أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
حِكَمٌ وبصائر

إن الله اشترى من المؤمنين

خاطرة العشاء – د. أحمد أبو سيف – 9 نوفمبر 2025

د. أحمد أبو سيف•٩ نوفمبر ٢٠٢٥•7 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة عشاء أُلقيت بتاريخ 9 نوفمبر 2025م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

ثلاث وقفات توقفتُ عندها مع القراءة، أولها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾.[1]

ما الذي يُشترى ممن بذل؟

ما الذي اشتراه الله؟ اشترى أنفس المؤمنين وأموالهم. والمؤمنون آمنوا بالله، فهم بطبيعة الحال تَبَعٌ له، ولا يحتاجون إلى أن يُشترى منهم شيء، فقد بذلوا أنفسهم لله في أصل القضية. فما وجه الحاجة إلى أن يقول ربّ العالمين هذا القول؟ ثم إن شيخنا يردّد علينا أن الله هو ملك السماوات والأرض، فجملة الأنفس والأموال داخلة في جملة السماوات والأرض المملوكة لله سبحانه وتعالى. فما وجه هذا التعبير بلفظ الشراء؟

والوجه في ذلك أن ربّ العالمين سبحانه يُشعرنا بذواتنا، وأن لدينا الاختيار في أن نفعل ما نشاء، وأن هذا الاختيار يترتب عليه ثواب وعقاب من قِبَله سبحانه. فحتى وهو يُخبرك بأنك مِلكٌ لله يُشعرك بذاتك وبقدرتك على اتخاذ القرار، حتى وأنت تتعامل مع ربّ العالمين. أو يكون الاحتمال أن أهل الإيمان لمّا آمنوا صارت لأنفسهم وأموالهم قيمة فوق كونهم مملوكين تبعًا لربّ العالمين، وصاروا جديرين بأن يُمنحوا ذلك في مقابل ما يعلمون من كرم ربّ العزة سبحانه جلّ في علاه.

بنود الصفقة

إذا اتفقنا على هذه المسألة مبدئيًّا، فما بنود هذه الصفقة؟ يقول ربّ العالمين سبحانه: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.[2]

لاحظوا أنه رجع بنا إلى «المؤمنين» في الختام، كما بدأ الكلام بـ«المؤمنين»، ففهمتُ أن هناك رابطًا بين المبدأ والختام، وأن ما بينهما هو بنود هذه الصفقة.

التائبون. أتتخيّل أن أناسًا باعوا أنفسهم وأموالهم لله بعد إيمانهم برب العالمين سبحانه، ويبقى عندهم ما يتوبون منه؟ تخيّلوا المشهد معي: نحن نتكلم عن أن الله اشترى من المؤمنين، فلا شك أنهم باعوا، والصفقة تمّت وانتهت المسألة، وصارت أنفسهم وأموالهم لله سبحانه. ومع ذلك فلهم أخطاء يتوبون منها! فإذا بربّ العالمين يرفع سقف تصوّر الأخطاء في حياة البشر، إلى حدّ أن يكون من أمثال هؤلاء المؤمنين الذين باعوا أنفسهم وأموالهم، ولهم الجنة بإذن الله، من يُحتمل منه الخطأ.

وتخيّل أنه يرفع السقف إلى ما هو أعلى من ذلك، فالآية بعد قليل تقول: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾.[3] تأمّل الوصف الذي أورده ربّ العالمين للمهاجرين والأنصار: لقد سلّموا لرسول الله ﷺ في أصعب الأوقات التي مرّ بها. فهل يوجد فوق ذلك فداءٌ أو تضحية أو بذلٌ أو عطاء أو صدقة؟ وهل يوجد فوق ذلك دليل على صدق الانتماء للدعوة والعمل والسعي؟ ومع ذلك يأتي التعبير بلفظ التوبة: «لقد تاب على النبي» ثم على المهاجرين والأنصار. الله أكبر! كيف ذلك؟ يقول لك: انتبه، فليس هناك سقف لاحتمالية صدور المعصية بشكل ما. والمعصية إن لم تصدر من النبي ﷺ في صورتها التي نعلمها نحن، فهو إخبار للأمة بأن ثَمّة احتمالًا ولو للتقصير في العمل، فما أدّينا ما ينبغي علينا أن نؤدّي، وما بلغنا سقف العطاء.

