الرزق الذي ينفجر وقصة البقرة: وقفات مع بني إسرائيل في سورة البقرة
الخواطر القرآنية بعد الفجر، اللقاء الرابع: استعمال النعمة في الشكر، والتسليم لتكليف الله، وأن أول مقصود الدعوة هو القلوب
المناسبة: تفريغ خاطرة أُلقيت بعد الفجر بتاريخ ٨ مايو ٢٠٢٢م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا وآخرتنا. اللهم هيّئ لنا من أمرنا رشدًا، وبارك لنا فيما رزقتنا، وقِنا عذاب النار، واصرف عنا أسباب العذاب في الدنيا والآخرة. الطف بنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، ويسّر أمرنا، واهدنا سبلنا، وتولَّ أمرنا، ودبّر ما بين أيدينا يا رب العالمين. اقضِ لنا حوائجنا، واقضِ عنا ديوننا، واسدل علينا سترك ما حيينا، وتوفَّنا على الإسلام يا رب العالمين.
وبعد، حياكم الله تعالى ورضي عنكم. نحن في رحلة نستكمل فيها بإذن الله محاولة فهم آيات الله تبارك وتعالى، ولقاؤنا اليوم هو اللقاء الرابع. يستكمل ربُّ العزة سبحانه حديثه عن مخالفات بني إسرائيل المشينة، وهي مخالفات لم تقف عند حدّ مخالفة أوامر الله، مما يمكن أن نسمّيه معصية، بل تطاولوا إلى تناول الذات الإلهية، والعياذ بالله.
تبديل معالم التشريع
ذكر الله تعالى مخالفتهم في دخول القرية التي أمرهم أن يدخلوها: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُوا۟ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُوا۟ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا۟ حِطَّةٌ﴾، فماذا كان قولهم؟ ﴿فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ﴾[1].
وقبل أن ننتقل إلى موضوع اليوم، أتوقف عند قضية تبديل معالم التشريع. الإشكالية الكبرى أن المتصدرين للحديث عن الدين، من المشايخ والعلماء، وأنا منهم، قد يكون أحدنا سببًا في تبديل شعيرة من شعائر الله سبحانه، والعياذ بالله. متى؟ إذا اشترى بدين الله ثمنًا قليلًا؛ إذا حلَّت لي أموالكم في مقابل أن أُبدِّل في التشريع، فصنعتُ ذلك، فكنتُ سببًا في هدم معالم التشريع. وقد أشار الله تبارك وتعالى إلى هذه القضية، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ﴾[2].
فما الفكرة؟ أن هؤلاء الناس يبدّلون معالم التشريع ويغيّرون شرع الله، ومع ذلك لا يزالون يلتمسون من الله مزيدًا من الفضل والعناية. فتخيّل النفس البشرية. أنا دائمًا أقول: أيُّ النفسيتين كانت أسهل في التعامل مع تشريع الله وأوامره: نفسية قريش أم نفسية بني إسرائيل؟ كانت نفسية قريش أسهل، لأن قريشًا كانوا في منتهى الوضوح والصراحة: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَآ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾[3]. الأمر عندهم بسيط جدًّا. أما بنو إسرائيل فما كانوا يسيرون على خط مستقيم. كانت قريش على خط مستقيم في الكفر؛ هو يقول لك بكل وضوح: أنا كافر، فهو صادق مع نفسه، كمن يقول لك: أنا حرامي. أما بنو إسرائيل فكان عندهم هذا الالتواء النفسي.
ولذلك كلما رأى الله تبارك وتعالى الإرهاق الحاصل في حياة النبي محمد ﷺ ذكّره بموسى عليه السلام، يصبّر الله رسوله محمدًا ﷺ بموسى عليه السلام. وكان النبي ﷺ يقول فيما معناه: «رحم الله أخي موسى، لقي أكثر من ذلك فصبر»[4]. فهذه المخالفات يذكرها لنا ربُّ العالمين سبحانه.
