سورة النور وصيانة الأعراض: الكلمة التي تهدم مجتمعًا
خاطرة الفجر — د. أحمد أبو سيف
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ٨ سبتمبر ٢٠٢٦مالمصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
نعوذ بك ربَّنا من شرِّ هذا اليوم وشرِّ ما فيه وشرِّ ما بعده، اللهمَّ أصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، وهيِّئ لنا من أمرنا رشدًا، واحفظ علينا عافية القلوب والأبدان وسلامة الصدور والأفهام، ويسِّر ما بين أيدينا من أسباب الخير.
في سورة النور موضوعاتٌ لا تنتهي، وأولها أنها نزلت على هذه الصورة. يقول الله: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا﴾. والفرق بين «أنزل» و«نزّل» أن «نزّل» يأتي مع المنجَّم، أي ما نزل مفرَّقًا لمناسبات وهكذا، مقطعًا بعد مقطع، أما «أنزل» فمعناه أنزل جملةً واحدة. فإذا قال الله ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا﴾ فكأنها لا تتجزأ، ولا يصحّ أن تُؤخذ منها آيةٌ في سياق مختلف عن سياق السورة. والسورة كلُّها تعمل كالدستور الذي يسلِّم جزءٌ منه الجزءَ التالي.
ويقولون إن فيها صلاح المجتمع كله، وإنها تضمنت أصول صيانة الأعراض وثوابتها، وإن المجتمعات تصل إلى يوم القيامة بتطبيقها وبصيانة حرماتها.
أيُّ فاحشة؟
غير أني توقفت عند آية مع التلاوة المباركة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. والسؤال: أيَّ فاحشةٍ أراد ربُّ العالمين سبحانه؟ المشهور في أذهان الناس أن الفاحشة هنا مسألة الزنا واتهام الأعراض، وهذه جزئيةٌ من جزئيات أخرى. وقد علمنا أن الآية جاءت تعقيبًا على قصة محاولة التشهير بأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أي أنها جاءت بعد الحديث عن حادثة الإفك وتربية رب العالمين للمجتمع.
وما أفهمه، اتساقًا مع السياق القرآني، أن الفاحشة هنا قد يُراد بها محضُ التشهير بالناس، وإنزالُهم في غير منازلهم، والإساءةُ إليهم بالألفاظ. تخيّل أنك تهدم رصيد إنسانٍ بكلمة تقولها: فلان هذا خائن، فلان هذا سارق، فلان هذا يعبث بأحوال الناس، ثم تتركه وتمضي. فإذا برموزٍ تنهدم بين يدي شابٍّ يخرج إلى الحياة يرى في هؤلاء الناس نموذجًا صالحًا يُقتدى به ويُتأسّى به. وإذا بأزواجٍ يفقدون الثقة في زوجاتهم، وزوجاتٍ يقطعن حياتهنّ مع الرجال، بسبب كلمة. وهذه الكلمة يترتب عليها فسادُ المجتمع.
وكأن ربّ العزة سبحانه يعلّمنا أن الكلمة التي تخرج من اللسان، سواء كانت على لسان الذين يرمون المحصنات بغير دليل ولا بيّنة، أو كانت تلك التي تشوِّه سيرة الإنسان، هي المهلكة لأنماط المجتمع وأحواله.
نظام يعلّق القلوب بالله
تخيّلوا النظام الذي يضعه ربُّ العالمين في هذه السورة. مثاله: رجلٌ يتهم امرأته بغير بيّنة، أو امرأةٌ لا يُوثَق بها بالدرجة التي يقال معها إنها صالحة محصَّنة. تقول الرواية إن أحدهم جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رأيت امرأتي في فراشي مع رجل، فماذا أصنع؟ إن صبرتُ حتى آتي بأربعة شهداء قُضي الأمر وانتهت المسألة، وهل سأنزل إلى الشارع أجمع الناس: الحقونا، نريد أربعة يشهدون هذا المشهد؟ وإن سكتُّ عنها فماذا أصنع؟ فنزلت الآية.[1] وتحدّثنا الآية عن أربع شهادات بالله: هو يقسم أنه رآها وأنه صادق، وهي تقسم أربع شهادات أنها لم تفعل. هذا نظامٌ يضعه ربُّ العالمين للحالات التي لا يطّلع عليها إلا هو سبحانه جلّ في علاه، ويعلّق قلوب الناس ونفوسهم بأن نجاتهم لا تكون إلا بين يديه. وهذا مجرد مثال.
منهجية إسكات الشائعات
والمثال الآخر في المنهجية، وهي تحتاج إلى محاضرة طويلة حقيقةً: منهجية إسكات الشائعات في المجتمعات. واحدة منها فقط: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ﴾ بها.[2] تخيّل أن يأتيك من يحدّثك عن أخيك، يقول: حصل منه كذا وكذا. أقول: يا أخي، حتى لو صدر هذا من فلان، فلساني أطهر من أن يتكلم في أعراض الناس. إيماني يمنعني.
ولذلك فإن أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه، ورحم الله أصحاب النبي ﷺ أجمعين، حدّثته امرأته قائلةً: أما رأيتَ ما يتحدث الناس به عن عائشة؟ ما سمعتَ الأخبار؟ الدنيا مشتعلة والمدينة كلها تتكلم في الموضوع، فما رأيك؟ قل لنا شيئًا، أضِف شيئًا في هذا المزاد. وهكذا نحن، إذا جاءت سيرةُ إنسانٍ نصبنا عليه مزادًا في وسطنا، كلٌّ يزيد شيئًا من عنده ويضع «يقينياته». فقال لها جملةً واحدة فقط: أوَكنتِ فاعلتَه؟ أي لو كنتِ مكانها أكنتِ تفعلين هذا الذي يُقال؟ قالت: حاشا لله. قال: هي أطهر عندي وأنقى. وانتهى الموضوع.
فسبحان من شرع لنا هذا التشريع! سورة النور تحتاج إلى قراءة خاصة وجلسات متأنية. وكم نحتاج إلى دورات تدريبية في مضامين التشريع في القرآن الكريم كما يعرضها السياق القرآني، بعيدًا عمّا يُحشى به الكلام من أقوال الفقهاء والعلماء؛ فالسياق وحده، والله، يريك عجبًا.[3]
لا أطيل عليكم، وأسأل الله أن يبارك لنا ولكم.
--- [1]: توثيق المحرر: لم يُسمِّ المتحدث الرجلَ، والحادثة هي سبب نزول آيات اللعان (النور: ٦–٩) كما في الروايات المعروفة؛ ونقلُ المتحدث بالمعنى، ولم يتلُ الآيات. [2]: توثيق المحرر: أشار المتحدث إلى الآية من غير تلاوتها كاملة، وهي في سورة النور (٢٤: ١٦)؛ أُثبت منها ما نطق به فقط. وقصة أبي أيوب وامرأته مروية في كتب السيرة والتفسير، والصياغة الحوارية هنا للمتحدث. [3]: توثيق المحرر: عبارة المتحدث الأخيرة غير واضحة في التفريغ، وصياغتها هنا اجتهاد في فهمها.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