رمضان والمعارك الأزلية
نصف الشهر مضى: ماذا تغيّر فينا، وأين نحن من الغاية؟
المناسبة: خلاصة خطبة جمعة أُلقيت في دار القرآن بتاريخ 6 مارس 2026مالمصدر: تفريغ خطبة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
استمعوا إلى أصوات طلاب القرآن الكريم الآن. إنها أصوات تملأ مكانًا ما كان ليقوم لولا أخٍ لنا شيخ، رحمه الله رحمة واسعة، كان سببًا في وجوده ووجود من فيه. فأول ما نبدأ به اليوم دعاءٌ متجدد له، وأن يكتب الله هذا الموطن في ميزان حسناته.
والحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله ﷺ. أما بعد:
فما أسعد الإنسان إذا ترك وراءه أثرًا لذكر الله، وما أشدّ غبنه إذا انخدع بالدنيا فادّخر منها ما يخلّفه وراء ظهره، يتنعّم به غيره ويُحاسَب هو عليه. سبحان من قسم الأرزاق والأفهام بين الخلق، وجعل لكل إنسان هديًا ومنهجًا يسير فيه، وقسم المشاعر بين الناس، فيشعر أحدهم بقربه من رب العالمين، ويشعر آخر بقربه من الشيطان، والعياذ بالله.
نصفٌ مضى ونصفٌ بقي
عباد الله، انقضى نصف رمضان وبدأ النصف الثاني، ولن يكون ما بقي مثل ما مضى. وإن كان لصاحب الخطة من البداية عملٌ يوازي الزمان، فقد انقضى الزمان وبقي العمل: أُنجز أو لم يُنجز، والله أعلم. ويبقى مطلوبًا من كل واحد منا أن يضاعف الجهد. ولم لا؟ فقد جاءت الأيام ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ كما سماها ربنا [البقرة: 184]، على قدر المطلوب من الشهر الذي ﴿أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185]. جعله الله شهرًا كاملًا، إذا نقص منه شيء نقص من الأثر المترتب عليه، وإذا استكمل العبد العمل فيه أنجز مراد الله منه.
فكيف شعورك الآن؟ أترى من نفسك نوعًا من الوصل بالله، أم بقيت النفس في محلها كما كانت قبل دخول رمضان؟ هل استفاق عقلك إلى منظومة الحقائق التي ينبغي أن نأوي إليها، أم بقينا حيث كنا لم نتغير ولم نتبدل؟ ولا تستغرب هذا القول، فمنا من أمضى من عمره ستين أو سبعين أو خمسين سنة، ولا تزال أحواله كما هي وخصاله ثابتة على مبدئها، لا يريد أن يتغير إلى الأحسن ولا أن يطوّر نفسه ولا أن يبلغ مرادًا بين يدي رب العزة.
طُفيل بن عمرو: رجلٌ سدّ أذنيه فاستمع
وأقرن بين أمثال هؤلاء ورجلٍ دخل مكة يومًا وسط التحذيرات المدوّية من الذين يضمّون أنفسهم حماةَ الدنيا حينها، كأبي جهل وأبي لهب. استوقفوه على باب مكة وحذّروه من ذلك الإنسان الذي يفرّق بين الرجل وامرأته وبين الوالد وولده. وبلغ به الأمر أن وضع في أذنيه قطنًا، كُرسُفًا كما تقول الرواية، محذِّرًا نفسه كل التحذير من سماع كلمة واحدة من رسول الله ﷺ.
وبينما هو يطوف حول الكعبة طوافَ الجاهلية وأهلها، حدّث نفسه فقال: ويحك يا طفيل! أنت رجل عاقل، تعرف الصواب من الخطأ والثمين من الغَثّ، فلمَ لا تستمع إلى الرجل فتنظر ما عنده؟ فإن كان ما عنده صوابًا كنتَ معه، وإن كان غير ذلك أدركتَه وأنت اللبيب الذكي. فذهب إلى محمد ﷺ حيث كان، وجلس بين يديه، وبدأ النبي ﷺ يتلو عليه. فإذا به، بفورية لا تقبل التأجيل أبدًا، يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله.
