أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
المفاهيم الإيمانية

خطاب بني إسرائيل في سورة البقرة: وفاء العهد وألّا يكون المرء أول كافر

خطاب بني إسرائيل، ووفاء العهد، ومن لا يكون أول كافر

د. أحمد أبو سيف•٧ مايو ٢٠٢٢•6 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة قرآنية بعد الفجر أُلقيت بتاريخ 7 مايو 2022م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

نستكمل حديثنا حول الآيات من سورة البقرة، وكنا قد توقفنا بالأمس عند ما سبق من الآيات، وفي الآية التالية تحديدًا يبدأ الله تبارك وتعالى خطابه لبني إسرائيل.

لماذا بدأ الخطاب ببني إسرائيل؟

كنا تكلمنا بالأمس عن سبب بدء الخطاب لبني إسرائيل، وجوابًا عن سؤال أحد الإخوة: لماذا لم يُذكر إبراهيم عليه السلام نموذجًا طيبًا في تطبيق شرع الله قبل أن يُذكر النموذج السيئ؟ وكان الجواب أن ذكر النموذج السيئ فيه مزيد من التخويف من التلبّس بمثل هذه الأفعال والصنائع؛ فهو نوع من التحذير المبدئي قبل أن يعطيك البشارة بالنموذج الجيد. ونستطيع أن نقول كذلك: كما تأخذ المصل الواقي قبل أن تخرج إلى الطريق لتمارس عملك بشكل طبيعي، فكذلك هنا.

أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ

بدأ الله الحديث معهم بقوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾[1] ثم قال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾[2]

ولماذا قال لهم: أوفِ بعهدكم؟ لأنهم لا يزالون في محل الطلب من الله تبارك وتعالى. فالناس لا تنقطع مسائلهم لله؛ يسألونه العافية، ويسألونه الرزق الكثير، ويسألونه حسن المعاش، ولا ينفكّ أحد من الخلق عن مزيد من سؤال رب العزة سبحانه وتعالى. أليس كذلك؟ فإذا أردتَ أن يوفّي الله لك مرادك فلا بد أن يكون منك وفاء لله فيما أمرك به سبحانه. والعقد المبرم بين رب العزة وبين الآدميين واضح جدًّا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ﴾[3] فذكّرهم رب العالمين بالعهد الأول.

لا تكن أول كافر

ثم قال سبحانه: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾[4] وهذه الجملة نحتاج إليها في حياتنا الخاصة. ما معنى ذلك؟ لا تكن أول كافر بالحق، لا تكن أول من يكذب فيكذب الناس وراءك، لا تكن أول من يخون فيخون الناس خلفك، لا تكن أول من يكسر كلمته فيكسر الناس بعدك، لا تكن أول من يفسد في الموطن فيفسد الناس من ورائك. وهكذا حذّرنا رب العزة سبحانه مما وقع فيه بنو إسرائيل من قبل.

أما دلالة الآية فلا شك أن الله تبارك وتعالى حذّرهم أن يكونوا أول من يكفر برسالة محمد ﷺ، فهم أولى الناس بتصديقه. لماذا؟ لأننا حين نتكلم عن المشركين فإنما نتكلم عن ناس جُهّال لا يعرفون شيئًا، أما بنو إسرائيل فهم أصحاب رسالة؛ الأصل أن لديهم رسلًا قد سبقوا كموسى وعيسى، والأصل أن لديهم كتابًا نزل إليهم من السماء، والأصل أن لديهم منهجًا تشريعيًّا، فمعرفتهم بالسماء وبما يدور بين الوحي والبشر مسألة مقبولة عندهم.

والشبهات التي أثارتها قريش، مثل قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾[5] تعبّر عن جملة من الجهل والجحود والاستكبار، ولا تدل على علم سابق راسخ في هذه النفوس. أما المناقشات التي جاءت من بني إسرائيل، مثل «يسألونك عن الساعة أيان مرساها»[6] و«يسألونك عن الروح»، فتخيّل حين تقارن بين مناقشات أهل الكتاب ومناقشات المشركين.

والشاهد أن الله قال لهم: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾[7] ولو شرحنا ذلك بالتفصيل لرأينا دروسًا كثيرة وراء كل واحدة منها.

لا تَلبِسوا الحق بالباطل

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾[8] ومن الأمراض المزمنة في داخل بعض النفوس أن تراه يخلط بين الحق والباطل حتى يشوّش عليك معالم التفكير، فلا تستطيع أن تصل معه إلى حل؛ تمسكه من هنا فيخلط الحق بالباطل.

كيف يأمرهم بالصلاة؟

ثم قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾[9] فلو تخيلتُ أنهم لم يوفوا بعهد الله، وأنهم صاروا أول كافر به، وأنهم لا يرهبون الله من قبل، وأنهم يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا، فكيف يأمرهم الله بالصلاة بعد ذلك؟ الثوابت منقوضة غير موجودة، فكيف يأمرهم رب العالمين بإقامة الصلاة؟

يقول أهل العلم: حتى لو اختلّ ميزان الاعتقاد في نفس العبد فعسى أن تأتي به الصلاة مرة أخرى، طالما أنه مستقيم على هذه المسألة. ولعلكم تذكرون قصة ذُكرت في معرض الحديث عن لصوص كانوا على الطريق، فوجد بعضهم قائدهم لا يأكل معهم، فسأله: لماذا لا تأكل معنا؟ قال: إني صائم. قال: أتصوم وتسرق؟ فقال: أريد أن أُبقي بيني وبين الله تعالى بابًا مفتوحًا. وبعد حين وجدوه متعلقًا بأستار الكعبة يسأل الله المغفرة. فالباب الذي أبقاه الرجل مفتوحًا بينه وبين الله ولج منه إلى الله.