الماء: عطاءٌ ينفجر ولا يُستبطأ
فتسمع قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ﴾[5]. متى استسقى موسى لقومه؟ قال: يا رب، أنزل على هؤلاء الناس ماءً يشربونه في الصحراء، وذلك لمّا عبروا البحر وانتقلوا إلى الناحية الأخرى، ورأوا المعجزة بأعينهم: أن الله تعالى أغرق فرعون ونجّاهم. والمعجزة لا تزال أمام أعينهم، ومع ذلك طلبوا من موسى أن يمدّهم بالماء.
هذا في ذاته قد يكون مطلبًا طبيعيًّا؛ فمن الطبيعي أن نطلب من الله تبارك وتعالى أن يرزقنا وينعم علينا ويحسن إلينا ويتفضل علينا. لكن ليس من الطبيعي أن يقولوا: «ادعُ لنا ربَّك». نحن إذا وقفنا نحو القبلة قلنا: اللهم ربَّنا، إلهَنا، خالقَنا، بصيغة الجمع، فهو ربي كما هو ربك، وهو خالقي كما هو خالقك. أما أن أقول لك: ادعُ لي ربَّك، فكأنني أقول: أنا لا أنتسب إليه، وإنما هو ربك أنت! فكأنهم يعزلون أنفسهم عن هذه المنظومة الإلهية، منظومة التعبد لربّ العالمين سبحانه.
قال ربي سبحانه: ﴿فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ﴾، حتى تكون المعجزة متجددة أمام أعين هؤلاء فيزدادوا إيمانًا. وفي ذلك دلالة على أننا لا بد أن نتعلم من كل المواقف في حياتنا اليومية مزيدًا من الإيمان، وهو معنى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ﴾[6]. فالله تبارك وتعالى نجّاني اليوم من حادث سيارة؛ أليست هذه إشارة في حياتي لأزداد إيمانًا بأنه هو المنجّي وهو الحفيظ سبحانه؟ والله تبارك وتعالى رزقني اليوم رزقًا لم أكن أحتسب مجيئه؛ أفلا يكون ذلك إشارة ليزداد إيماني؟ وهؤلاء لم يتعلموا شيئًا من هذه العطاءات المتكررة من ربّ العالمين.
قال ربي سبحانه: ﴿فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾. تأمّل كلمة «انفجرت»؛ نحن نتكلم عن تفجّر الماء. كان من الممكن أن نسمع كلمة بسيطة: «فخرجت منه اثنتا عشرة عينًا»، فيكون الماء على قدر المطلوب. لكنه قال «انفجرت»، فكأن ربّ العالمين سبحانه يشير إلى أنك ما تطلب إلا وتتفجّر العطاءات الإلهية. فلا تستبطئ رزقًا عند الله يا مؤمن، يا مسلم، يا موحِّدًا بالله تبارك وتعالى؛ لا تستعجل رزق الله ولا تستبطئه ولا تستقلّه، فإن ما عند الله عظيمٌ في كمّه ومدّته، وربّ العالمين واسع العطاء سبحانه.
لكلٍّ مشربه، ولكلٍّ رزقه
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾. وأنا أتعلم من هذا أيضًا. فحضرتك تعمل مهندسًا، وحضرتك مقاولًا، وحضرتك تاجرًا، وحضرتك مدرّسًا؛ قد علم كل أناس مشربهم. فلا تنظر إلى ما في يد غيرك وتتمنى أن تكون مكانه، لأن الله تعالى قد علم رزق كل صاحب رزق، كما علّمك صنعتك. نفهم هذا؟ الله تبارك وتعالى كما علّمك صنعتك قد علم الرزقَ صاحبَه. فالرزق يسعى خلفك كما تسعى أنت وراء ما تطلب، فهناك سعيٌ مزدوج: سعي من الإنسان وسعي من الرزق. فأحيانًا يتأخر الرزق، وأحيانًا يأتي عاجلًا، وأحيانًا يأتي مقدَّمًا، وأحيانًا يأتي كثيرًا، وأحيانًا يأتي قليلًا. والذين يستبطئون رزق الله تبارك وتعالى لا يتفهمون قضية توزيع الأرزاق وتقسيمها بين يدي ربّ العزة سبحانه.
