خاطرة [ الرزق والصدقة ] | د. أحمد أبو سيف | 9 مايو 2021
الخير بابٌ مفتوح لا يضيق بالصدقة وحدها: فاستبقوه، وصحِّحوا النية، وأحسنوا الأداء
المناسبة: تفريغ خاطرة أُلقيت بتاريخ 9 مايو 2021م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
هل الصدقات هي الباب الوحيد الذي فتحه الله لنا لنتقرب إليه؟ كلا. ونريد أن نعيد النظر في مجموعة من النصوص التي بين أيدينا لنفهم أكثر مراد رب العالمين سبحانه وتعالى.
ما معنى «الخير»؟
يقول الله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.[1] فما معنى كلمة «خير»؟ أيُّ شيء تفعلونه من الخير فالله سبحانه به عليم. وقد قال لنا العلماء: الخير كلُّ شيء صالحٍ فعلُه لا يتسبب في إضرار أحد؛ كلُّ ما تستطيع أن تعمله حسنًا فالله به عليم.
والنص الثاني في السورة نفسها، سورة البقرة: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾.[2] فما الفرق بين النصين، وكلاهما «وما تفعلوا من خير»؟ الاختلاف في الجواب. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أي عليمٌ بالخير في أصله ومنشئه: في نيتك التي خرج منها، يعرف ما تنوي وما تريد أن تفعل. أما ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ فحين يخرج العمل إلى الخارج يعلمه الله، وفيه معنى التجدد والاستمرار، كأن في الأمر حركةً ومشيًا على الأرض. فأحاط الله تبارك وتعالى بعلمه بما يصدر عن الخلق قبل أن يخرج وبعد أن يخرج؛ عارفٌ بكل شيء سبحانه.
الخير يكبر ويصغر
ولنتصوّر ما الخير: أيجب أن يبلغ حجمًا معينًا؟ كم متر؟ يقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.[3] فلما ذُكر الخير هنا فهمتُ أنه قد يكبر حجمه وقد يقلّ؛ قد يتسع حتى يبلغ عنان السماء، وقد يصغر حتى يكون مثل الذرّة.
فإذا حاولتُ اليوم أن أُمايز بين الناس فقلت: فلانٌ تصدّق بكذا وفلانٌ بكذا، هذا فوق وهذا دون، وواحدٌ تصدّق بالكثير وآخرُ بالقليل، قيل لي: لا، لا تنظر إلى الأمر هكذا. انظر إلى من أخذ منهم وقبل منهم، واطّلع على نواياهم وأعمالهم. فالتقييم لا يكون بقدر العمل، وإنما بعين الناظر، وقد علم أنك لا تملك إلا القليل، وبجوارك من تصدّق بالكثير. فأقول: أين أنا منه؟ أنا ضعيف الحال جدًّا! فيُقال لي: بل أنت ستسبق. كيف أسبق؟! فيأتي حديث النبي ﷺ بمعنى أن درهمًا واحدًا سبق ألف درهم.
أيصحّ هذا الكلام؟ أبحسابِ علم الإحصاء والموازين؟ نعم، لأن الذي تصدّق بدرهم واحد قد لا يملك غيره، أو يملك درهمين؛ فإذا كان من يملك درهمين قد تصدّق بنصف ماله، تخيّل: نصف كل ما يملكه! أما الذي عنده الكثير فتصدّق بواحد في المئة، فتأمّلوا المسألة. ورب العزة سبحانه يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾.
فاستبقوا الخيرات
وقد يقول قائل: إذن أعمل خيرًا واحدًا وأسكت؟ كفى عليّ هكذا إلى آخر العمر؟ وهل أصلّي مرة واحدة وأقول: حسنٌ، صليتُ مرة؟ قال لي ربي: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾.[4] فـ«استبقوا» فعل أمر، والسين والتاء فيه تفيدان الطلب، كما نقول: «أستغفر الله» أي أطلب المغفرة. فكأنه سبحانه لما قال: «استغفروا» فمعناه اطلبوا مني المغفرة؛ وكذلك ﴿فَاسْتَبِقُوا﴾ معناها اطلبوا السبق. ولما أطلب السبق فمعنى ذلك أنني سأفكّر: أين مواطن الخير التي أستطيع أن أدخل منها؟ أين المكان الذي أستطيع أن أسبق من خلاله؟ فإذا عُرض عليك بابٌ من أبواب الخير قلتَ: زدني فيه!
