توحيد الفلاح في سورة النمل
توحيد الفلاح: من تطهّر آل لوط إلى سلسلة الرزق في سورة النمل
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 8 يوليو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
افتتح الشيخ بدعاء (بُتر أوله في التفريغ): …شرَّ هذا اليوم وشرَّ ما فيه وشرَّ ما بعده، وأصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، وبارك لنا فيما رزقتنا، وقنا عذاب النار، واصرف عنا أسباب العذاب في الدنيا والآخرة. اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك، وبرّئنا من سقم القلوب ومن أمراض الأبدان، وعافنا واعفُ عنا وتولّنا برحمتك.
حين يعبّر القرآن عن القدرة
إن النظريات الكثيرة جدًّا في شرح التوحيد لا تحسن أن تعبّر عن قدرة الله تبارك وتعالى كما تصوّب لنا الآيات هذه الحقائق.
أخرجوهم، إنهم أناس يتطهرون
ربنا سبحانه، في عقب قصة لوط وقومه ومحاولات القوم إخراج أهل الطهر من بينهم، يحكي أن تلك كانت الجريمة الكبرى في حياة هؤلاء الناس: ﴿أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾[1]. أتتخيل هذه الصياغة؟ أخرجوا هؤلاء الناس السيّئين، إنهم نظيفون جدًّا، يتطهرون! وقِس عليها: أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يصلّون، إنهم أناس يتصدقون، إنهم أناس يصومون، إنهم أناس يحسنون التعامل مع والديهم، إنهم أناس يعرفون قيمة الأسرة وحق الزوجة ومعروف الأولاد. إنهم أناس يسيرون في هذا الطريق، ونحن لا نريد أحدًا يسير فيه: طريق الصواب، طريق الطهر والنظافة والعفة والأمانة، طريق أداء الحقوق وتوفية الواجبات.
قل الحمد لله
ثم يوجّه ربنا نبيه ﷺ بقوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىٰ﴾. الحمد لله على أنك على الطريق. الحمد لله الذي هدى قلبك إلى هذا الموطن لتصلي. الحمد لله الذي قيّد عقلك من الانفلات وأنت تكلّم أمك أو أباك. الحمد لله الذي طوّع قلبك للإنفاق على بناتك وعيالك. الحمد لله الذي جعلك مسلمًا تحسن غضّ البصر عند وقت الشدة. الحمد لله الذي لم يجعل جيبك متحكّمًا في قلبك وعقلك، وإنما جعل قلبك متحكّمًا فيما تملك، كل ما تملك، فتعطيه طوعًا، لست مجبرًا ولا مكرَهًا. الحمد لله الذي جعلك صاحب إرادة تتخيّر فيها الصواب من الخطأ، وتميّز فيها بين الحق والباطل. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىٰ﴾؛ فإن كنت ممن اصطفى فأنت صاحب هذا الحمد، لأنك المتلقّي لهذه النعمة.
ثم قال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وهذا يصرف النظر إلى أن حرب هؤلاء العُتاة ليست مع هؤلاء المتطهّرين المصلّين المزكّين، وإنما هي مع الله. ثم يصوغ لنا ما يستنطق الألسنة والقلوب بكلمة الحمد ويخرجها منك إخراجًا: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾[2].
السماوات والأرض
بعد هذه الجملة لا تحتاج إلى دليل إضافي. فكلمة «السماوات والأرض» وخلقها تستوعب المطر المنهمر من السماء، والنبات المتفجّر من الأرض، والأنهار التي تجري، والجبال، وكل ما في هذا الكون. جملة عريضة جدًّا تستوعب ما خلق رب العالمين سبحانه وما وراء ذلك؛ فنحن بين سماوات وعالم أعلى لا ندرك آخره ولا حقيقته، وبين أرض نقف عليها وما دونها لا ندري حقيقته ولا محتواه.