﴿كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ﴾. ما بين أيدينا من خير إنما هو من ربي سبحانه، فلا تقل عن طعام: هذا سيئ، ولا تستثقل شيئًا بين يديك، ولا تكره شيئًا مما خلقه الله تبارك وتعالى. فبيتك هذا هو أعظم رزق لك، هو أعظم بيت يناسبك في هذا المقام، ولقمتك هذه هي أحسن لقمة يمكن أن تأكلها في هذا التوقيت، فاحمد الله تبارك وتعالى على ما بين يديك.
ولا تعثوا في الأرض مفسدين
قال ربي سبحانه: ﴿كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾[7]. والسؤال المتبادر إلى الذهن: ما وجه السعي في الأرض فسادًا مع الأكل من رزق الله؟ الجواب أن الطعام والشراب والسعي وراء الرزق هو المطلوب الأول للناس في حياتهم، وقد يلتمسه الإنسان من غير حِلّه. وإذا اجتهدنا في التماس الأرزاق من غير حِلّ فلا بد أن نفسد في الأرض، لأنك تستعمل قانونًا غير قانونك الطبيعي، فتبدّل معالم الخلقة الإلهية وتحاول أن تصل إلى ما ليس لك.
الملل، والتسليم، واستبدال الذي هو أدنى
قال ربي سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَٰحِدٍ﴾. وهنا قضية الملل الحياتي الذي يعيشه كثير من الناس. فترى رجلًا يملّ امرأته ويزهد فيها مع أنها لا تقصّر في حقه أبدًا، وترى امرأة تملّ حياتها، تريد أن تغيّر البيت وتغيّر الأثاث وتغيّر الأطباق وتبدّل كذا وكذا. هذا هو الملل الذي لا يصاحبه الإيمان المعين على الصبر؛ فالصبر نتيجة من نتائج الإيمان، وثمرة من ثمراته، كما أنه معين على دوام الإيمان.
﴿فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ ـ ومرة ثانية لا يعترفون بالله تبارك وتعالى إلهًا لهم ـ ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ مِنۢ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا﴾. والشاهد في القول أن الله تبارك وتعالى قال: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ﴾[8]. والله الذي لا إله غيره، هذا حال الكثيرين منا: يستبدلون ما بين أيديهم بشيء آخر، أو يستبدلون شيئًا آخر بما بين أيديهم. وقضية التسليم عند المؤمن أن ما عنده إنما هو أخير الأشياء له في هذا المقام، وهذا يجعله دائم التسليم. ونحن نسعى لتحصيل الأرزاق وزيادة ما بين أيدينا طلبًا لمرضاة الله، وليس لزيادة الأرصدة التي عندنا.
أي مصر؟ وما الرابط بين الطعام والكفر؟
قال ربي سبحانه: ﴿ٱهْبِطُوا۟ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾. والمفسرون يتكلمون: هل هي مصرنا أم أي مصر؟ والمِصر هو المنطقة العامرة بالناس، أو التي فيها نشاط اجتماعي معيّن. ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ﴾[9].
وهذا الموضع يحيّرني قليلًا، قضية الربط بين الجزئيات القرآنية. أنا ماشٍ في خط أنهم قالوا: يا موسى، ادعُ لنا ربك يخرجنا مما تنبت الأرض؛ نحن نتكلم عن أكل وشرب. ثم ﴿ٱهْبِطُوا۟ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾ ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ﴾. فما الذي جاء بقضية الأكل والشرب والسعي وراء الرزق إلى قضية الكفر بالله وقتل الأنبياء؟ ما الرابط بين هذين الأمرين؟
الله تبارك وتعالى يعلّمنا أنه يعطي ما يُسأل من الأرزاق والمطالب المادية، وأن ذلك يسير عليه سبحانه. لكن القضية أن تستخدم أنت ذلك في مزيد طاعة الله، أن لا تستعمل نعمة ربّ العالمين في الكفر بربّ العزة سبحانه وربّ النعمة. فهؤلاء لم يستعملوا هذا الخير في الاستعمال الحقيقي.