ثم نعود: الذين باعوا أنفسهم وأموالهم لمن؟ لله، فهل في الإمكان أن يُعطى فوق ذلك شيء؟ ما رأيك؟ من وهب نفسه، هل يملك شيئًا فوق ذلك؟ لا يوجد شيء آخر. فما وجه التعبير بلفظ التوبة أصلًا؟ يقول لك: يحتمل أن يداخلك شيء من النظر إلى ذاتك ونفسك، أن يداخلك: أنا إمام محترم، أنا داعية، أنا متصدّق كبير، أنا منفق، أنا ساعٍ إلى الخيرات، أنا أساعد الناس، أنا أفعل وأنا صاحب كذا. فهذه الدواخل التي تخفى أو تظهر، تقلّ أو تكثر، ليست مطلوبة، وإن حصلت لن نردّ صاحبها، وإنما قليل من التوبة يكفي. فيقول الله: «التائبون».

العابدون. ثم إذا حصلت التوبة صدقت العبادة، فيأتي التالي: العابدون. وما مظاهر هذه العبادة؟ أن يتلبّس الإنسان بها في صورها المختلفة: من صلاة وصيام وزكاة وحج وبرٍّ وصدق ووفاء وغير ذلك، حتى يستشعر أنه امتلأ ذاتيًّا بهذا التعبّد، فصار حامدًا لله على النعمة التي هو فيها. وأسأل سؤالًا بسيطًا جدًّا: الحامد، أهو مستثقِل للتكليف أم سعيد بالممارسة؟ هل هو مستثقل: سأقوم لأصلّي أربع ركعات وأتوضأ والدنيا بردٌ؟ أم أنا سعيد جدًّا بما أنا فيه؟

وفي قوله «التائبون» إشارة إلى المراجعة الذاتية الدائمة التي تحصل في أذهان المؤمنين، فلا يطمئنون إلى أنفسهم خشية أن يركنوا إلى الرضا الذاتي الذي يدخل منه الشيطان فيتسلل ويغريهم بما عندهم فيضلّوا. فهذه توبة. ولذلك نقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله بعد الصلاة، بعد الصلاة التي هي عبادة، نستغفر ربّ العالمين من احتمالية التقصير وإن قلّ. فإذا نحن في نمط العبادة التي نبلغ فيها حدًّا نستشعر فيه رضوان الله علينا، فنبدأ مرحلة الحمد.

السائحون. والبند التالي: السائحون. فما دلالة هذا اللفظ؟ نقرأ قوله تعالى: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ﴾.[4] والمشايخ يقولون في السائحات أو السائحين: هم الذين يواصلون الصيام ليلًا ونهارًا، أي أنهم يعيشون في هذه الحالة. ولفظ السياحة عمومًا يعطيك نوعًا من الأريحية في المكان الذي أنت فيه أو في الحالة التي تعيشها، أليس كذلك؟ فهؤلاء ليسوا فقط ممتنّين لله تبارك وتعالى لأنه منّ عليهم بنعمة العبادة فحمدوه، وإنما هم في رياض هذه النعمة يسيحون فيها: يصلّون صلاةً بعد صلاة، وصيامًا بعد صيام، وذكرًا بعد ذكر، وقراءةً بعد قراءة، تلاوةً بعد تلاوة. يعيشون في عالم آخر! يستشعرون نعمة ربّ العالمين في كل شيء، وفي كل ما يستشعرون فيه رضوان الله عزّ وجلّ عليهم: في راحة النفوس وطمأنينتها وهدوئها. الدنيا تضطرب وتنقلب حولهم وهم مطمئنون لما يأتي من عند ربّ العزة سبحانه وتعالى؛ يتبعون الأسباب ويمارسون الحياة ويجتهدون، لكن قلوبهم مطمئنة.

