أ
ڈاکٹر احمد ابو سیف
اکیڈمی آف امامز
Text size
مضامین پر واپس
حکمتیں اور بصیرتیں

المِحَن أبواب المِنَح

الحياة كَبَدٌ وكَدْح، وما بعد الشدة إلا عطاء لمن صبر وعمل

ڈاکٹر احمد ابو سیف•١٧ مايو ٢٠٢٤•7 منٹ مطالعہ
المناسبة: خلاصة خطبة جمعة أُلقيت في مركز أستوريا الإسلامي بتاريخ 17 مايو 2024مالمصدر: تفريغ خطبة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

هل المحنة أمر طارئ على الحياة أم جزء من تكوينها؟ لننظر أولًا إلى أنفسنا: ما خرج أحدنا إلى سعة الدنيا إلا بعد أن مرّ بضيق الرحم، وما استطاع أن يأكل إلا بعد معاناة، ولا أن ينطلق في الحياة إلا بعد أن تعلّم الكثير. ولا يجيد المشي بقوة إلا من كثرت وقعاته قبل ذلك.

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله ﷺ. أوصيكم ونفسي بتقوى الله والرجاء فيما عنده. أما بعد:

فقد علمتم أن عنوان هذه الخطبة أن المِنَح تأتي من المِحَن. وهي حقيقة عبر تاريخ الإسلام، ولو قلنا عبر تاريخ البشرية لصدقنا. وقد جئنا إلى هذا المكان امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9]، تركنا لأجلها ما وراءنا.

المحنة سنّة تمرّ على الجميع

على مستوى الأمة، ترى من بدء الخليقة آدمَ عليه السلام: خلقه الله وأسكنه جنته، في موطن يتمنى كل امرئ أن يكون في مثله، يكلّم الملائكة ويحدّثونه، ويعلّمه ربه الأسماء كلها. وفي وسط هذا النعيم تنقلب معالم الحياة، فإذا إبليس يخرج من حيث لا تدري إلى معاداة هذا الإنسان. كان بجانبي بالأمس واليوم هو في مقابلي. وتمرّ الحياة فترى أخوين من رحم واحد، طعامهما واحد، يتربيان على يد واحدة، ثم ينقلب أحدهما عدوًّا لأخيه فيقتله. وتلك سنة الحياة في مضمارها العام.

ثم تقف أمام نوح عليه السلام: تسعمئة وخمسون سنة يحاول إقناع قومه، وهم يحاولون هدم قواه وتحطيم ملكاته. وتنتقل إلى إبراهيم عليه السلام، وقد بلغ من عداء قومه له أن ألقوه في النار. وتمرّ بمنظومة الأنبياء والمرسلين: يوسف عليه السلام، والتي راودته كانت هي السبب في سجنه. فالمحن تمرّ على الناس دون استثناء.

وموسى عليه السلام تربّى في بيت الملك، ومثله من خواصّ الخواص، لا يقف أمامه أحد ولا يردّ له سؤلًا أحد. ثم في لحظة: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص: 20]. ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: 21]. ابن القصر بالأمس يخرج خائفًا يتلفت حوله. لماذا تدور الدنيا بهذا المنطق، وتتحول الأحداث إلى هذا الحد؟ ثم عيسى عليه السلام، داعية إلى الله يذكّر الناس بما قبله من كتاب موسى، فتآمروا عليه حتى كادوا يصلبونه، لولا أن رفعه الله إليه.

محن النبي ﷺ وأصحابه

وتمضي مع الزمن فترى النبي ﷺ منذ اللحظة الأولى. يقول له أحد الكافرين: «تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟»[1] ثم لا يخرج من أزمة إلا ويدخل في أخرى، ولا يعبر مرحلة إلا وتتوالى التحديات. تنظر إليه في شعب أبي طالب وسط قومه وقد حوصروا حصارًا شديدًا حتى لم يجد أحدهم ما يأكله. وسبحان الخلاق العليم الذي يمدّ الناس بالقوة ويلهمهم الصبر وحسن الاحتساب.

وأتذكر حديث خبّاب رضي الله عنه حين جاء إلى النبي ﷺ وهو جالس حول الكعبة، فقال: يا رسول الله، ألا ترى ما بلغنا؟ ألا ترى ما بنا؟ وكشف عن ظهره وقد آلمه سياط القوم وعُذّب عذابًا شديدًا. فقال: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله؟[2] وهنا ندرك أن كل ما طلبه خبّاب هو الدعاء، لم يطلب أن يحارب النبي أو يمسك سيفًا. وهو أمر هيّن لو بذله له ﷺ في حينه. لكن خبابًا موضع تعليم، وليس هو وحده، بل الأمة من بعده تريد أن تتعلم هذا الدرس: أن الشدائد إذا نزلت فلا بد لها من فعل، وليس مجرد قول. فيضرب النبي ﷺ لخباب مثالًا: «لَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ... مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ... وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ».

صلى الله على نبيه ورضي عن أصحابه، كم عانوا في سبيل إحقاق الحق وإثبات كلمة الله! وكم بذلوا من جهد حتى بلغنا هذا الإسلام الذي ننعم به الآن، بل ونتمرد عليه في كثير من أحوالنا، ونعجز عن أدائه في أبسط صوره.

الحياة كَبَدٌ وكَدْح

وهل المحن جزء من الحياة أم طارئ عليها؟ تدرك ذلك بفهم يسير لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]. والكبد معاناة دائمة لا انقطاع لها ولا استراحة منها، تخرج من مسألة إلى أخرى. ثم تسأل: إلى متى؟ وترى حال الناس: يريد أن يكبر، فإذا كبر أراد أن يتخرج، فإذا تخرج أراد أن يتزوج، ثم أن يعمل، ثم أن يكون له عيال، ثم أن يكبروا، ثم أن يزوّجهم. فيقول: يا الله، إلى متى أحمل هذا الهمّ؟ فيجيبه ربه: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: 6].

