ألفة القلوب: الرحم والمؤاخاة
رَحِمٌ جديدة صنعها النبي ﷺ في المدينة، وشيطانٌ رضي بأن يفرّق بيننا
المناسبة: تفريغ محاضرة أُلقيت بتاريخ ٨ أغسطس ٢٠١٧م المصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
اللهم إنا نسألك خير هذه الليلة وخير ما فيها وخير ما بعدها، ونعوذ بك من شر هذه الليلة وشر ما فيها وشر ما بعدها. ونسألك ربنا أن تصلح لنا قلوبنا، وأن تطيّب خواطرنا، وأن تهدّئ من روعنا، وأن تحفظ علينا عافية قلوبنا، وأن تحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا. ونعوذ بعظمتك سبحانك من نزغات الشيطان، ومن غوائل الدهر، ومن تقلبات الأيام. اللهم إنا نعوذ بك أن تقضي فينا قضاءً يودي بنا إلى جهنم، ونسألك ربنا أن تلطف بنا في كل أمر، وأن تيسّر لنا سبل طاعتك، وأن تجعل قلوبنا راضية بقضائك وقدرك، وأن تحفظنا على ما ترضاه لنا من صراط مستقيم، ومن هدي المتقين، ومن نعيم المحبين المخبتين، برحمتك يا رب العالمين.
ما معنى الرَّحِم؟
في هذه الليلة الطيبة التي نستشعر فيها نسيم الإيمان نتساءل معًا: ما معنى كلمة الرَّحِم التي حدّث عنها رب العالمين بقوله: ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾؟[1]
الرحم علاقة بين الناس، قد يكون سببها رحمَ المرأة الذي يخرج منه الجيل الجديد، وقد يكون سببها دينًا يربط بين الخلق، وقد يكون علمًا يجمع بين عقول الناس. فما معناها؟ إنها نقطة التقاء يجتمع فيها الخلق، ثم يخرجون منها فتتباعد أبدانهم ولا تختلف قلوبهم. ينطلقون منها وإن انتشروا في الأرض كلها، ومع ذلك تبقى أجزاء من ذلك الدم تربط بينهم. وفي رحم العلم تظل الفكرة تربط بين الذين ينتسبون إلى العلم. وفي مجال الدين يظل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يربطان بين قلوب الخلق فيجتمعون.
مؤاخاة المدينة
لما هاجر النبي ﷺ من مكة إلى المدينة صنع في المدينة رَحِمًا جديدة، سُمّيت بعد ذلك المؤاخاة. ومعناها أن أشعر أن لي أخًا، بل أحسّ بذلك، بل أجده؛ فليس مجرد ظن، كأن أقول من بعيد: لعل هذا يكون أخي أو لا. لا، بل أحسّ به إحساسًا يدلّ عليه العمل: أن أجد ما عندك لي، وأن أجد نفسي فداءً لك، وأن أجد قلبي ينبض لألمك، وأن أجد عقلك يفكّر في مستقبلي، وأن أجد بيننا مشاعر مشتركة تجمعنا على طول الطريق، لا يستطيع الشيطان في أي مرحلة أن يخترقها بحال.
والنبي ﷺ لما نزل المدينة صنع فيها هذه الرحم الجديدة بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار. لماذا؟ ليكونوا قلبًا واحدًا وإن اختلفت الأيدي، وإيمانًا واحدًا وإن اختلفت العقول في التفكير، ويقينًا واحدًا وإن اختلفت النفوس في نِسَب الثبات، وليكونوا يدًا واحدة على عدوهم.
بذل الأنصار
لما آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار وجدنا من الأنصار منتهى البذل: خذ كل ما تريد، وفوق ما تريد، بل خذ كل ما أملك، لا أريد منه شيئًا، أنت مكاني. حتى إن بعض الروايات تحدّث أن أحدهم كان يقول لأخيه في الإسلام: هذا مالي بيني وبينك مناصفة. وهذه مسألة لا تحدث اليوم؛ فنحن نرى الأشقاء يتنازعون على الدَّين والدرهم والفاكهة: أنت أخذت هذا وأنا لم آخذ، وأنت أخذت أكثر مني وأنا أخذت أقل منك. أما النبي ﷺ فصنع هذه الرحم حتى وجدنا من الأنصار من يقول لأخيه: هذا بيتي نقتسمه، وهذا مالي نتشاطره. بل تحدّث بعض الروايات أنه قال: وهؤلاء نسائي، من رضيتَ منهن فإني أفارقها بعد أن تختارها، فهي لك زوجة على كتاب الله تعالى وسنة رسوله.