﴿وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾. ما الذي أنزله الله؟ أنزل ماءً. لكن لاحظ هذا الترتيب: لو قال «وأنزل من السماء ماءً» لاتّسق الكلام، لكنه قال: ﴿وَأَنزَلَ لَكُم﴾، فكأن كل قطرة من الماء الذي يتنزل من السماء تعرف إلى أين ستستقر؛ إلى بطنك، إلى جوفك لقمة خبز أو حبة طعام. فهي ليست فقط التي تأتي إليّ، وإنما يأتي إليّ ما ينتج عنها.
وبناءً عليه أفهم أن هذه القطرة من الماء تنزل في أقصى الأرض، ويتلقاها مزارع بسيط جدًّا في كوخه وأرضه، فتجري مع الماء فتسقي نقطة بعينها يخرج منها نبت، فيُحصَد ويُجمَع ويُشحَن ويُصدَّر ويتحرك، فيأتي إلى صانع يجعل منه خبزًا، أو يُصنَع الخبز هناك ويأتي إلى هنا فيكون في المتجر. وقد ضربنا هذا المثال كثيرًا: أنت واقف تشتري خبزًا، فتمسك رغيفًا وتقول: هذا شكله ناشف قليلًا، سأتركه جانبًا وآخذ الذي تحته. فيمرّ من وراءك واحد فيأخذه ويمضي. ولماذا لم يعجبك؟ لأنه ليس لك. فصُرف قلبك ونفسك عنه، لأنه لفلان الذي دخل في التوقيت المناسب ليجدك قد رفعته بيدك، فيأخذه وينطلق، وهو لا يريد غيره، جاء من أجله خصيصًا، ولن يأخذ غيره، ولن تأخذه أنت. هذه قضية تدابير الرزق كما يسوقها لي رب العالمين سبحانه: ﴿وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾.
أريد أن أتصور هذا البعد في تنزّل هذا الماء. قطرة الماء التي نزلت في وسط هذا المطر كان للريح قدرة على صرفها إلى موطن آخر، فربما تحركت خمسة سنتيمترات وما كانت لتكون لي. لكن ينزلها رب العالمين في موطن محدد لا تتجاوزه، ومن ثَمّ هي لا تتجاوزك أنت، وما يخرج عنها لا يتجاوز جوفك أو قلبك أو عقلك، أو ما شئت أن تقول.
الإله الذي أنبت الشجر
﴿فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا﴾[3]. من الذي ينبت شجرها؟ الله. فيدلّك رب العالمين سبحانه على قدرته وعزته وسلطانه وقيّوميته، ويدلّك على معالم استحقاقه سبحانه لهذه الألوهية. لا قلنا توحيد ألوهية، ولا توحيد ربوبية، ولا توحيد أسماء وصفات، ولا خُضنا في الأسماء والصفات ومسائل الخلاف فيها، ولا دخلنا في هذه التفاصيل كلها. مشينا مع تسلسل آية واحدة فقط، لترينا عظمة هذا الكون وما أبدع فيه رب العالمين سبحانه.
وقد حكى أحد أساتذتنا أنه كان يُختبَر في مقابلة لوظيفة، فسألوه: هل التوحيد الذي عندك توحيد أشاعرة أم كذا؟ فقال لهم: أقول لكم ماذا؟ أنا رجل فلّاح، وقال لي أبي: حين تضع هذه النبتة، فالذي يُطلعها ربنا؛ هذا هو توحيدك. ورزقي في السماء، ليس في جيوبكم، يا أيها الطيبون. هكذا تكون عقلية المتفهّم لحقيقة توحيده لله: إني لا أعبد إلا الله.
فمن هو هذا الإله الذي خلق السماوات والأرض، وأنزل لي أنا صاحب هذا المقام، الذي من أجله تتحرك السماوات والأرض، ومن أجله تتحرك أفواج الرياح، ومن أجله يُسخَّر هذا الطين ليخرج هذا النبت؟ من أجلي أنا، كمخلوق لله، تتحرك أسباب.