تخيّل واحدًا جاء على السيارة، والسيارة خلص بنزينها، فوقفت وقالت: سلّمتُ بالأربعة، ولن أتحرك خطوة. فماذا يفعل؟ أسهل شيء أمامه خرطوم الماء، فوضع فيها ماءً. وماذا بعد؟ اسمع الفرقعة التي ستحصل بعد قليل. ماذا حصل؟ لقد وضع الرزق في غير موطنه، فلمّا وضع الرزق في غير موطنه حصل انفجار، والعياذ بالله. تخيّل المسألة هكذا: طلب للرزق يُستخدم في غير حِلّه. فإذا أتيتَ بالمرأة في الحرام، أو أتى بها رجل في الحرام، والعياذ بالله، فنحن هكذا نفجّر الدنيا. والمال الذي يأتي ليُستخدم في شرب الخمر أو يُتعامل به في كذا وكذا، الله أكبر! هذا كفر بنعمة الله.
فلمّا كان الكفر بنعمة الله تبارك وتعالى لا يتوقف عند حدّ، بلغ بهم إلى حدّ قتل الأنبياء، والعياذ بالله. لماذا؟ لأن اتباع الشهوة النفسية لا يتوقف عند حدّ، واتباع شهوة النفس ونزوات هذا الإنسان لا يتوقف عند حدّ، ومن ثمّ قد يبلغ إلى مرحلة قتل الأنبياء، والعياذ بالله. قال ربي سبحانه: ﴿ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ﴾.
مَن آمن بنبيه في زمانه
وعندي آية حيّرت كثيرًا من الناس إذا تفكروا فيها: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[10].
عندك الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين. كم فئة يا إخواني؟ أربعة، صحيح؟ الذين آمنوا معروفون، هم الذين حول محمد ﷺ. والذين هادوا هم اليهود، والنصارى، والصابئون. فلمّا نقول: إن الذين آمنوا من آمن منهم بالله وعمل صالحًا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فهذا مقبول بالنسبة لنا، لكن اليهود والنصارى والصابئين، كيف تتفق المسألة هذه؟
والجواب: كلٌّ في مرحلته الزمنية. فإن الله تبارك وتعالى لم يأتِ بالإسلام ليعاقب به من سلف ـ أقولها مرة ثانية: لم يأتِ بالإسلام ليعاقب به من سلف ـ فمن سلف فله مِلّته التي أُمر أن يتبعها، فمن اتبع ملّته حين كان زمانها فله مثل ما للمؤمنين حين كان زمان هذا الإيمان. فالذين آمنوا مع موسى على نبينا عليه الصلاة والسلام منزلتهم كمنزلة من آمن مع محمد ﷺ من حيث الاستجابة للدعوة، والإيمان بما تطلّبته معالم التشريع، واتباع هذا الرسول الذي كان في وسطهم. والذين استجابوا لعيسى على نبينا عليه الصلاة والسلام شأنهم كشأن من استجابوا لمحمد ﷺ، ومن استجابوا لموسى، ومن استجابوا لإبراهيم، ومن استجابوا لنوح، إلى آخره. فربُّ العزة سبحانه وتعالى يخبرنا أن أمثال هؤلاء جميعًا، من آمن منهم بالله واليوم الآخر ـ هنا: من آمن بالله واليوم الآخر ـ وعمل صالحًا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
رفع الطور: قد يسوق الله عباده إلى الطاعة بالابتلاء
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ﴾[11]. القضية في هذه الآية المباركة أن ربّ العزة سبحانه وتعالى يخبرنا أن الله عز وجل يريد الهداية لعباده، وقد يضطرهم إلى مزيد من المآزق في حياتهم حتى يُسلموا أنفسهم لله. وفي هذا أثر معناه أن الله تبارك وتعالى يسوق بعض عباده إلى الجنة بالسَّوق[12]. كيف تفهم هذه الحكاية؟ يسوق بعض عباده إلى الجنة؟ عارف لمّا تمسك ابنك وتضربه علشان يذاكر؟ أنت تسوقه إلى النجاح، تخيّل المسألة هكذا: أنت ترى أن الولد عنده تالنت، وعنده سكيلز، وعنده شطارة، وعنده ما شاء الله موهبة، لكنه متكاسل عن استعمالها استعمالًا حقيقيًّا. فتسوق ولدك سوقًا؛ تحرمه من المصروف، وتمنعه من شهواته، وتأخذ منه التليفون، وتفعل ما تفعل لتعاقبه، حتى تسوقه إلى النجاح سوقًا. وكأن ربّ العزة سبحانه ـ تعالى الله عن التشبيه ـ يسوق بعض عباده إلى الجنة بما يقدّره لهم من أسباب.
