حق الله على العباد وحق العباد على الله
عبادة بلا شرك، ورحمة كتبها الله على نفسه: وقفات مع حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه
المناسبة: تفريغ محاضرة أُلقيت بتاريخ ٦ أكتوبر ٢٠١٧م، أعاد فيها د. أحمد أبو سيف الحديث عن الحديث بعد أن طلب بعض الإخوة تفصيلهالمصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
بعد حمد الله والصلاة على نبيّه ﷺ، دعا المحاضر أن يجمع الله الحاضرين في بيته على طاعته، ثم يجمعهم في الجنة، وأن يكتب أوقاتهم في موازين حسناتهم، وأن يجعل أعمالهم خالصة لوجهه، وأن يهيّئ لهم من أمرهم رشدًا ويحفظ عليهم عافية قلوبهم وأمن نفوسهم وسلامة صدورهم.
ثم قال: كنا قد تكلمنا قبل أيام، في مجلس عزاء، عن حديث النبي ﷺ في حقّ الله على العباد وحقّ العباد على الله، وطلب بعض الإخوة أن نعيد الحديث فيه، فأردتُ أن أفصّل فيه شيئًا من التفصيل في هذه الليلة المباركة.
الحديث برواياته
الحديث في أصله بروايتين. الرواية الأولى عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: «كنتُ رِدْفَ رسول الله ﷺ على حمارٍ يقال له عُفَير، فقال: يا معاذ، أتدري ما حقّ الله على العباد وما حقّ العباد على الله؟ قلتُ: الله ورسوله أعلم. قال: فإنّ حقّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحقّ العباد على الله ألّا يعذّب من لا يشرك به شيئًا. قلتُ: يا رسول الله، أفلا أُبشّر الناس؟ قال: لا تبشّرهم فيتّكلوا».[1]
ومعنى «رِدْف» أو «رديف» أنه كان مرادفًا للنبي ﷺ في ركوبه؛ كانوا يركبون الحمار أو البغلة ويكون أحدهم رديفَ الآخر، أي يركب خلفه. فسيدنا معاذ يقول: كنتُ راكبًا مع النبي ﷺ على حمار، واسم الحمار «عُفَير».
والرواية الثانية من حديث أنس رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: «ما من عبدٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا حرّمه الله على النار». قال معاذ: يا رسول الله، أفلا أُخبر بها الناس فيستبشروا؟ فقال ﷺ: «إذًا يتّكلوا». فلم يحدّث بها معاذ إلا عند موته تأثّمًا.[2] ومعنى «تأثّمًا» أنه خشي أن يأثم بكتمان العلم؛ فحفظ عهد رسول الله ﷺ إلى آخر لحظة في حياته، فلما أوشك أن يموت حدّث بما عنده من العلم، خشية أن يموت وفي نفسه أو قلبه أو عقله شيء من علم لم يبلّغه للخلق.
وفي رواية أخرى أن النبي ﷺ نادى معاذًا فقال: «يا معاذ بن جبل»، قال: فقلتُ: لبّيك وسعديك يا رسول الله. ومعنى «لبّيك»: أنا تحت أمرك، ومعنى «سعديك»: أفعلُ ما يُسعدك يا رسول الله؛ تجدني عند ظنّك، مُرني فحسب. ثم سكت ﷺ ساعة، ثم نادى: «يا معاذ بن جبل»، فقلتُ: لبّيك وسعديك يا رسول الله، ثم سكت ساعة، ثم نادى ثالثةً: «يا معاذ بن جبل»، فقلتُ: لبّيك وسعديك يا رسول الله. فقال له: «أتدري ما حقّ الله على العباد وما حقّ العباد على الله؟» ثم ساق الحديث.
رجلٌ من الأنصار: قرابة الإيمان
ونبدأ مرحليًّا بمعاذ بن جبل رضي الله عنه. هو رجل من الأنصار. والنبي ﷺ إذا أراد أن يُردف أحدًا فالطبيعي أن يُردف أحدًا من أقاربه وأهله، لكنّه أردف رجلًا من الأنصار، من الذين تعرّف عليهم حديثًا. وفي ذلك إشارة إلى أن القربى التي بيننا ليست قربى الدم بمقدار ما هي قربى الإيمان والدين؛ فرَحِم الدين في الإسلام أولى من رَحِم الأبطان أو البطون. إننا نتعامل مع المسلمين كأننا بنيان مرصوص، كأننا إخوة ليس بيننا وبين الناس فوارق تفصلنا عنهم، وإنما الرابط بيننا جميعًا هو الإيمان. فالتعامل بين المسلمين في أصله تعاملٌ في منتهى الصفاء والنقاء، تنبني على المحبة الخالصة ولا يشوبها شيء بإذن الله.