ثم ماذا فعل؟ لم يكن من أمره إلا أن قال: يا رسول الله، إن دَوْسًا قد فشا فيهم الزنا، فابعثني إليهم رسولًا لك يا رسول الله. رجلٌ حملته همّته على أن ينتصر وأن يتحرك بسرعة البرق نحو الغاية الأتمّ بالنسبة له، يريد تحصيل الجنة في أسرع وقت، فهو لا يدري أيبقى إلى الغد أم لا.
وانظر إلينا. ماذا بعد الإسلام عندنا؟ جلوسٌ بجوار الحائط ننتظر إقامة الصلاة، فإذا قامت كنا على قدر من الملل بحسب طول التلاوة أو حسن الأداء والصوت. ثم ماذا بعد؟ إذا عُرض علينا باب من أبواب الجنة في الصدقة أو غيرها راجعنا أنفسنا ونظرنا في الاحتياجات، وفي ما ستقوله المرأة إذا عدتُ إلى البيت وقلت: تصدّقتُ. فإذا هو عقابٌ غير محتمل! أنا في راحة منه الآن. فإذا عُرض عليّ باب من الخير أجّلتُه، وقدّمتُ احتياجات بدني ونفسي وعيالي على احتياجات مجتمع المسلمين وعلى أدوات تسييره بما ينبغي. ثم ماذا بعد؟ ليس بعد أكثر من طعام كثير وشهوة متعددة وكلام متعدد الجوانب، ليس أكثر من دنيا تنقضي.
شهد رمضان
يحكي لنا رسول الله ﷺ نموذجًا مشوِّقًا: رجلان بينهما صحبة عميقة. قُتل أحدهما في غزوة، فسمّاه الناس شهيدًا، والمنطق والواقع معهم. ومات صاحبه بعده بسنة، فرآهما أحد أصحاب النبي ﷺ في المنام، فإذا الذي مات بعدُ قد سبق إلى باب الجنة! فتعجّب، واستيقظ، وعاد إلى النبي ﷺ يسأله: يا رسول الله، مات الأول أمام أعيننا في المعركة شهيدًا، ثم مات الثاني بعده بسنة، فكيف يدخل الجنة قبله؟ فجاء الجواب بما لم يخطر على بال أحد ممن كانوا ولا ممن يأتون بعدهم: أوَما عاش بعده سنة؟ وفي الرواية أنه أدرك رمضان فصامه.[1] وكأن شهود رمضان يعدل مجاهدةً في أرض المعركة.
نعم، وقد جاء رمضان ليعيد صياغة النفس الإنسانية، ويعيد تشكيل هذه العقلية البشرية، ويعيد ترتيب الطموحات عندك أيها المؤمن الذي يبتغي رضوان رب العزة. كثيرون منا لا يتفكرون أن رمضان سُلَّمُ العروج إلى الله تبارك وتعالى. ولذلك توسّطت آيةُ الدعاء آياتِ الصيام:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]
كأن الدعاء المقبول أنسب مقاماته في وسط هذه الأيام المباركات، فلا أرجى للدعاء من هذه الأوقات.
معارك أزلية
نحن أمام معارك أزلية من البداية إلى النهاية. من ظنّ أنه نجا منها فقد هلك بعقله وفكره، ومن أخذ بها بقي على يقظته الدائمة وصحوه التام، لا تخور همته لحظة ولا يفتر عزمه ثانية. رجلٌ يقِظ وامرأة متّقدة الهمّة، لماذا؟ لأن العداوة قديمة، فهي قائمة منذ أول الخلق:
﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ﴾ [طه: 120]
هذان رمزان لشهوتين ستبقيان في النسل البشري إلى يوم القيامة، هما أكثر ما يتملك الإنسان. إحداهما حب الخلود، وصورتها ميل كل من الجنسين إلى الآخر، وهي الشهوة المشتركة القائمة إلى يوم القيامة، وما يترتب عليها عند النساء من التبرج أو الخروج عن الأصل والمألوف، وعند الرجال من التشهي أو النظر إلى المحرم. والأخرى حب التملك، وما يصاحبه من سرقة وغش وتزوير وشهادة زور وعمل بالباطل وأكل لأموال الناس بغير الحق، إلى آخر ما تصل إليه الالتواءات التي يظن الإنسان بعدها أنه غنم غاية.
