أ
ڈاکٹر احمد ابو سیف
اکیڈمی آف امامز
قلبی خیالات پر واپس
خاطرہ · فجر

أسرى بدر بين الرحمة والحزم

سورة الأنفال مدرسةٌ لجيلٍ يعرف حدّه: عتاب القرآن في أسرى بدر، والفرق بين القسوة والقوة، ورحم الإيمان فوق كل رحم.

ڈاکٹر احمد ابو سیف•٥ نوفمبر ٢٠٢٥•6 منٹ مطالعہ
خاطرے کی اصل ویڈیو
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ٥ نوفمبر ٢٠٢٥م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، [مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب](https://www.youtube.com/watch?v=l9hNcQm0G0Y)

سبق أن أشرنا إلى أن سورة الأنفال مدرسةٌ خاصة لتنشئة جيلٍ بعينه؛ جيلٍ يعرف حدّه من حيث البدء والختام، ويعرف منطلقاته الحياتية والإيمانية، ويُدرك إلى أين يسير وما أهدافه في هذه الدنيا. وهذه مقدمةٌ لا بدّ منها: فهذا الجيل الذي يربّيه ربّ العالمين سبحانه في سورة الأنفال لا ينظر إلى الدنيا غايةً، وإنما هي محضُ وسيلةٍ تُفضي به إلى أغراضَ أهمَّ وأجلَّ من متاع الحياة الدنيا. وعلى هذا تأتي خاتمة السورة المباركة.

الأسرى بعد بدر: رأيان

نبدأ التعليق من قول الله تبارك وتعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ … لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ …﴾[1]. والشاهد أن النبي ﷺ بعد غزوة بدر صار عنده أسرى، فكان السؤال: ماذا نفعل فيهم؟ وكان هناك رأيان أساسيان.[9]

الرأي الأول رأي أبي بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله، نُفاديهم أو يفتدوا أنفسهم من بين أيدينا بقدرٍ من المال نستعين به على أحوالنا، ونُطلق سراحهم، ولا داعي لإراقة الدماء.

وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يمثّل مدرسةً أخرى: إذا قضينا عليهم قضينا على قسمٍ كبير من التفكير الاستراتيجي والإداري عند هؤلاء الأعداء. ففي هذا نوعٌ من النفع، وفي ذاك نوعٌ من النفع.

وكلا الصحابيين رضوان الله عليهم يقصد الخير. ولا تتخيّل أن أبا بكر الصديق أراد الفداء ليحصل على أموالٍ زائدة؛ أتتخيّل أبا بكر يطلب منفعةً شخصية من هذه العملية؟ هذا ليس في حساباته أصلًا. فأبو بكر أول الناس الذين يأتون إلى رسول الله ﷺ ليقدّموا كل ثروتهم في سبيل الله؛ ما نادى النبي ﷺ مرةً إلى التبرّع لعملٍ من أعمال الإسلام إلا كان أبو بكر أول من يأتي وأكثرَ من يأتي بماله.

عتاب القرآن للمجتمع كله

لكن يبقى الحسم الإلهي. النبي ﷺ مال إلى الرأي الأول، وهو يفعل ذلك برحمته ولطفه ﷺ. غير أن القرآن الكريم جاء يعاتب المجتمع المسلم على هذا. لماذا؟ لأن هناك مواقفَ تحتاج إلى الحسم والحزم؛ مواقفَ أظهر فيها العدو عداوته الفجّة التي لا يُتحايل معها إلى نقطةٍ وسط، ولا يوجد سبيلٌ للخروج من الأزمة إلا أن يرى من المسلمين بأسًا وشدّة. وهذا البأس نراه فيما قاله ربّ العالمين: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ …﴾[2] ثم ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾.