وهذا معاذ شهد العقبة الثانية، وعاهد فيها النبيَّ ﷺ على أن ينصره إذا ذهب إلى المدينة المنورة، وشهد معه غزوة بدر وما بعدها. رجلٌ من الثقات، وآخى النبي ﷺ بينه وبين عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
وعبد الله بن مسعود، لأجل مسألة الأقران فقط، يُروى في بعض الروايات أنه سادس ستة دخلوا في الإسلام. وقد علّم النبي ﷺ أصحابه أنه واحد ممن يُسأل عن القرآن؛ فالناس إذا اختلفوا فيما بينهم ولم يكن النبي ﷺ موجودًا، فمن الذي يُسأل عن القرآن؟ واحد من أربعة، منهم عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وغيرهما. فلك أن تتخيل أن يؤاخي النبي ﷺ بين معاذ وبين ابن مسعود! ثم نستكمل الحديث عن معاذ فنرى أنه واحد من أعلم صحابة النبي ﷺ؛ يقول ﷺ: «أعلمُهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل».
العلم غذاءٌ يحتاج إلى وعاء
فالنبي ﷺ كان يتخيّر المواطن التي يضع فيها العلم. والعلم، يا إخواني، ليس ماءً يُنثر على الأرض، وإنما هو غذاء يحتاج إلى وعاء يستوعبه. فإذا أردنا أن نعلّم العلم فلا بد أن يكون له من يريده.
وقد سمعنا كثيرًا من الحكايات عن طلاب العلم الذين كانوا يتأدّبون بين يدي معلّميهم، لا لشيء إلا للحصول على جملة أو حديث عن النبي ﷺ. بل يُروى أن أحدهم كان يربط على بابه كلبًا شرسًا، فإذا اقترب الطلاب من بيت الشيخ أوشك الكلب أن يفترسهم فيرجعون، ولا يزالون يحتالون عليه حتى يُسكتوه أو يُطعموه أو يخمد، فيتسلّلوا إلى الداخل ليطلبوا حديثًا أو يتعلموا جزءًا. فإذا دخلوا ناداهم الشيخ: كيف توصّلتم إليّ؟ فيقولون: حايَلْنا الكلب حتى... فيقول: الآن تستحقون الطلب.
أما اليوم فالعلم يُنشر على الناس بكل الوسائل الممكنة، ومع ذلك لا يُقبل عليه كثير من الخلق. بل نجده، للأسف، من البضاعة الرائجة التي كثر محدّثوها وقلّ طلابها؛ ما عاد أحد يُقبل على مسألة العلم. واليوم إذا قلتَ للواحد: هذا الإمام أو الشيخ أو المعلّم يجلس في هذا المجلس ويأخذ بعض حقّ وقته، انصرف الناس عنه؛ يريدونها بلا مقابل! لكن إذا نُودوا إلى حلوى أو وجبة في مطعم تجدهم يفرّون إلى ذلك ويدفعون ما شاء الله أن يدفعوا. بل الأشدّ والأنكى أنهم إذا دُعوا إلى مغنٍّ أو ممثّل أو من يسمّونهم بالفنانين، تراهم يدافعون بعضهم بعضًا ليبلغوا المقدّمة. أما ميراث النبي ﷺ وتفسير كتاب الله تبارك وتعالى فنرى الزهد فيه من الخلق، وما ذلك والله إلا شؤمٌ على حال المسلمين، ونسأل الله العافية والسلامة.