تلك كانت البداية. ثم يرينا رب العالمين أن ثمة عدوًّا متربصًا بك، لكنه هذه المرة من أعماق داخلك:
﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: 53]
ومن يرحم الله إلا من التمس رحمته، وخطا إليها بقدميه، بل بهمته وعقله ووجدانه. نسعى لذلك ونبذل من أجله، وإلا فنحن كاذبون، ونعوذ بالله من ذلك. إن الخطو إلى الله ليس بالأمر الهيّن، وإنما هو ببذل الغالي والرخيص، وببذل الأعمار. وتبدّى لنا ذلك في مشاهد أصحاب النبي ﷺ.
فهذا رجلٌ يقف على عتبات المعركة، ويسأل نفسه سؤالًا في منتهى البساطة: أوَمَا بيني وبين الجنة إلا أن آكل هذه التمرات؟ تخيلوا المشهد معي: الجيش يستعد لاقتحام قريب، والسهام ستأتي من كل ناحية، والرجل يقوّي بدنه ببعض التمرات في يده. ليس غداءً ولا شواءً ولا إعدادًا، إنما تمرات تلوّثت بالتراب. ثم يقول لنفسه: والله إنها إذن لحياة طويلة! فيلقيها وينطلق.[2] ما الذي حمله على ذلك؟ بل السؤال الأتمّ: ما الذي يؤخرنا نحن عن ذلك؟
لسنا الآن أمام معارك حسّية نحمل فيها السلاح ونحن نجلس في هذا المكان. وإنما لدينا معارك مع أنفسنا التي تؤثر الحياة الدنيا على الآخرة، وتفضّل متاع الأبدان على متاع الأرواح، وتزكّي الجوارح أكثر مما تزكّي القلوب والمشاعر. ثم هناك من حولنا: أناسٌ سيئون في أخلاقهم يحملون بعضنا على الرد بمثل ما يصنعون، وهو خلاف أخلاقنا. وهناك من يثير الفاحشة فيمن حولنا ونحن ننظر، فإما أن نعتبر وإما أن ننغمس، ونعوذ بالله من البعد عنه.
القرآن يعلّمنا أن الدنيا دنيا
القرآن متعة الزمان ونزهة الأرواح ورياض الجنة تُتلى بين يديك. يعرض الله علينا فيه سير الأولين والآخرين، ويعيد لنا تقييم ذواتنا من خلال النظر في صفحاته ومطالعة آياته والاعتبار بكلماته. وهو نعمة الله العظمى على الخليقة أجمعين.
وهو يعلّمنا ببساطة شديدة أن الحياة الدنيا إنما هي دنيا، وأن من أراد أن يرتقي فلا بد أن يخرج منها إلى ما هو أعلى. فإذا فهمنا ذلك نظرنا إلى أكبر بيت وأعظم شركة وأثمن إنتاج وأوسع أرض، وإلى الحياة بكل ما فيها من أرقام ومبانٍ ومدّخرات، على أنها دنيا نراها حين ننظر إلى أسفل لا إلى أعلى. وعلّمنا القرآن أن الذي سيخرج من الدنيا ليس البدن الذي تهتم به ليل نهار، وتكسوه بأحسن ما ينبغي، وتنظّفه بين الحين والآخر، وتشتهي أن يكون طريًّا لينًا. هذا البدن هو الشيء الذي سيبقى تحت التراب. وهناك نفس، هناك روح سوف تصعد يومًا، فإما أن تخرج إلى الله وفيها نضرة النعيم، وإما أن تخرج بائسة شاحبة ليس فيها أثر. وعلّمنا القرآن أن وصف الجنة أعظم موصوف لعيني قبل قلبي.
حنظلة ونفاقه
وفي لحظة مراجعة ذاتية يسأل أحد أصحاب النبي ﷺ نفسه: إلى أي حد من النفاق بلغت؟ فيخرج من بيته لا يدري إلى أين ينطلق، فيلقى أبا بكر رضي الله عنه. فيقول له: نافقتُ يا أبا بكر! فيقول: ما بك يا رجل؟ فيقول: نكون عند رسول الله ﷺ فيحدّثنا بالجنة والنار كأنهما رأي عين، نعيش الحالة ونستشعرها، نتنعّم بالجنة الموصوفة ونتخوّف من النار المحذَّر منها. فإذا رجعنا إلى بيوتنا لاعبنا الأولاد وعافسنا الزوجات ونظرنا في الضيعات. لا يفعل شيئًا حرامًا، لكنه عدّ هذا الخروج المؤقت عن الشعور بالآخرة نوعًا من النفاق.