وبعض الناس يعلّق على هذه الكلمات فيقول: هل كانت النساء كالكراسي في البيت، تأخذ واحدة وتَدَع الأخرى؟ فنقول: لا بد أن نفكّر بمفهوم أعمق، وأن هذا الكلام قد يُقال على سبيل المبالغة في العطاء. فإذا جاءنا ضيف في مصر قلنا له: يا سلام، أنت تنوّرنا! أنا أذبح لك ولدًا من أولادي! وهذا الكلام طبعًا لا أصل له من الصحة، وإنما هو على سبيل منتهى المبالغة في الإكرام، كأني أفتدي زيارتك بولد من أولادي. فهذه هي الروح التي وُجدت.
استغناء المهاجرين
وقابل هذه الروحَ من البذل عند الأنصار روحٌ أكثر شفافية وأعظم أثرًا، هي الاستغناء عند المهاجرين؛ فهؤلاء يبذلون أكثر ما يملكون، وهؤلاء يستغنون بقدر ما يستطيعون.
ومثال ذلك، مجرد مثال، عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه. نعلم أن الناس خرجوا من مكة إلى المدينة وليس معهم من حطام الدنيا شيء، لا يملكون إلا دينهم، فرّوا به إلى الله تبارك وتعالى. ولما نزلوا المدينة كان عبد الرحمن بن عوف واحدًا من هؤلاء، والنبي ﷺ يشهد الموقف ويتابع الأحداث، فيأتي الخبر عن عبد الرحمن أنه قال لأخيه في الإسلام: بارك الله لك في مالك وأهلك وعيالك، دلّوني على السوق، أعطوني مكانًا وأروني أين أشتغل، لأجني قرشًا ومالًا. وتدور الأيام فينتج هذا الاستغناء عند عبد الرحمن بن عوف ثروة لا يستطيع الناس حصرها، ثروة هائلة.
قافلة تهزّ جدران المدينة
وفي رواية من الروايات أن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها كانت في مكانها بعد وفاة النبي ﷺ بزمن، فجاء صوت من خارج الدار، ضجة كأن جدران المنازل تهتز منها، وكأن شيئًا غريبًا يحدث في الخارج. فسألت: ما هذا؟ ما هذه الضجة؟ ما هذا الصوت العالي؟ فقالوا لها: قافلة لعبد الرحمن بن عوف جاءت المدينة، مجموعة من الجِمال محمّلة بالبضائع بأقتابها وأحلاسها.[4] وتخيّلوا معي مجموعة من الشاحنات الكبيرة جدًّا تعبر الشارع محمّلة بالبضائع عن آخرها، ومن أثمن البضائع، هذا هو الوصف الموجود الآن، تمرّ بين جدران المدينة وفوق ظهورها ثِقَلها. وكان الأستاذ خالد محمد خالد رحمه الله يقول: «وكأني بجدران المدينة تهتز من سير هذه الإبل بين طرقاتها».
فقالت أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها: سبحان الله! رحم الله عبد الرحمن بن عوف، حدّث عنه النبي ﷺ قائلًا: «يا عبد الرحمن، أراك تتعثّر على الصراط يوم القيامة».[2]
الله أكبر! وهو من السابقين إلى الإسلام، ومن الذين حباهم الله بنعمة النظر في وجه النبي محمد ﷺ، ومن الذين لم تكن لهم معصية بارزة يُوصَم بها أبدًا، ومع ذلك يخشى العبد أن يُكَبّ على وجهه على الصراط وهو يمرّ. وتعلمون، بارك الله فيكم، أن على الصراط كلاليب تتخطّف الخلق، وأن من الناس من يمرّ عليه كالبرق، ومنهم من يمرّ كالضوء، ومنهم من يمرّ كالخيل الجواد المضمَّر، ومن الناس... [وتتمّة الوصف غير واضحة في التفريغ].
