تلك حقيقة الأيام: كل ما نعايشه سيزول
تلك حقيقة الأيام: كل ما نعايشه سيزول
المناسبة: تفريغ خاطرة عشاء أُلقيت بتاريخ 13 يونيو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
حين نقرأ قول الله تبارك وتعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾[1] تراجع مع نفسك: ما الذي كنتَ تتمناه قبل عشر سنوات؟ أين كانت أمنيتك، وإلى أين كنتَ تودّ أن تطير، وإلى أي مستوى كنت ترجو أن تصل، وما كان مرادك الأول في الحياة وقتئذٍ وما أولوياتك؟ ثم ترى أن هذه السنوات العشر مرّت كلمح البصر، وقد بلغتَ مرادك عبرها. وكانت هناك آلام وتحديات ومواقف وشدائد، وكانت هناك صعوبات وصخور على الطريق. تصوّر كم ليلة بتَّ فيها لا تدري هل سيصبح عليك الغد، وما الذي ستواجهه في الصباح، ونمتَ مرعوبًا من الخوف! ثم مرّ الليل وجاء الصبح، ومرّت الأزمة وانقشعت الغمامة، ومرّ الزمن.
كل شيء يزول
يصير الأمر عليك هينًا إذا استصحبتَ صورة رسول الله ﷺ، على سبيل المثال، وهو يريد أن يهاجر من مكة إلى المدينة، والناس من حوله، والكفار يتربّصون، وأبو بكر هناك ينتظر، والراحلتان في الانتظار، والزاد معدّ، ويخطو النبي ﷺ أولى خطواته. أنت الآن قلق من محض الحكاية، مع أنها مرّت وانتهت، وعبر الزمان ليس أعوامًا فقط وإنما عقود وقرون، ونحن الآن هنا نجلس كبقية أثر لسعي النبي محمد ﷺ يومًا ما. أليس كذلك؟ اللهم بلى.
لا يوجد في الحياة شيء سيبقى. وما يحضر ذهني هذه الأيام ويغلب على كل ملكات تفكيري أن كل شيء مما نعايشه ونعاصره سيزول بعد حين، فلا ترهق قلبك لأجل حدث أو لأجل شيء، وخاصة الأشخاص.
أصحاب المصلحة
خاصة الأشخاص الذين لا يعرفون دلالة كلمة الولاء، ولا يعرفون حق الصحبة، ولا يحترمون مصطلح المودّة، ولا يُقرّون بالمعروف السابق منك. الأشخاص الذين يتعاملون معك بمحض المصلحة، إذا انتهت المصلحة اختفوا فجأة، فلن تجدهم لا في ساحة النقاش ولا في مواجهتك بأي شكل من الأشكال. مصلحتهم عندك ما دمتَ قويًّا ذكيًّا فتيًّا غنيًّا، ما دمتَ صاحب قدرة وصاحب منزلة، ما دمتَ تستطيع أن تستوعب ما عندهم من الألم وتُجفّف ما لديهم من الدمع وتمسح على جوانحهم وجوارحهم. مصلحتهم عندك طالما أنهم ينظرون إليك صاحبَ عطاء ومِداد. فإذا فرغت الجيوب وسكتت الألسنة وهانت العافية، انصرفوا ليبحثوا عن مورد آخر من العطاء لهم، وكأنهم لم يُخلقوا ليعطوا وإنما خُلقوا ليأخذوا، فلا يبحثون عن موطن يضعون فيه خيرهم، فليس لديهم خير، لأنهم لا يرون في أنفسهم خيرًا. ولو رأوه في ذواتهم لفجّر الله ينابيعه في داخلهم ولجعلهم أصحاب يدٍ عليا.
غير أن الناس مواهب، وكلٌّ يسعى لتحقيق مصلحته في الدنيا، وسبحان العلي القدير! فمن الناس من تجد أن مصلحته في العطاء لك. تخيّل أن تكون مصلحتي أنا أن أبحث عمّن أعطيه! ربنا سبحانه وتعالى يحدّثنا عن أبي بكر رضي الله عنه وهو يعطي بلا جزاء: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ﴾.[2] ذاك مقام، وذاك حال المقام أو مقال الحال.
احفظوا عافيتكم
تخيّلوا الحياة بما فيها: ستذوب وتزول وتذهب. لا تبكوا على شيء، واحفظوا عافيتكم بقدر ما تستطيعون، فإنها صمّام الأمان الذي يُدخله الله عز وجل فيك وعندك. وبقدر ما تُهين بدنك يُكرمك، وبقدر ما تُدلّله يخذلك، فتنبّهوا لهذا.[3] فإن الله تعالى حافظ النعمة لدى العبد طالما كان حافظًا لها، شاكرًا لفضل الله فيها.
أسأل الله العلي القدير أن يرينا حقيقة الدنيا، وألّا نغترّ بشيء فيها، وألّا نُفتن بزينتها وبريقها، وأن يجعلنا نافذين إلى الآخرة من خلالها. اللهم آمين يا رب العالمين. سلّم الله خطوكم وبارك الله فيكم.
--- [1]: توثيق المحرر: النازعات: 46. جاءت تلاوة المتحدث للآية مضطربة الترتيب في التفريغ، فأُثبتت بنصها في المصحف بقدر ما ذكر. [2]: توثيق المحرر: الليل: 19–20. [3]: توثيق المحرر: عبارة المتحدث «بقدر ما تهين بدنك يكرمك» كما وردت في التفريغ، ومرادها على الأرجح حمل البدن على الجهد والمشقة المحمودة.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