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾. ومما أثنى الله به على أهل الخير قولُه سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾.[5] ليس يعملها فحسب، بل يسبق إليها، ويجري ليكون الأول؛ لا ليأخذ بل ليعطي.
ثم أرانا جلّ في علاه نموذجًا آخر لأولئك الذين يسيرون على عكس التيار: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.[6] لماذا ترجع إلى الوراء؟ اطلع إلى الأمام! مكانك كمؤمن ليس في الخلف أبدًا، مكانك دائمًا في السبق. هذا ليس منطقنا. فما منطقنا؟ نريد الآخرة، نريد الجنة، نريد أن نسبق إلى ما يريده رب العالمين سبحانه وتعالى.
نماذج من الخير المفتوح
ولو تصوّرنا أن رب العزة أورد لنا كلمة «الخير» مفتوحة، فهل عندنا نماذج يريناها رسول الله ﷺ؟ تخيّلوا مثالًا بسيطًا جدًّا: ذكر النبي ﷺ أن من توضّأ في بيته فأحسن الوضوء، ثم ذهب إلى المسجد لا يريد إلا الصلاة، فإنه لا يخطو خطوة إلا كتب الله له بها درجة وحطّ عنه بها خطيئة. كم بين بيتكم وبين المسجد؟ خمس عشرة دقيقة؟ عشر؟ كم خطوة؟ كل خطوة تُحسب. فتخيّل كيف كان الحساب عند الله قبل أن يكون على الأرض.
وتصوّر وظيفتين: واحدٌ يقول لك: خذ هذا مرتبك وخلاص، تعالَ ماشيًا أو راكبًا لا شأن لي. وآخر يقول: أوظّفك معي. فتقول: بيتي بعيد. فيقول: لا يهمك، أُحضر لك سيارة. فأقول: والرسوم التي سأدفعها؟ أدفعها عنك. والوقود؟ أحاسبك عليه. والزيت؟ وعندي تأمين صحي؟ نعطيك تأمينًا صحيًّا. وأريد تعليم أولادي؟ نتكفّل بهم. وماذا تريد أيضًا؟ ما أجمل هذه الوظيفة! فالله سبحانه وتعالى لمّا جعل الخلق في عبوديته تكفّل لهم بكل شيء. فأيُّ العباد أنعم من المؤمن الذي أسلم نفسه لله تبارك وتعالى؟
وإن مرض العبد
فإن قال لي قائل: أنت تقول إن ربنا ضمن لك كل شيء، فما بال الناس يمرضون وتذهب صحتهم؟ فانظروا إلى النص لتفهموا المعادلة: ذكر رسول الله ﷺ أن العبد إذا مرض أو سافر كُتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا.[7] فنحن لا نقول إننا إن عبدنا ربنا سنبقى في سلامة طول العمر. فكأن الجواب: لماذا تريد السلامة؟ ولماذا تريد الصحة أصلًا؟ لتعبد ربك! فإن حال بينك وبين العمل مرضٌ كُتب لك الثواب نفسه. فيصير المؤمن لا يحمل همًّا لعافية ولا لسقم، لا لغنى ولا لفقر؛ لا يحمل همَّ شيء في الحياة، لأن همّه الأول والأخير الأجر، والأجر متحقق على كل الأحوال. فأيُّ نعيم هذا الذي أنت فيه، حين أكون متعلقًا بالله هذا التعلق، ويكتب الله تعالى لي كل هذا الأجر!