قائد المجتمع على ظهر حمار
النبي ﷺ يُردف معه أحدًا على دابة. تخيّل: قائد هذا المجتمع، الطبيعي أن يركب وحده ويسوق وحده ويتنعّم، وربما «ندلّع» شيئًا فنقول: مرسيدس S550! ولكنّ الروايات تقول: «كنتُ رِدْفَ النبي ﷺ على حمار». نحن نتكلم عن حمار، لا عن بغل ولا فرس، وله اسم: عُفَير. فتخيّل صحبةً كهذه، نمشي ونتحدث ونصلّي معًا ونربّت على دابّتنا: هذا «عُفَير بتاعنا». وهذه العلاقة الحميمة بين إنسان ودابّة سببها أن الله لما أودع في قلوبنا الرحمة لم يجعلها لعيالنا فقط ولا لآبائنا وأمهاتنا فقط، وإنما أودع في قلوب العباد رحمةً لكل مخلوقات الله.
وبين أيدينا أحاديث كثيرة جدًّا بتفصيل كبير حول كيف تذبح إذا أردت أن تذبح شاة: كيف تواري عنها السكين، وكيف تطعمها وتسقيها، وكيف لا تُشعرها بالرعب ولا بالألم، وكيف تطمئنها قبل ذلك. وتسمية الله عز وجل على الذبيحة ليست فقط لحلّ الدم، وإنما لتسكين ذلك الفؤاد وتهدئة الأعصاب قبل أن تمتد إليها سكينك.
فنّ النداء: أن تُمسك بعقل مَن تخاطبه
«فقال النبي ﷺ: يا معاذ بن جبل، فقلتُ: لبّيك وسعديك». لنفترض أني أنادي «محمدًا» الآن وهو مركّز معي، فأقول: يا محمد، اطلع هاتِ كذا. فيقوم طالعًا يجري: حاضر يا أستاذ، ويصعد جريًا، لكن بعد أن يصعد يقول: هو قال لي أفعل ماذا بالضبط؟ نسي. لماذا نسي؟ لأنك باغتّه بالأمر، فلم يستوعبه العقل استيعابًا تامًّا. وإن كان غير منتبه، يلعب مع الأولاد مثلًا، وقلتَ له: يا محمد افعل كذا، ثم نسي، فلأنه لم يكن منتبهًا.
أما إذا ناديتَ محمدًا فقال: نعم، ثم سكتَّ، فهنا يبدأ حوار ذهني يدور في عقل المنادى: ما الذي يريده مني؟ هل فعلتُ شيئًا خطأ؟ هل قلتُ ما لا يناسب؟ هل صدر مني تصرّف لا يليق؟ أم يريد أن يكلّفني بشيء، فما هو يا ترى؟ فيبدأ العقل ينصرف عن أصل تفكيره الأول. تخيّل نفسك راكبًا في سيارة بجوار السائق، وتتفرج على الخضرة والناس والرايح والجاي، ودماغك ليس هنا، فينادي عليك فتقول: ها، ماذا تريد؟ وأنت لا تزال بعقلك في الخارج. ثم يسكت، فلم يقل شيئًا، نادى وسكت. حسنًا. ثم ينادي ثانية، ففي هذه المرة تكون الغفلة قد زالت ولو جزئيًّا. وفي الثالثة: لبّيك وسعديك يا رسول الله، كلُّ عقلي بين يديك.
وهذا من الأساليب التربوية التي يعلّمونها الآن: كيف تهيّئ مَن بين يديك، إذا أردت أن تعطيه معلومة، ليستوعب عنك ما تريد أن تودعه في عقله. ثم يقول له النبي ﷺ: «أتدري ما حقّ الله على العباد وما حقّ العباد على الله؟»
وقد نتصوّر، والله أعلم، أن النبي ﷺ كان بإمكانه أن يسوق العبارة في لغة خبرية محضة، فيقول: يا معاذ، حقّ الله على العباد كذا، وحقّ العباد على الله كذا، فتكون جملة خبرية. لكنّه استبدلها بجملة استفهامية: أتدري؟ فيجيب المخاطَب في نفسه: لا، لا أدري. وساعةَ أُسأل عن شيء لا أدركه أو أدرك بعضه، أُفرغ عقلي كاملًا ليستوعب البقية؛ ففيه مزيد من التنبيه لهذه النفس لتتلقى ذلك العلم.