أو أن المعنى: أنه ينبغي أن تعودوا عودة جادة، فتنظّموا أنفسكم مع هؤلاء الذين صلّوا لرب العالمين.

عتاب شديد اللهجة

ثم يأتي عتاب الله سبحانه وتعالى شديد اللهجة: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾[10] فهم دائمًا ما يدعون الناس أن يؤمنوا برسالة موسى، وأن يتبعوا الرسل والأنبياء، وأن يؤمنوا بالله تبارك وتعالى، فإن كنتم تدعون الناس إلى ذلك فأنتم أولى باتباع هذا المنهج.

ويقول رب العالمين: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ۝ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ﴾[11] والظن حين يرد على لسان رب العالمين في مثل هذا الموضع يكون في محل اليقين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾[12] فاذكروا الآية في سورة الحاقة.

التذكير بالنعمة ثم التخويف

ثم ينادي الله سبحانه بني إسرائيل مرة أخرى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾[13] ويذكّرهم بأنه فضّلهم على الناس، على الخلق كلهم في ذلك الزمان.

وهذا نوع من الموعظة: أن تنقل أحدًا إلى ما ينبغي أن يخافه. أنت تتكلم بالعقل وبالحسنى وبالراحة وبالهدوء، لكن ما ضابط الكلام؟ كيف تصنع الصنيع الأول؟ هنا أن تذكّره بما هو مُقدِم عليه من عقوبة لا يستطيع أن يتحمل تبعاتها. فيقول رب العالمين: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾[14]

ما أنعم الله به عليهم وما كان منهم

ثم ذكّرهم، ونعوذ بالله من شر فرعون: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾[15] ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾[16] ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾[17]

ثم ذكر توبة موسى عليه السلام لقومه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾[18]

كانت جرائم بني إسرائيل أفظع مما يُتصور، فكان العقاب عندهم أن أحدهم إذا أراد أن يتوب قتل نفسه بتشريع من الله، أو أن الله تبارك وتعالى أمرهم بهذا الأمر اختبارًا لقابليتهم لتطبيق التشريع. والأمر بالضبط كما قال إبراهيم لولده: ﴿إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾[19] هنا قضية قتل وهنا قضية قتل، أليس كذلك؟ فماذا قال إسماعيل؟ قال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾[20] وأما هؤلاء فقد قيل لهم: ﴿فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾[21]

ثم: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾[22] فهم ينطلقون من مستوى من الجحود إلى مستوى أرفع وأشد وأفظع، والعياذ بالله. فقال رب العالمين: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾[23] ويقول المفسرون إن الله تبارك وتعالى أمر بهم فأخذتهم الصعقة فقتلوا جميعًا. ثم: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[24] وكانت هذه معجزة جديدة، سبحان الله.

ثم ذكر الغمام الذي ظلّلهم، وقال: ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾[25] أي: هذا النعيم الذي أنتم فيه، كل هذه النعم آتية من رب العالمين سبحانه، ومع ذلك جحدوا برب العزة. ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾[26]

ثم: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾[27] أي: حُطَّ عنا خطايانا نغفر لكم خطاياكم. ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾[28]

لم يعترفوا ولم يُقرّوا بين يدي الله تبارك وتعالى بما آتاهم من الخيرات والفضائل التي أنعم بها عليهم.

--- [1]: البقرة: ٤٠. توثيق المحرر: ذكر المتحدث أن التوقف بالأمس كان عند الآية ٣٩ من البقرة، وأن الخطاب لبني إسرائيل يبدأ بالآية ٤٠. [2]: البقرة: ٤٠. توثيق المحرر: تتمة الآية ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. [3]: الأعراف: ١٧٢. [4]: البقرة: ٤١. أُثبت من الآية ما ذكره المتحدث. [5]: الزخرف: ٣١. [6]: توثيق المحرر: عبارة «يسألونك عن الساعة أيان مرساها» وردت في الأعراف: ١٨٧ والنازعات: ٤٢ في سياق الحديث عن المشركين، والسؤال عن الروح في الإسراء: ٨٥ وفي سبب نزولها روايات في عزو السؤال إلى اليهود أو إلى قريش بتحريض منهم. وقد عزا المتحدث العبارتين إلى مناقشات أهل الكتاب، فأُبقي نقله. [7]: البقرة: ٤١. [8]: البقرة: ٤٢. [9]: البقرة: ٤٣. [10]: البقرة: ٤٤. [11]: البقرة: ٤٥–٤٦. توثيق المحرر: تتمة الآية ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ لم يذكرها المتحدث. [12]: الحاقة: ٢٠. [13]: البقرة: ٤٠. توثيق المحرر: وقد ذُكر التفضيل على العالمين في قوله تعالى ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: ٤٧)، ولم يتلُه المتحدث في هذا الموضع. [14]: البقرة: ٤٨. [15]: البقرة: ٤٩. [16]: البقرة: ٥٠. [17]: البقرة: ٥٣. [18]: البقرة: ٥٤. [19]: الصافات: ١٠٢. [20]: الصافات: ١٠٢. [21]: البقرة: ٥٤. توثيق المحرر: تتمة الآية ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. [22]: البقرة: ٥٥. [23]: البقرة: ٥٥. [24]: البقرة: ٥٦. [25]: البقرة: ٥٧. توثيق المحرر: ذكر المتحدث الغمام وشطرًا من الآية فقط، والآية ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ﴾. [26]: البقرة: ٥٧. [27]: البقرة: ٥٨. [28]: البقرة: ٥٩.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