تخيّل أنت إنسانًا لا يحسن الإكثار من النوافل مثلًا، فيُبتلى بابتلاء. لماذا هذا الابتلاء؟ حتى يرفع الله تبارك وتعالى له درجات لا يحسن أن يرتفع إليها من خلال الطاعة، فيبتليه الله عز وجل بشيء ما.
قال ربي سبحانه جل في علاه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ﴾. قضية رفع الطور: تخيّل الجبل يُقتلع من الأرض ويرتفع فوق رؤوس هؤلاء: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٌ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُۥ وَاقِعٌۢ بِهِمْ﴾[13]. خذوا ما آتيناكم، فقالوا: أسلمنا. لكن هذا إسلام تحت الإكراه؛ قد يُقبل منهم في اللحظة الأولى، ثم يُنظر بعدها: هل سيعتبرون بقدرة الله عليهم ويعلمون أن الله عز وجل بالغ أمره، أم سيبدؤون بعد قليل في المراوغة والتجمّل؟
فإذا أسلم العبد في هذه المحنة... كثير من الناس يأتيك بعد أن يُبتلى بمرض شديد جدًّا، فيأتي ويقول: يا مولانا، أنا آمنتُ بالله تبارك وتعالى وأنا معترف بخطئي، وكنتُ بعيدًا عن المساجد، وكنتُ لا أفعل كذا، وكنتُ أرتكب كذا وكذا وكذا. طيب، آمنتَ بالله، أسأل الله تعالى أن يقبل منك توبتك، لكن هل هي توبة مرهونة بالشفاء أم توبة مستمرة؟ مثلًا أحد الناس خرج الطبيب من غرفة التحاليل وقال له: احتسب عند الله سبحانه وتعالى، عندك السرطان، وهو منتشر في الجسم، وكذا وكذا. فصاحبنا طرق أبواب المشايخ ـ دائمًا هكذا يذكروننا في وقت الزنقة ـ طرق باب الشيخ: الحقني يا مولانا! والدنيا مالك يا عم الحاج؟ طيب، معلش، نستسلم لله سبحانه وتعالى ولقدر الله، واسجد لله سجدتَي شكر لربّ العالمين أنه ساق إليك هذا، إلى آخره. تمام. بعد يومين يتصل به المعمل: نحن آسفون جدًّا، النتيجة طلعت غلطًا، اختلطت مع شخص آخر. طيب، فأين مولانا الذي كان هنا، الذي كان ساجدًا لله آناء الليل وأطراف النهار؟ كأنه فصّ ملح وذاب! ماذا حصل؟ كانت هناك توبة رد فعل، توبة انفعال لحظي لم تكتمل. فلمّا لم تكتمل أرى اللهُ تبارك وتعالى ذلك الإنسان حقيقةَ ذاته: أنت تتعامل معنا تعامل المصلحة، ولستَ حريصًا على مزيد من التدين.
أصحاب السبت: قردةً خاسئين
قال ربي سبحانه جل في علاه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ﴾ ـ ثم يقول: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَوْا۟ مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ﴾[14]. ولا يزال التذكير لبني إسرائيل الذين هم حول النبي محمد ﷺ بالأحداث التي مرّت عليهم في تاريخ حياتهم. وما علم النبي ﷺ هذه الأمور بهذه التفاصيل إلا بوحي من ربّ العزة. وكان الأحرى بهم، إذ علموا علم النبي بهذه الأمور، أن يُسلموا له؛ فمن الذي أنبأه بهذه التفاصيل الدقيقة، بهذا التوصيف المميز؟ هذا يميّز صاحب المعلومة من صاحب التخمين. كان ينبغي أن يكون ذلك زادًا لهم لمزيد من الإيمان.