«الله ورسوله أعلم»
قال: قلتُ: الله ورسوله أعلم. وهنا تأتي مسألة يتحدث فيها علماء الكلام، يقولون: كيف يُشرك النبيَّ مع رب العزة؟ كيف يقول: «الله ورسوله أعلم»، كأنّ الرسول يعلم مثل ربنا؟ فكيف حصل هذا الكلام؟ وعندك ما قد تعترض به، فإن واحدًا من الصحابة قال للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئتَ يا رسول الله. فقال النبي ﷺ: «أجعلتني لله ندًّا؟ فإذا قلتَ ذلك فقل: ما شاء الله وحده».[3] لكنه قال له: لا تفعل ذلك ثانية. فكيف نجمع بين الاثنين؟ ما رأيكم؟
الجواب: لا بد أن نفهم أن ثمة اشتراكًا فيما هو متلقًّى من الله إلى النبي، وهو قضية العلم؛ ما الذي يعلمه الله ويعلّمه رسولَه؟ من أين أتى رسول الله ﷺ بالعلم؟ من الله سبحانه وتعالى. فأما المشيئة فليس لأحد في الدنيا كلها مشيئة مع رب العالمين، وإنما نقول: ما شاء الله عز وجل وحده.
حقّ الله على العباد: ركنان
فما حقّ الله على العباد؟ «أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا». عندنا طلبان اثنان.
الطلب الأول العبادة، وهي حركة؛ صلاة وصيام وزكاة وحج وبرّ للوالدين ومعونة للخَلق. والطلب الثاني: «ألّا يشركوا به شيئًا». وهذا عمل البدن أم عمل القلب أم عمل العقل؟ هو عمل كل ما هو داخلي، قضية الإيمان تستوعبها في قلبك. وكيف يمكن أن يختلف الاثنان؟ لو تخيّلنا، كما ذكرنا سلفًا، أني وقفتُ في القبلة: الله أكبر، وبدأتُ أقرأ القرآن، وبعدها قلتُ في نفسي: انظر إلى الناس خلفي، ما أسعدهم! هذه القراءة وصلت إلى مقام «سيكا» عند حضرتك! أو: أرأيتَ كيف ضبطتُ هذا المقام الحجازي على الآخر؟ فصرتُ أنظر إلى مَن؟ ألتفتُ إلى الوراء ولا أنظر إلى الأمام، ولا أصلّي لله، مع أني أتحرك في أصل العبادة. هذا رياء، هذا عملٌ لم يقترن به توحيد، عملٌ أشركتَ مع الله فيه غيره سبحانه وتعالى.
فإذا توفّر الإيمان، فأنا أؤمن بالله ولا أرائي أحدًا، لكني لم أصلِّ أصلًا؛ فتحقّق أحدهما دون الآخر، والموضوع لم يكتمل بعدُ. وإذا تحقّق العمل، فخرجتُ لأتصدّق ثم قلتُ للناس: تعالوا، شاهدوني! أو قلتُ: انتبه، هذه خمسة، هذه جديدة، ركّز معي! ثم أخذتُ أُعلن اسمي أمام الناس: على فكرة، اسمي كذا، اكتبوه، ورفعتُ يدي؛ وأنت تعرف اسمي ومحفوظ عندك فأنتم رواد المسجد، لكني أريد أن يُكتب اسمي، وهذا شيك بخمسة... وهكذا. فهذه مسألة أن يرائي العبد أحدًا مع الله سبحانه وتعالى، وإن تحقق العمل فالدنيا ناقصة، لأن النصف الثاني لم يكتمل.
العبادة أوسع مما نظن
«أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا». كلمة العبادة في حياتنا، ما الذي تشتمل عليه؟ لو سألنا: حين تصلّي، أهذه عبادة؟ حين تصوم رمضان؟ حين تصوم الاثنين والخميس؟ وحين تذهب لزيارة والدتك لأنها قالت لك: يا بني، لم أرك منذ مدة، أو ترفع سماعة الهاتف لتكلّمها: السلام عليكم يا حاجّة، كيف حالك؟ أعبادة هذه أم لا؟ وزوجتك رنّت عليك كم مرة فرفعتَ السماعة تقول لها: ماذا تريدين؟ أهذه عبادة أم لا؟ واشتريتَ شيئًا لولدك لتُسعده، أعبادة هذه؟ وخرجتَ لتروّح عن نفسك مع أولادك في مكان، أعبادة؟ فكل ما يتناوله العبد في حياته مما ليس حرامًا، إذا اقترن بالنية صار طاعة لله عز وجل. مرة ثانية: كل ما يفعله العبد فيما ليس حرامًا، إذا اقترن بالنية فهو عبادة لله سبحانه وتعالى؛ وأنت تقود سيارتك في الصباح إلى عملك، تفتح محلك، تبيع وتشتري، تدرّس للطلاب، تكشف على المريض، تعالج وتداوي، كل شيء في الحياة يتحول إلى عبادة لله تبارك وتعالى. اتفقنا على هذا؟
وما حقّ العباد على الله؟
قبل أن نقول ما جاء في الحديث: هل نحن نعمل ما يستحق أن نأخذ عليه من ربنا الجزاء؟ فكّروا في تعاملنا مع الناس. أنا أشتغل في موضع، أحضر عددًا من الأيام، وفي آخر الشهر أقول لهم: لو سمحتم، عندي ساعتان زيادة؛ فإذا عملتُ زيادة أخذتُ زيادة. هكذا نحسب في الدنيا.