انظر إلى التسمية: حين ينتقل الفريق الآخر في تسمية القرآن من كونهم أهلَ دعوةٍ ومحلَّ قبولٍ للإسلام وتأليفٍ للقلوب وهدايةٍ للنفوس، إلى كونهم أعداء، يسمّيهم ربّ العالمين ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾؛ فهناك نمطٌ مختلف من التعامل. والنقطة هنا: قرارُ النبي ﷺ المبدئي، ثم عتابُ القرآن للمجتمع كله، لا لشخص النبي ﷺ وحده.

الشبهة التي يعرضها المخالفون

وهذا يوقفنا أمام شبهةٍ يعرضها المخالفون: أن نبيّكم أذن بإراقة الدماء. فما بال الإسلام لمّا تعامل مع من جاء محاربًا، حاملًا للسلاح، جاء بنفسه وباختياره ليتخذ قراره في نفسه وفي أسرته قبل أن يخرج من بيته؟ وما دمنا نجد سبيلًا للعفو فلا بأس به، لكن في موطن القوة والعزّة والمنعة قد يحصل خلطٌ عند من لم يدرس سيرة هذه الأحداث تفصيليًا، فيتخيّل أن النبي ﷺ صنع قرارًا ظالمًا.

كيف نفصل في المسألة؟

حتى لا نطيل: هناك مواقفُ تكون فيها الرحمة أقوى وأشدَّ من كل شيء، وهي المفهوم العام: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾[3]. وهناك مواقفُ تستدعي الحسم؛ ولذلك رأينا السورة التالية ـ وإن كانت تتحدث عن مناسبةٍ أخرى ـ تتصدّرها ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾[4] بلا «بسم الله الرحمن الرحيم». كيف تتصوّر أن لغة القرآن تتحوّل إلى هذه القسوة؟ فيقول لك: لا، ليست قسوةً وإنما هي قوة.

وما الفرق بين اللفظتين؟ القسوة تتعامل بها مع الصديق والقريب والبعيد والحبيب والعدو، تتعامل بها بشكلٍ طبيعي. أما القوة فهي التي تجعلك ترفع يدك لتضرب يدَ ولدك، مثلًا، وأنت تؤدّبه. هل بينك وبينه عداوة؟ هل بينك وبينه خصومة؟ ما الذي حملك على ذلك؟ رحمتك به ورأفتك بمستقبله، أم عداوةٌ مسبقة؟ إنك تضرب على يده لكي لا يُهلك نفسه. إنها القوة في شخصية المربّي، تجعله أحيانًا ـ لا أقول عنيفًا ـ وإنما حازمًا حاسمًا في اتخاذ القرارات والمواقف.

أنماط العلاقات في خواتيم الأنفال

الآيات التي في خواتيم سورة الأنفال تبيّن لنا أنماط العلاقات. فحين اختار النبي ﷺ ما اختار، رأينا أن أبا بكر يقول: يا رسول الله، فلانٌ قريبٌ لفلان يفتديه، وفلانٌ قريب لفلان يفتديه، وتنتهي المسألة. فيحدّثنا ربّنا سبحانه: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾[5]. واسمع قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ـ وهؤلاء قطاع المهاجرين ـ ثم ينتقل إلى ﴿وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا﴾، ثم يقول سبحانه: ﴿أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾[8]. فالعلاقات الدموية تقطّعت حين وصلنا إلى مرحلةٍ إما إيمانٌ مشترك وإما كفرٌ يفصل بين الناس.

وفي سورة هود، حين يحدّثنا ربّ العالمين عن نوح على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام، يحدّثه عن ولده، عن ابنه، قائلًا: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾[6]. تخيّل الخطاب المباشر إلى نوح: يا نوح، إنه ليس من أهلك.

فالعلائق التي تربط بين أهل الإيمان هي علاقة الإيمان أولًا وقبل كل شيء، ثم تتأتّى بعد ذلك روح الإسلام في دعوة الناس والتلطّف بهم والرحمة بأحوالهم والإشفاق عليهم وتأليف قلوبهم والإغداق عليهم؛ هذه هي الروح الأساسية. فإذا صدّر أحدهم نفسه عدوًّا لك، ورفع في وجهك سيفه وصار مبارزًا لك، حينها تأتي مرحلة القوة اللازمة للدفاع عن نفسك والهيمنة على الموقف بالشكل الذي يناسب حال المعتدي.