وما كان للدنيا
ولئلا يقول أحدٌ: وإذا ذهبتُ إلى عملي لأجلب راتبي أكون مشركًا أو منافقًا؟ وإذا تحرّكتُ لأكسب، وذهبتُ إلى السوق صباحًا لأشتري، فالدنيا هذه ليس لي فيها ثواب؟ فسيدنا النبي ﷺ يعلّمنا أنه ما من مسلم يغرس غرسًا فيأكل منه إنسان أو حيوان إلا كان ما أُكل منه له صدقة، وما سُرق منه له صدقة.[8]
فماذا فهمتُ من هذا؟ فهمتُ أن أختنا، بارك الله فيها، الواقفة في المطبخ تحضّر الطعام للأولاد، لها بكل لقمة تؤكل أجر. وأنت يا من أعطيتها المصروف لتطبخ، كلُّ جزء من هذا المصروف أثمر لقمةً في يد أحد، أو نفعًا، أو عافية في بدن، فلك منه نصيب. وإذا كان الله سبحانه وتعالى يؤجر على اللقمة التي أكلها الولد وهي لا تبقى، فكيف بما أثمر من العلم في عقول أولادنا؟ تخيّل أنك أنفقت على أحدهم ليتعلّم؛ فبالله عليك أيهما أثمر وأحسن نتيجة: لقمةٌ تؤكل ثم تخرج، أم معلومةٌ توضع في الذهن فتنتج؟ فما من معلومة تُوضع في الدماغ إلا وتنتج على الفور، في لحظة، في كل شيء. كأن يقول أحدهم لآخر: انتبه، هذا الصنف لا تشتغل فيه بعد اليوم، فسيزول من السوق بعد قليل. معلومة صغيرة جدًّا لكنها أثمرت بين يديه عملًا كثيرًا جدًّا. فسبحان من جعل لنا حسنات في كل شيء؛ أيُّ شيء نعمله يكتب الله تبارك وتعالى لنا فيه من الفضل.
الشرط
والشرط، لنختم: صدق النية وحسن الأداء. أي نية فيها لَغَطٌ تضيّع لك العمل كله، وأي خطأ في العمل ينقص من أثره، وإن اكتمل الأجر. فاستعينوا بالله. ما من عبدٍ يبذل نصيحة، أو يعين بشيء، أو يفتح بابَ خير، أو يطعم لقمة، أو يدلّ على باب من أبواب الخير، إلا كتب الله له أجرًا. فسبحان من هذا وعده، وسبحان من يكافئ العباد.
أسأل الله تبارك وتعالى أن يرضينا وإياكم، وأن يحفظنا وإياكم، وأن يسدل علينا وعليكم سترًا، وأن يبقينا وإياكم على طاعته ما حيينا، وأن يأجرنا، وأن يديمنا وإياكم على الطاعة يا رب العالمين. جزاكم الله خيرًا، وصلاةً وسلامًا على خاتم أنبيائه ورسله ﷺ، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
--- [1]: توثيق المحرر: سورة البقرة [215]. وللعبارة نظائر في القرآن بألفاظ مقاربة. [2]: توثيق المحرر: سورة البقرة [197]. [3]: توثيق المحرر: سورة الزلزلة [7–8]. [4]: توثيق المحرر: ورد في سورة البقرة [148] وسورة المائدة [48]؛ والتتمة «إلى الله مرجعكم جميعًا» كما نطق بها المتحدث موافقة لآية المائدة. [5]: توثيق المحرر: سورة الأنبياء [90]، وسياقها في وصف زكريا وأهله عليهم السلام؛ وقد استشهد بها المتحدث على مسارعة أهل الخير إليه. [6]: توثيق المحرر: سورة التوبة [38]، وقد وقف المتحدث عند قوله «بالحياة الدنيا» ولم يذكر تتمة الآية فلم تُثبت هنا. [7]: توثيق المحرر: أصل الحديث في صحيح البخاري عن أبي موسى رضي الله عنه، والمتحدث نقله بالمعنى. [8]: توثيق المحرر: أصل الحديث في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه، والمتحدث نقله بالمعنى.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