الراكعون الساجدون. ثم يقول ربّ العالمين: الراكعون الساجدون. أليس هذا داخلًا في «العابدون» التي جاءت في أول الأمر؟ اتفقنا أن «التائبون العابدون»، فلماذا نقول «الراكعون الساجدون»؟ يقول لي: لاتّساع مصطلح العبادة في المقام الأول، ثم التخصيص. عندك سيارة، فالصيانة ماذا تفعل فيها؟ ليست أن تمسح السيارة وتغسلها من الخارج، وإنما ندخل إلى المحرّك، فنرى الأشياء التي نحتاج إلى الانتباه لها والزيت الذي نغيّره، أشياء دقيقة جدًّا. فالصيانة للعبادة الكبيرة تتأتّى بالتأكيد على المفاصل. ومفاصل العبادة في تلك الأركان: يقيمون الصلاة، الراكعون الساجدون.

الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. ثم تأتي المرحلة التالية. فلمّا بلغوا منزلًا استشعروا فيه رضوان الله تبارك وتعالى عليهم، وأحسّوا نعمة الله عزّ وجلّ في وجدانهم وكيانهم وحياتهم كلها، أشفقوا على بقية الخلق، فصاروا واسطةً بين المنهج وبين من يريد اتّباع المنهج، فصاروا دالّين للناس على الله، ومرشدين للخلق إلى الخالق، وهادين لبقية الناس إلى كيفية العبادة والتقرّب من ربّ العزة سبحانه وتعالى.

الحافظون لحدود الله. يقول ربّ العالمين: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾. فما معنى الحافظين لحدود الله بعد مصطلح الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر؟ لقد انطلقوا من مستوى النظرة الضيقة للعبادة الفردية المؤقتة إلى همّ الأمة ومستقبل هذه الحياة. فهم ليسوا مفكّرين في أنفسهم باعتبار النجاة الفردية في الجنة والتخلّص من النار، وإنما صار همّهم في داخلهم همَّ الأمة. ثم يقول ربّ العالمين: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

هذه كانت النقطة الأولى. والنقطة الثانية في قوله ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ أدرجناها في الكلام.

الدعاء

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا ولكم فيما بين أيدينا من الخيرات، وأن يرزقنا الإخلاص فيما نقول، وأن يمنّ علينا بنعمة الفهم عن مراده في كتابه، وأن يجعلنا من أهل الهداية في الدنيا والآخرة. اللهم إنا نعوذ بعظمتك أن نُغَرّ بأنفسنا، أو أن نقول ما لا نفعل، أو أن نُبتلى بوسوسة الشيطان وضلال النفس. اللهم إنا نسألك أن تُسلّم لنا قلوبنا وعقولنا. اللهم إنا نسألك بعزّتك وسلطانك أن تحفظ على أهل فلسطين أمنهم وأمانهم، وأن تملأ قلوبهم يقينًا فيما عندك. اللهم تقبّل شهداءهم، واحفظ عليهم عافيتهم وأمنهم في أنفسهم وأهليهم وأرضهم. اللهم آمين يا ربّ العالمين. الطف بأهل السودان، وارحم كل مستضعف في الأرض، وتلطّف اللهم بنا وارحم ضعفنا. وصلى الله على محمد وعليه وسلام الله.

--- [1]: توثيق المحرر: سورة التوبة، الآية ١١١. اقتصر المتن على القدر الذي تلاه المتحدث. [2]: توثيق المحرر: سورة التوبة، الآية ١١٢. جاء في التفريغ «الحاملون» والسياق (شرحه: «فصار حامدًا لله») يدل على «الحامدون». [3]: توثيق المحرر: سورة التوبة، الآية ١١٧. اقتصر المتن على القدر الذي ذكره المتحدث. [4]: توثيق المحرر: سورة التحريم، الآية ٥، وقد وردت في التفريغ مضطربة في أولها فاقتُصر على موضع الاستشهاد.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