فتخيّل أن رب العالمين سبحانه أعطاك ما أعطاك في مقابل العبادة. فالسؤال يبقى: في مقابل ماذا؟ أنحن نعبد ربنا في مقابل ما أعطانا، أم أن ربنا يعطينا في مقابل ما نعبده؟ احسب الحسبة في رأسك وانظر كيف تجيب. على كلا الاحتمالين لن تعرف أن تحسبها. لماذا؟
لو كنتَ تعبد لأنه أعطاك نعمة الهواء، فهو لم يعطك الهواء فقط، بل أعطاك الأنف الذي تستعمله لتستنشق الهواء. أعطاك الهواء وأعطاك الأنف الذي يعمل عليه لإدخال الهواء. والهواء هذا يذهب إلى أين؟ إلى القصبة الهوائية، ويشتغل في الداخل، فيؤخذ الأكسجين من هنا، ويصعد إلى الدماغ، وينزل إلى القلب، وفي الدم شغلٌ كبير. ونحن صلّينا الصلوات الخمس من أجل شيء من الهواء؟ فكيف بما يحدث في الداخل؟ ماذا نفعل مقابله أيضًا؟ ماذا بقي أن نعمله؟
وخلّينا نتكلم عن شربة ماء. هو لم يعطك الماء فقط، بل أعطاك ما تستوعب به الماء، والماء يجري في الجسم كله ثم يخرج بوسيلة أو بأخرى. ألا تذكرون قصة الأمير، أو الملك، الذي قال للشيخ أو العالم: عِظني؟ فقال له: افعل... ثم شرب شربة ماء، فقال له العالم: انتظر، لو حُبس عنك هذا الكوب من الماء بماذا تشتريه؟ وكان الكوب قريبًا، فنظر إليه وقال: والله أشتريه بنصف ملكي. قال: حسنًا، بسم الله. فشرب. وبعد أن شرب قال له: وما رأيك لو حُبس فيك هذا الماء، بكم تُخرجه؟ فقال: بالنصف الآخر. فقال له: ما قيمة ملكٍ يُباع لكوب من الماء؟ فتأمّل، لتفهم القصة كلها: الدنيا بكل ما فيها لا تعدل شربة الماء هذه (وتتمة العبارة في التفريغ مشوّشة). فهمنا الموضوع أم لا تزال المسألة غير متخيَّلة؟
وكونك قائمًا مرفوع الظهر تمشي على قدميك، الله يكرمك، لا تنسَ أن تعدّ كم خطوة مشيتَ، فقد أقدرك الله على المشي، وانتبه أنك لم تقل: آه يا غضروفي! وفي الوقت نفسه قدرتَ أن ترفع رأسك، لا تنسَ أنك نظرتَ إلى الناس ورأيت الألوان، قميص هذا وهيئة ذاك، فقارنتَ وميّزتَ بين الناس، وعرفتَ فلانًا من فلان من فلان، وعرفتَ وأنت تنظر إلى هذا إن كان مبسوطًا أو زعلان، وقلتَ له: كيف حالك؟ أو: How are you man؟ أو غيرها، فعرفتَ التفريق بين اللغات وبين الوجوه وبين الابتسامات وبين النوايا. فبماذا تعبد ربنا بالضبط، في مقابل ماذا بالضبط يا رجل؟
وحين تنام، أحيانًا تكون مؤرَّقًا في الليل ولا تستطيع أن تنام، الدنيا مقلوبة عندك، لا تقدر أن تسلّم نفسك إلى سريرك. فما الذي تحتاجه لتُنزل على نفسك شيئًا من النوم؟ لك أن تتخيل: تضع رأسك فتنام! فبكم تشتري ذلك؟ كم ركعة تصلّي لها؟ كم يومًا تصوم لها؟ ولو تخيّلنا واحدًا من البشر لا يستطيع النوم أربعة أو خمسة أيام وراء بعض، عنده حالة أرق وقلق ولا يقدر أن يضع رأسه، فاشترِ أنت حكاية النوم هذه بكم، وبكم ركعة مثلًا؟
«حقّ العباد على الله»: حقٌّ كتبه على نفسه
فيقول النبي ﷺ: حقّ العباد على الله. فنحن عندنا منطق نقول به إن لنا عند ربنا حقوقًا. نعم، لكن بأي معنى؟ بما حدّثنا ربنا، رب العالمين سبحانه، يقول: كتب على نفسه الرحمة. هو الذي كتب على نفسه، لا نحن الذين كتبنا عليه.
