أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
حِكَمٌ وبصائر

باب السماء المفتوح وإجابة الدعاء

خاطرة الفجر — باب السماء المفتوح وإجابة الدعاء

د. أحمد أبو سيف•٧ مايو ٢٠٢٦•4 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ٧ مايو ٢٠٢٦م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

اللهم أصلح لنا أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. أرضنا وارضَ عنا، وتجاوز عن سيئاتنا وخطايانا، وتلطّف بنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، ويسّر ما بين أيدينا، واقضِ حوائجنا، ودبّر معايشنا برحمة منك ورضوان يا رب العالمين. لطفك ربنا بأهل فلسطين وما حولها، وبكل مستضعف في الأرض موحّد لك، ناصر لدينك ولسنة نبيك، برحمة منك ورضوان يا رب العالمين.

بشرى النبي ﷺ

في حديث النبي ﷺ بشرى عظيمة جدًّا؛ يقول فيه ﷺ ما معناه: ما من مؤمن ينصب وجهه إلى الله يسأله مسألة إلا أعطاه إياها، عجّلها له في الدنيا أو أخّرها له في الآخرة، ما لم يعجّل. فقالوا: كيف يعجّل يا رسول الله؟ قال ﷺ: يقول: دعوتُ فلم يُستجب لي.[1]

وللحديث روايات يحدّث فيها رسول الله ﷺ بلفظ التعميم لا بتخصيص المؤمن، فيقول إن أحدكم إذا دعا استجيب له. فكأني أمام بوابة السماء مفتوحة دائمًا لا تُغلق أبدًا. وسبحان العليّ القدير، لا نقول إن ربنا «من وراء» شيء، فسبحانه وتعالى عن التحيّز، وإنما أقصد أنه من وراء ألفاظ الدعاء دائمًا ربٌّ مجيب، جلّ في علاه، لا يغفل عن لسان يلهج له، ولا عن قلب ينبض بذكره، ولا عن عقل يتفكر فيه. سبحانه يعلم أحوال عباده كلها وينظر إليهم أجمعين.

حتى المشركون إذا أخلصوا الدعاء

تأمّل في النص القرآني: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.[2] ونحن نتكلم عن كفار، عن مشركين، دعوا الله. فإذا دعوا الله مخلصين له الدين فكيف يكون الجواب؟ لم يقل: فاستجاب، بل قال: نجّاهم؛ كأن الأمر قد صدر ونُفّذ. وكأني إذا سمعتُ جملة «فاستجاب لهم» أتفكّر: كيف استجاب وهم في هذا المأزق؟ وأين ذهبوا؟ ومن الذي أدركهم؟ فإذا بربّ العالمين يعطيك المشهد النهائي: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾؛ وقد انتهت المسألة.[5]

وتخيّل سفينة كبيرة جدًّا فيها مجموعة من المشركين الكافرين بالله وبوحدانيته وبالإيمان به وباليوم الآخر، وما يصنعون هناك من موسيقى صاخبة واختلاط فاحش وسُكر دائم. لكن في مرحلة من المراحل، في تلك اللحظة، دعوا ربّ العالمين مخلصين له الدين، فإذا به سبحانه ينجّيهم. فما الذي يُتوقَّع من أمثال هؤلاء؟ لكنهم للأسف الشديد يعودون إلى شركهم الأول.

وربنا سبحانه وتعالى يفتح لنا أبواب الأفواه لتتحرك داخلها الألسنة فتلهج لله عز وجل بالدعاء، ولا يردّ دعاء داعٍ. سبحان العليّ القدير، سبحان المنّان، سبحان اللطيف، سبحان الكريم، سبحان الرحمن، سبحان الذي يجيب دعاء عباده؛ لا تردّد عنده سبحانه وتعالى، ولا شحّ عنده عز وجل، ولا يمنع أحدًا خيرًا أبدًا إلا أن يكون المنع عقوبة، وذاك تمام الخير للعبد. فلا تحرموا أنفسكم أن تدعوا بما شئتم، وقت ما شئتم، كيف ما شئتم.

مواطن الإجابة

ومن كرم الله عز وجل أن يحدّد لك مواطن إذا دعوتَ فيها أجابك. ففي حديث النبي ﷺ: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد».[3] وتمام الحديث قوله ﷺ: «فأكثروا الدعاء»؛ ينصّ نصًّا على الإكثار من الدعاء وقت السجود. فمن أراد أن يطرق باب ربّ العزة سبحانه وتعالى ليدخل إليه بطلب غير مؤجَّل، وبسؤال معجَّل، وبحاجة مقضيّة، فليسجد: يفتتح صلاته بتكبيرة الإحرام، ويركع لله ركعة، ثم يسجد له سجدة، فإذا الدعاء هناك مقبول، وإذا الحاجة مقضيّة، وإذا السؤال غير مردود. وسبحان من هذا شأنه وتلك عظمته.

ومن تمام العظمة أن تدرك أن ثمّة وقتًا ينزل فيه ربّ العالمين، كما نصّ الحديث، إلى السماء الدنيا، فيقول ما معناه: هل من داعٍ؟ هل من سائل؟ هل من مستغفر؟[4] وفي كل مرة يعطي الجواب قبل سؤال العباد: هل من داعٍ فيُجاب، هل من سائل فيُعطى، هل من مستغفر فيُغفر له. لقد أعطى الجواب قبل وجود الفعل، وذلك تمام رحمة ربّ العالمين سبحانه وتعالى. فما الذي يبغيه العباد من ربهم أكثر من هذا؟ حاجاتهم مقضيّة، وأسئلتهم غير مردودة، ودعاؤهم مقبول، ورجاؤهم بين يدي الله تبارك وتعالى فورًا مرجوّ الجواب. سبحان العليّ القدير، ذاك ربنا، له الحمد أن هدانا إليه وعلّمنا كيف ندعوه، ورفع أيدينا بالدعاء له اختيارًا منا، له الحمد في الأولى والآخرة.

اللهم إنا نسألك أن تملأ صدورنا يقينًا فيما عندك، وأن تجعلنا ممن أيقنوا فيما وعدتَ فمننتَ عليهم بما وعدت. ربنا علّمنا كيف نسألك، وأعطنا فوق سؤلنا. ربنا تب علينا، وأجب دعاءنا، واغفر لنا، وارحم ضعفنا برحمة منك ورضوان يا رب العالمين.

--- [1]: توثيق المحرر: نُقل الحديث بالمعنى كما أورده المتحدث بلا عزو، والثابت في الصحيحين: «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوتُ فلم يُستجب لي»؛ وزيادة «عجّلها له في الدنيا أو أخّرها له في الآخرة» وردت في روايات أخرى لم يُتحقق منها هنا. [2]: توثيق المحرر: سورة يونس، الآية ٢٢. أما عبارة «فلما نجّاهم إلى البر» فليست من يونس، وموضعها سورتا العنكبوت (٦٥) ولقمان (٣٢)، وقد مزج المتحدث بين المشهدين. [3]: توثيق المحرر: رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وتمامه: «فأكثروا الدعاء». [4]: توثيق المحرر: حديث النزول الإلهي، وهو متفق عليه بألفاظ متقاربة، وأورده المتحدث بالمعنى. [5]: توثيق المحرر: العبارة من سورة العنكبوت (٦٥) ولقمان (٣٢)، لا من سورة يونس.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