وانظر إلى دلالة الصياغة: لو قيل «ثم ملاقيه» لكانت «ثم» تفيد التراخي في اللغة، فيكون عندنا فترة استراحة. لكن الله قال: ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾، والفاء تفيد الترتيب والتعقيب. فأنت تظل تجري حتى تسقط، ولا توجد في الحياة بوجه عام لحظة تسمى لحظة الراحة. ولذلك تلطّف الله بالمؤمنين فجعل موطن الراحة عندهم ذكره: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].

غاية من عرفوا حقيقة الدنيا

فإذا التفتّ حولك ورأيت هذه الشدائد التي تمرّ بها الأمة، وهي شدائد لا أقول إنها نكبات، فإنما كل مرحلة منها معبر إلى التي تليها. وأتذكر موقفًا لأحد أصحاب النبي ﷺ، إن صحّ الخبر، قال: يا رسول الله، بلغنا السماء مجدًا وثناءً، وإنا لنبغي فوق ذلك منزلًا. قال ﷺ: إلى أين؟ قال: إلى الجنة يا رسول الله.[3] تلك غاية من عرفوا الله وحقيقة الدنيا، وأرادوا أن يتركوا وراءهم آثارًا. إنهم قاسوا مسافة الدنيا ومساحتها فوجدوها تساوي صفرًا، إلا أن تترك من ورائك لسانًا يذكر ربك ويعمر الكون بمزيد من التعبد لخالق السماوات والأرض. الحياة تساوي صفرًا إلا إذا خرجت منها بالنجاة الأتم وقُيّد اسمك في أسماء الناجين إلى الجنة، لا إلى مقصد آخر.

نقول كثيرًا ونردد شعارات ونهتف بكلمات، لكن القليل من ينفّذ، والأقل من يستمر على التنفيذ. فكونوا عبادًا لله، فما انجلت المصائب إلا عن الأقوياء بربهم. ولقد مرّ على النبي ﷺ من أشد أوقات حياته يوم بدر، وهو وسط قومه، فيأتيه أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، اجلس في العريش تدعو الله لنا.[4] فينقسم العمل إلى عملين: ناس هناك يضربون بأيديهم، ولسان هنا يلهج إلى السماء بالدعاء والاستنصار: يا رب، كلٌّ لعبادك. فأي عمل تعمله أنت؟

سؤال إلى أهل هذه البلاد

أهل نيويورك، وقد صارت كعبةَ المال في العالم، ماذا تصنعون هنا؟ ماذا نصنع في أمريكا؟ ماذا نريد من هذه البلاد؟ ماذا نحقق فيها من خير أو نفع؟ ماذا نترك وراءنا لعيالنا؟ كم من الأموال جمع الناس وكم أنفقوا، وكم من الأبنية حصّلنا وكم بنينا، ثم تركناها وراء ظهورنا. ولا يدرك العبد أيستنشق نَفَسًا بعد هذا أم لا، ولا أيبيت أم لا، ولا أيصبح عليه صبح أم لا. فأي دنيا في هذه الرؤوس، وأي شيء هائم على هذه العقول؟ بين أيدينا عمل، بين أيدينا عمل.

ويُنقل عن النبي ﷺ في بيته، على سريره، جملة انتشرت فصارت شعارًا للعاملين في سبيل الله ليس في هذه البلاد فقط بل في كل أرض: «مضى زمان النوم يا خديجة».[5] إن الناس يُقتلون ويُذبحون هنا وهناك، ويُضربون من أعلى ومن أسفل، والناس في فلسطين كما ترون، والمعاناة لأهل الإسلام في كل بلد، ولا ينجو موطن من شدة ظهرت أو خفيت. فماذا نعمل؟ والله الذي لا إله غيره إننا مسؤولون بين يدي الله عن كل نَفَس يخرج من أفواهنا، وعن كل كلمة تصدر عنا، وعن كل لحظة تمرّ بنا. يا رب النجاة.

خاتمة: دعاء

اللهم بلّغنا مرادنا في هذا الموطن، وارزقنا تحصيله بإذنك وكرمك. اللهم نصرًا لعبادك في فلسطين، وتثبيتًا لعبادك في الأرض يا أرحم الراحمين. اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمّن سواك. اللهم ألهمنا رشدنا، ويسّر لنا أمرنا، واقض لنا حوائجنا. والحمد لله رب العالمين.

--- [1]: توثيق المحرر: القائل أبو لهب، والحديث في صحيح البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما، بلفظ: «تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟». والخطيب لم يسمِّه في التفريغ. [2]: رواه البخاري عن خباب بن الأرت رضي الله عنه. [3]: توثيق المحرر: الخبر مروي في كتب السير والأدب عن النابغة الجعدي، وفيه: «وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرًا». ولم يجزم الخطيب بصحته (قال: إن صح الخبر). [4]: توثيق المحرر: أشهر الروايات أن بناء العريش كان باقتراح سعد بن معاذ رضي الله عنه، وأن أبا بكر كان مع النبي ﷺ فيه. وقد أثبتنا ما في التفريغ مما قاله الخطيب. [5]: توثيق المحرر: عبارة مشهورة على ألسنة الخطباء، ولم أقف لها على إسناد صحيح، فلا تُثبت حديثًا. وقد أبقيناها بصيغة «يُنقل» كما أوردها الخطيب.

Share this article

تبصرے

مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔

ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔

امید ہے مضمون سے مستفید ہوئے، ہم آپ کے تبصرے اور نصیحت کا خیر مقدم کرتے ہیں۔

شیخ سے پوچھیں