وهذا كأن عندك مخزنًا كبيرًا تعيّن فيه موظفين؛ أنت بحجمك المالي وقدراتك الاقتصادية الهائلة جئتَ بواحد يشتغل بثمانية دولارات في الساعة، وهو من وجهة نظرك لا يساوي شيئًا ويمكن أن يمشي غدًا صباحًا. لكنك لما جلستَ وعقدتَ معه عقدًا رفعتَ به قيمته إلى مستواك، صار بإمكانه أن يقاضيك. صحّ أم لا؟ فهل حقّه هذا اكتسبه من ذاته، أم اكتسبه من تمكينك له لمّا عقدتَ معه العقد؟ فرب العالمين سبحانه وتعالى كأنه عز وجل يرفع من شأننا حتى نكون في مستوى التعامل معه، سبحانه جل في علاه، حينما نسأله عز وجل أن يتقبل منا عبادتنا، وأن يُثيبنا عليها، وأن يدخلنا الجنة بما كان بين أيدينا. مع أنه هو الذي هدانا للإسلام، وهو الذي هدانا لفهم متطلبات الإيمان، وهو الذي وفّقنا لهذه الأعمال، وهو الذي أتى بك إلى المسجد الآن؛ ويمكن أن تكون في مكان آخر، وما يدريك لعله مكان معصية، ونسأل الله السلامة.
أرأيتم قول رب العالمين سبحانه جل في علاه: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾.[4] ما الذي منعهم؟ تخيّل ما الذي منعهم: ﴿كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾، الله أكبر! إن ربنا لم يُرِدهم. فهل تتخيل نفسك في يوم من الأيام موجودًا في بيتكم وقت العشاء، والناس تصلّي في المسجد وأنت قاعد، ويكون السبب أن ربنا لا يحب وجودك في وسط المصلّين؟ هل تقدر على تصوّر هذه المسألة؟ هل تستوعب ذلك؟ والله الذي لا إله غيره، لو أدرك المسلم هذا المفهوم ما فرّط في نوع من أنواع الطاعة طوال حياته.
لكننا، للأسف، نحسب الكسل راحة. نفهم الأمر هكذا: نرتاح. وتخيّل أنك تتعب حين تقعد، أما حين تتحرك... [5] ثم تأتي يوم القيامة وربنا يراجع معك، سبحانه، تعالى الله عن التشبيه، لكن لنفهم فقط: يراجع معك الصلوات التي صليتَها، ثم يقول لك: هذه العشاء، نعم أعرفها، أنا ما كنتُ أحب أن تكون موجودًا أصلًا. نسأل الله تبارك وتعالى السلامة.
«لا تبشّرهم فيتّكلوا»
هناك دروس كثيرة جدًّا في هذا الحديث يتكلم عنها أهل العلم، ولكن حسبنا أن نرى أن النبي ﷺ أمر صاحبه رضي الله عنه ألّا يحدّث الناس. لماذا؟ لأن الناس تستسهل فتتكاسل؛ خشية أن «يتّكلوا». ومعنى «يتّكلوا» أن يُلقوا الأمر على ربنا؛ يقول لك: خلاص، قلنا لا إله إلا الله محمد رسول الله، وربنا سبحانه وتعالى...