فيستمع أبو بكر إلى كلماته ويتعقّلها، ويقول: والله كلنا ذاك الرجل، فإن كان هذا نفاقًا فنحن في التهمة سواء. انطلق بنا إلى الرائد الذي لا يكذب أهله. فينطلقان إلى رسول الله ﷺ، والرجل لا يحسن أن يمسك كلماته فيرددها: نافق حنظلة، نافق حنظلة يا رسول الله! فيهدّئ النبي ﷺ من روعه: اجلس، تحدّث، ما بك؟ فقال له في جوابه:
«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً»[3]
لقد جاء جواب رسول الله ﷺ ليزيد من طمأنينة هذا الرجل ويهدّئ من روعه. فالمقام الذي تكون فيه عنده، من مشاهدة الجنة والنار وهذا الإحساس، شعورٌ عزيز. ونحن لا نشعر به إلا قليلًا.
وأتساءل، وأسأل نفسي قبل أي أحد: متى كانت آخر مرة استشعرتَ فيها حلاوة سجدة، وأطلتَ السجود لأنه يعزّ عليك أن تفارقه، ويصعب عليك أن ترفع رأسك من الأرض؟ متى كانت آخر مرة استشعرتَ فيها أنك مندمج في التسبيح إلى الحد الذي رأيتَ فيه روحك تتصل بالسماء اتصالًا مباشرًا؟ متى كانت آخر مرة استمتعتَ فيها بآية من القرآن فبقيتَ تردّدها لأنها كالنغم الذي يطرب القلب والعقل، فتعيشها حياةً وتستمتع بها؟ حينئذ لا نستنكر على من كنا نسمع عنهم أنه يردّد الآية الواحدة ليلة كاملة في صلاته. آية واحدة! إنها لذة الإيمان يا أحباب رسول الله ﷺ.
ما بقي من العمر
عباد الله، فيما تبقّى لنا من الزمن، ولا أقصد رمضان وحده، فما رمضان إلا جزء من الدهر نمضي فيه ويمضي علينا، نريد أن نحدّد الغاية فعلًا من حياتنا، وأن نرسم لأنفسنا خطة حكيمة نعبر بها هذه الدنيا إلى الآخرة. لقد أفضى ذلك الأخ إلى ربه وانتقل من الدار الأولى إلى الدار الآخرة، وبقيت ألسنة كثيرة تردّد له الدعاء. فمن منا يقوم في مثل مقامه؟ وما هو إلا واحد من أفراد الأمة الصالحين، وقبلنا من سبقنا إلى مزيد من الخيرات وارتفعت به همته إلى ما هو أعلى وأزكى وأفضل. ولله الحمد على ما أعطى وله الحمد على ما قدّر لنا.
وقد أتيتكم اليوم مرة أخرى قاصدًا نصرة الله تعالى من خلالكم. لدينا معهد لإعداد الدعاة وبناء الأئمة الجدد، هنا في جواركم في ساكسي. أكاديمية الأئمة متخصصة في صناعة هذا الجيل الذي يحمل همّ الدعوة، ويقف في مثل هذا المقام ويحدّث الناس بمثل هذا المقال. تلك غايتنا وهذا مشروعنا.
اللهم ردّنا إليك مردًّا جميلًا. اللهم احفظ دماء المسلمين في كل موطن من مواطن الأرض، وثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. اللهم لا تقعد لنا بدلًا عن طاعتك، ولا تقعد لنا همّةً عن العمل في سبيلك. اللهم اجعلنا نصرةً لدينك في هذه الأزمان والمواطن.
--- [1]: توثيق المحرر: رواه أحمد وابن ماجه من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، في رؤيا الرجلين. [2]: توثيق المحرر: لم يسمِّ الخطيب الصحابي؛ والقصة هي قصة عمير بن الحمام يوم بدر، رواها مسلم من حديث أنس رضي الله عنه. [3]: توثيق المحرر: رواه مسلم من حديث حنظلة الأسيدي رضي الله عنه.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