا مواضع الآيات. [3]: توثيق المحرر: هذا اجتهاد من المتحدث في تفسير شرح الصدر، أورده بصيغة الاحتمال («ممكن نقول»)، ولم ينسبه إلى أثر. وأما الحديث الذي أشار إليه فقد رواه البخاري عن ابن مسعود موقوفًا عليه: «إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه فقال به هكذا». وذكره المتحدث بمعناه. [4]: توثيق المحرر: رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عائشة رضي الله عنها، بلفظ «اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعفُ عني». وقد اضطرب آخر الدعاء في التفريغ («فعفو عنه») فأُثبت لفظ الرواية. [5]: توثيق المحرر: أورد المتحدث الحديث قطعةً قطعةً، وأول الجملة هو الحديث القدسي «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم…»، والباقي من كلام النبي ﷺ، والأحاديث في الصحيحين بألفاظ متقاربة (البخاري ومسلم). وقد ضُبطت العبارة على الرواية المعروفة، مع إثبات «ولا يجهل» كما ذكرها. [6]: توثيق المحرر: لم يذكر المتحدث لفظًا ولا راويًا؛ والمعروف في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان يكثر من الصيام في شعبان. وقوله لاحقًا «يصوم شعبان أو أكثر شعبان» إشارة إلى اختلاف الروايات. [7]:توثيق المحرر: في التفريغ «دورة تدريبية ثانوية»؛ وقد رجّح المحرر أنها «سنوية» أي تأتي كل عام، فتُقرأ على هذا الاحتمال. [8]: توثيق المحرر: نسبة ٣٠٪ للدنيا و٧٠٪ للآخرة تمثيل ساقه المتحدث لتقريب المعنى، لا قاعدة شرعية. [9]:توثيق المحرر: الفعل مشوّش في التفريغ («هقي نفسي بتوب»)؛ و«أنعس» تقدير من السياق. [10]: توثيق المحرر: أشار المتحدث إلى الحديث الوارد في تصفيد الشياطين في رمضان ولم يذكر لفظه ولا مصدره. وتحليله لسبب كثرة المشكلات في شعبان قدّمه بوصفه فهمًا شخصيًّا («والله أعلم، قد يكون صحيحًا وقد يكون خطأً»). [11]: توثيق المحرر: قوله إن الجرائم والمشكلات تزيد يوم العيد تصوّر شخصي طرحه المتحدث بصيغة «تخيّلوا»، ولم يستند فيه إلى نص ولا إحصاء. [12]:توثيق المحرر: جملته هنا مضطربة في التفريغ («مسألة أن أجد السنة ترتل القرآن كله…»)؛ فلم يُثبت منها إلا ما وضح من ذكر الحسنات. [13]:توثيق المحرر: الآية في سورة المزمل (٤). [14]: توثيق المحرر: لم يذكر المتحدث الآية بلفظها، وإنما ساق عبارات «أفلا يتدبرون القرآن، أفلا يتفكرون، يتذكرون، يعقلون» تنبيهًا إلى معنى التدبر؛ وأقرب مواضع «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ» في سورة النساء، الآية 82، وسورة محمد، الآية 24. وقد أثبت المحرر لفظ الآية هنا على قدر ما ذكر المتحدث. وسبقت هذه العبارة في التفريغ كلماتٌ مضطربة جدًّا (في نفي معنًى للترتيل) لم تُثبت. [15]:توثيق المحرر: الآيات من سورة العلق (١–٨)، تلاها المحاضر ولم يسمِّ السورة.

Share this article

تبصرے

مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔

ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔

امید ہے مضمون سے مستفید ہوئے، ہم آپ کے تبصرے اور نصیحت کا خیر مقدم کرتے ہیں۔

شیخ سے پوچھیں