وعندنا، للأسف الشديد، مجموعة من الفرق الإسلامية، أو التي تسمّي نفسها إسلامية، منها مثلًا «المرجئة». قالوا إن كلمة التوحيد ضامنة للعبد الجنة، فالعبد لمجرد أن يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله قد دخل الجنة، وليفعل بعد ذلك ما شاء. وهؤلاء يذكّرونني بواحد كان عندنا قريبًا هنا في المسجد، جاء زائرًا، وقال لي كلامًا عن أن المسيح دفع الثمن نيابةً عنا.[6] فقلتُ له: أتعرف ما معنى هذا الكلام الذي تقوله؟ قال: ما معناه؟ قلتُ: معناه أنك تستطيع الآن أن تُشعل النار في المسجد الذي نجلس فيه وتخرج من هنا إلى الجنة! فإذا كان الرجل يقول إن عيسى دفع الثمن نيابةً عن أخطائنا كلها، فمعناه أن يطلع الواحد إلى الجنة مهما فعل. ثم يبدأ، وأنا متعوّد على هذا، أن يخرج من الموضوع إلى موضوع آخر، لكن بعد قليل أعيده إلى الموضوع الأول حتى يفهمه.
شاهد المثال: لما أقول إن معي هذا المفتاح، أيعني ذلك أني دخلتُ، أم لا بعدُ؟ نعطي مفتاح السيارة لمحمد ونقول: يا محمد، خذ السيارة، المفتاح معك، اذهب. فيأخذ المفتاح ويقف أمام باب السيارة، ويقول لها: من أين آكلك يا بطّة؟ كيف أفعل بك؟ هل يعرف هؤلاء الناس أن كلمة التوحيد مفتاح الجنة، والمفتاح له أسنان؟ هذه الأسنان هي التي تدخل في الباب لتبدأ بالفتح. فلولا العمل ولولا الخشية لكان من حق الذي قال لا إله إلا الله محمد رسول الله أن يسيح في الأرض فسادًا ثم يقول: ضُمنتْ لي الجنة! أهذا معقول؟ وإنما أورد رب العالمين سبحانه وتعالى من النصوص ما يبيّن حال من عمل سيئة وحال من عمل حسنة، ماذا يحصل لهذا وماذا يحصل لذاك.
وليس هذا ختامًا للحديث مع الحديث، وإنما هو اختصار للوقت. ونسأل الله تعالى لنا ولكم البركة. أسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يعبدونه حق عبادته، وأن يلهمنا الإخلاص فيما نعبده به عز وجل، وأن يهدينا إلى الصراط السويّ، إنه ولي ذلك والقادر عليه. سلّم الله لكم ليلتكم، وبارك الله فيكم، وجزاكم الله خيرًا، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
--- [1]: توثيق المحرر: الحديث في الصحيحين من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه. وجاء في التفريغ «نقول تاني» حين أعاد المحاضر قول النبي ﷺ لمعاذ، وهو من أسلوب إلقائه لا من متن الحديث. [2]: توثيق المحرر: رواية أنس عن معاذ في الصحيحين أيضًا. وقد ورد في التفريغ قوله «فيستر» وهو مشوَّش، والمثبت «فيستبشروا» على نص الحديث المعروف؛ ولم يُسمَع اللفظ بوضوح. [3]: توثيق المحرر: نقل المحاضر القصة بالمعنى، وجاء في التفريغ «مدا لله» والمرجَّح أنه «ندًّا لله»؛ ولم يسمِّ المحاضر راويًا ولا الصحابي. والمثبت تصحيح سماع. [4]: توثيق المحرر: الآية من سورة التوبة (٤٦)، والموضع من المحرر لا من المحاضر، وقد ذكر المحاضر الآية إلى قوله «فثبطهم» وأثبتها بقدر ما ذكر. [5]: توثيق المحرر: تعليق المحاضر هنا («بنكسب والكسل… انت بتتعب لما تقعد لكن لما تتحرك») مضطرب في التفريغ، ولم يتبيّن تمامًا كيف ربط بين الراحة والتعب، فاقتُصر على ما ثبت. [6]: توثيق المحرر: التفريغ هنا مضطرب في تعيين هذا الزائر وسياق الحوار (ومنه عبارة «جايين زياره السيس»)، وثبت منه أنه قال إن المسيح دفع الثمن نيابةً عنا، وجواب المحاضر عليه.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