وهناك أناسٌ يبغضون كلمة الإسلام: ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فريقٌ، وفريقٌ آخر ﴿اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾[7]. سبحان الله القدير! مجرد ذكر الإسلام يجعله يشمئز؛ واحدٌ منهم يتوقف عند حدّه، والآخر يعتدي. ولا شك أن الاعتداءات، أو ردّة الفعل القوية إذا حصلت، لا تكون بشكلٍ فردي، وإنما هي منظومةٌ كاملة تحدّدها مجموعة من المعالم؛ كأن تكون تحت ولي أمرٍ يعمل لأهل الإسلام، إلى آخر تلك المنظومة الكبيرة.

خلاصة الكلام

شاهدنا في الكلام اليوم: أن الإسلام لم يظلم أحدًا، ولم يعتدِ على أحد. ورسول الله ﷺ بنفسه كان يميل إلى الرفق في كل أحواله عليه الصلاة والسلام؛ ولولا أن هذه مسألةٌ تربوية ترتبط بالمجتمع وبالمستقبل ما تنزّلت هذه الآيات لتعاتب رسول الله، بل لتعاتب المجتمع المسلم كله.

وخلاصة القول: الرحم التي تربطنا ببعضنا جميعًا، نحن أهل الإسلام جميعًا، هي رحم الإسلام، وهي أقوى من كل رحم. غير أننا فرّطنا في هذه الرحم، ومن ثَمّ وجدنا أنفسنا منقسمين هذا الانقسام: لا نُحسن أن نتعاون، ولا أن نتكامل، ولا أن نبني مستقبلًا للدين سويًا، ولا أن نخطط لأجيالنا الصاعدة بين أيدينا تخطيطًا محترمًا مشتركًا، ولا أن نفكّر للأمام؛ وإنما نفكّر فيما يحدث من التغابن الذي يلقيه الشيطان، والتفرقة التي يريد الشيطان وجودها في وسطنا.

أسأل الله سبحانه أن يمكّن لنا حسن الفهم عن كتابه، وأن يثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

--- [1]: توثيق المحرر: الآية من سورة الأنفال، رقم ٦٧. أُثبت منها ما نطق به المتحدث في التفريغ، وهو مضطرب عند قوله «يغل له أسرى»، فاقتُصر في المتن على ما ثبت منها. ونصّها: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾. [2]: توثيق المحرر: سورة الأنفال، الآية ٦٠. لم يتضح في التفريغ ختام الشطر الأول (ورد في التفريغ «ومن رباط الخير»، وصوابها في الآية «وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ»)، فاقتُصر على ما ثبت. [3]: توثيق المحرر: سورة آل عمران، الآية ١٥٩. [4]: توثيق المحرر: سورة التوبة، الآية ١. [5]: توثيق المحرر: سورة الأنفال، الآية ٧٥. [6]: توثيق المحرر: سورة هود، الآية ٤٦. [7]: توثيق المحرر: سورة الزمر، الآية ٤٥ (الشطر الثاني)؛ وقوله «وجلت قلوبهم» ورد في سورة الأنفال، الآية ٢، وقد ذكر المتحدث العبارتين معًا. [8]: توثيق المحرر: سورة الأنفال، الآية ٧٢. [9]: توثيق المحرر: في صحيح مسلم من حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أن رسول الله ﷺ استشار أبا بكر وعمر في أسرى بدر، فأشار أبو بكر بأخذ الفدية لتكون قوةً على الكفار، وأشار عمر بضرب أعناقهم، «فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ»، ثم قال ﷺ: «أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ»، وأنزل الله تعالى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾.

شیخ سے پوچھیں