فسمع عبد الرحمن الخبر، فأتى مسرعًا تاركًا كل ما بين يديه، يجري جريًا، وقال: يا أم المؤمنين، أتيتِ عن النبي ﷺ بذلك؟ فقالت: اللهم بلى. فقال عبد الرحمن: وماذا قال؟ فقالت: قال لك، وأنت تشهد، يا عبد الرحمن: «أنفِق تُطلِق قدمك». أي: على قدر ما تعطي تكون خفيفًا على الصراط، تعرف أن تجري بسرعة. فقال: والله إني لأُشهد الله تعالى أن القافلة بأقتابها وأحلاسها... [وتتمّة العبارة مشوّشة في التفريغ، وفيها ذكر الطعام وقوله: «إن صح النقل في ذلك»، فلم تُثبَت].
ثم التفت المحاضر إلى الحاضرين، وأكثرهم يشتغل بالتجارة: أحدنا جاء من بلده بالكاد وعلى كتفه شنطة فيها شيء من الثياب، أو كيس صغير فيه شيء من الثياب في الطريق، أتينا وليس معنا شيء، فأغنى الله تعالى من فضله، ورزقنا من عطائه، وأفاض علينا من نعمه بأكثر مما كنا نتخيل. وقال إنه على يقين بأن الجالسين أمامه كلهم أعطاهم الله تعالى أكثر مما كانوا يتخيلون، وهم في رغد من العيش بفضل الله ونعمه.
التحريش: رضا الشيطان
ثم بعد ذلك يأتي الشيطان ليقول كلمة حدّث عنها رسول الله ﷺ. فماذا يقول؟ قال النبي ﷺ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي أَرْضِكُمْ، وَلَكِنَّهُ رَضِيَ بِالتَّحْرِيشِ فِيمَا بَيْنَكُمْ».[3]
فالشيطان قد يئس، وقد رفع يده؛ لن يحاول أبدًا أن ينصّب نفسه إلهًا فتعبدوه، قد انتهت هذه الحكاية. فهل يقعد بلا شغل، معطَّلًا؟ لا، ولكنه رضي بالتحريش فيما بيننا. يدخل ويرمي كلمة هنا بين فلان وفلان، فنشتغل بها يومين وثلاثة وأربعة وخمسة، ذهابًا وإيابًا، قلنا وقالوا وقعدنا وقمنا وتكلمنا ومللنا ورضينا وغضبنا، فنضيّع من أيامنا ثلاثة وأربعة من أجل كلمة خرجت من واحد، أو من أجل قرشين اختفيا في مكان فندور ونروح ونجيء ونقيم ونضع. ثم ماذا بعد؟ مشكلة، ولو كانت صغيرة، لكنه رضي بالتحريش فيما بيننا. وهدف الشيطان أن نظل كالماء الذي يغلي، فلا يسكت لنا صوتًا ولا يستساغ لنا طعم. الشيطان راضٍ بهذا جدًّا، مبسوط قوي، وتلك غايته.
والعاقل من نصب نفسه في موطن لا يستطيعه كثير من الخلق. والنبي ﷺ سيصف لنا مَن الناس الذين يمكن أن يبلغوا المكانة الأرفع، فيقول ﷺ فيما يرويه عن ربّ العزة سبحانه وتعالى... [ويتصل الحديث بالمحاضرة التالية].
--- [1]: توثيق المحرر: النطق في التفريغ هو موضع الاستشهاد من الآية، وهي في سورة النساء: ١، وتمامها: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾. [2]: توثيق المحرر: لم يقف المحرر على هذا اللفظ ولا على سنده، وأُثبت كما جاء في كلام المحاضر. [3]: توثيق المحرر: أخرج مسلم من حديث جابر رضي الله عنه: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ». ولفظ المحاضر مختلف عنه، وقد أُثبت كما قال. [4]: توثيق المحرر: عبارة «بأقتابها وأحلاسها» تقدير لعبارة التفريغ المشوّشة («باق تبه واحلاسكس»)، وكذلك صيغة سؤال عبد الرحمن «أتيتِ عن النبي ﷺ بذلك؟» مبنيّة على عبارة مضطربة («ايت عن النبي ذلك»). وذكر المحاضر عدد الجِمال بصيغة مضطربة («70 … 70») فلم يُثبت.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