إدارة الله للرزق من وراء ظهرك
في المساء، قبل العشاء، قد يقول أحد الشباب: أنتم محتاجون أن تفعلوا كذا. فيقول آخر: أنا أعرف فلانًا، سأكلّمه. فنكلّمه فيقول: حاضر. فنسأله: كم ستأخذ على هذا العمل؟ فيقول: كذا. ممتاز، توكلنا على الله، جزاكم الله خيرًا. وهذا حدث طبيعي، عادي. أو يقال: نريد طبيب عيون. أعرف الدكتور فلانًا، أعرف أخًا كذا، وصِلنا به. فما الذي يحصل هنا؟ هذه إدارة الله تبارك وتعالى لمنظومة الرزق التي من وراء ظهري. فصاحبنا الذي كلّمناه هذا نائم في بيته، أو منشغل بخلاف مع امرأته ومع العيال ويصنع جلبة في عالمه، لكن الله يدير له منظومة الرزق، فيُلهم فلانًا اسمَ فلان ويذكّره به، فتُقضى حاجة أو يُسبَّب رزق. كيف يدبّر الله ما وراء الأسباب التي بين يديك؟ لا يحسن أحدنا أن يتفكر في ذلك. نحن، والله، مساكين، لا نفكر إلا في الأرقام التي في أيدينا، أما كيف يدبّر لنا رب العالمين سبحانه فمسألة أخرى.
لماذا في سورة النمل؟
شرح الآيات يطول جدًّا، وفيها مذاق رائع وحلاوة غير طبيعية إذا تلوتها بنوع من التأني والهدوء ومحاولة التذوّق، ترى فيها لذة لا توجد في كثير من المواطن. سبحان الخلّاق!
لكن ما نريد أن نتفهمه: أين وردت هذه الآيات؟ في أي سورة؟ في سورة النمل. ولماذا النمل؟ هذا أول سؤال يرد إلى ذهنك لما تقرأ آية من القرآن: في أي سورة هي، ولماذا هذه السورة؟ لماذا لم تأتِ في الواقعة، أو في الشرح، أو في مكان آخر؟ لأنها تعيد تنظيم عقل الإنسان في تفكّره في كيفية إدارة الله للمُلك.
والمثال البسيط جدًّا الذي لا تدركه أنت حتى ببصرك أن ثمة منظومة متقنة جدًّا من الأداء والعمل، أين؟ في النمل. افهم إذن يا كبير، يا صاحب هذا الحجم. افهم أن هذه النملة من مؤشرات الانتظام والالتزام: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾[4]. كم نوعًا من العلم، وكم مستوى من الإدراك لدى هذه النملة لتفهم وتدرك وتستنبط وتحلّل وتستخرج النتائج وتصدر التحذيرات، وترفع صوتها بنبرة معينة، حتى يأتي ذلك التحذير، فيتبسّم سليمان ضاحكًا من قولها: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾[5]. أيُّ إعجاز هذا! سبحان الخلّاق العليم.
سلّم الله لنا ولكم هذه القلوب، وأوعى لنا هذه العقول، وجعلنا من أهل الفهم عن مراده، ورزقنا حسن العمل بما أراد لنا في كتابه.
--- [1]: توثيق المحرر: سورة الأعراف، الآية ٨٢، وبنحوها في سورة النمل، الآية ٥٦ (﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ﴾). [2]: توثيق المحرر: سورة النمل، الآيتان ٥٩ و٦٠. [3]: توثيق المحرر: سورة النمل، الآية ٦٠. [4]: توثيق المحرر: سورة النمل، الآية ١٨. [5]: توثيق المحرر: سورة النمل، الآية ١٩. اقتصر المتحدث على هذا القدر من الدعاء (وقد نطق في التفريغ «نعمت» مقطوعة).
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