﴿عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَوْا۟ مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ﴾، وتعلمون قصة أصحاب السبت، الذين كانوا ينشرون الشباك قبل يوم السبت ويجمعونها بعد يوم السبت، كأنهم يتحايلون على الله تبارك وتعالى في قضية الرزق. ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔينَ﴾. هذه مسألة خاصة ببني إسرائيل، وهي سخط الله عليهم، لكنها إشارة إلى نوع من العقاب قد يتأتّى للعبد دون أن يدري. فما موضوع «قردة خاسئين»؟ هل هو أمر قاصر على أن ينقلب الإنسان إلى قرد؟ أنا ممكن أنقلب، والعياذ بالله، وقد يصيب الله بني آدم بما يشبه أن يكون قردًا فكريًّا. تخيّل المسألة: يُسلب منه ما وهبه الله إياه من الإنسانية، ويُسلَّط عليه ما تملكه القردة، فتحسّ أنه صار قردًا، لا يستطيع أن يستقر ولا أن يتماسك. فتخيّل أن الله تبارك وتعالى قد يسخط إنسانًا فكريًّا وذهنيًّا وسلوكيًّا وفسيولوجيًّا، أيًّا ما يكون. فهنا يأتي مزيد من التحذير من ربّ العزة سبحانه للإنسان إذا اعوجّ عن الطريق المستقيم، فإن الله تبارك وتعالى قد ينزل به عقابًا لا يدري متى هو ولا أين ولا كيف. فأرى في الآية مزيدًا من الحذر، والعياذ بالله، نسأل الله تبارك وتعالى السلامة.
قصة البقرة: القتل وإلصاق التهمة، والثقة والسخرية
قال ربي سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا۟ بَقَرَةً قَالُوٓا۟ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾[15]. يشير ربّ العالمين سبحانه إلى جريمة أخرى حصلت في حياتهم، هي محاولة القتل وإلصاق التهم بالآخرين. القضية الأم هنا هي قضية إلصاق التهمة بالآخرين. أما قتل الأنبياء فقد أُشير إليه قبل ذلك، لكن قضية أن تقتل وتقول: أنا قتلت، أو أن تكون صادقًا وصريحًا مع نفسك وصاحب هوية حقيقية، شيء مختلف تمامًا عن أن تتآمر على الخلق فتفعل المصيبة ثم تُلصقها بالآخرين.
وإذا ابتُلي المجتمع بأمثال هؤلاء ترى فيه فتنة عظيمة جدًّا لا تسكن يومًا ما. لماذا؟ لأن عندنا أحداثًا لا ندري من صنعها، فيُتَّهم الكل، فيكون المجتمع كله متَّهمًا في أعين البعض؛ ترى هذا يتهم ذاك، وذاك يخوّن هذا، وهذا يتهم ذاك، فلا ترى فيه أمنًا ولا قرارًا. لماذا لا ترى فيه أمنًا ولا قرارًا؟ لأن سوء الظن غلب على كل الخلق، فلا يوجد إنسان بريء. ولذلك أتوا إلى موسى، فجاءوا يطرقون بابه ويقولون له: يا نبي الله، حلَّ لنا الموضوع. لماذا أتوا إلى موسى على نبينا عليه الصلاة والسلام؟ لأنهم لم يتصوروا بريئًا فيهم، فأتوا إلى نبي الله تبارك وتعالى ليحلّ لهم هذه العقدة.
قال ربي سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا۟ بَقَرَةً قَالُوٓا۟ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾. فماذا نفهم من هذه الكلمة؟ بالله عليك، أنت حياتك كلها تتعامل مع نبيّ، رسولٍ لله تبارك وتعالى، أجرى الله عز وجل على يديه هذه المعجزات كلها إلى هذا التوقيت، وبعدين يجيء يأمرك بأمر، فيكون الجواب: هو الموضوع ده مستاهل؟ تأمّل: أنا أقول لك: الله يرضى عليك، أعطني مبلغًا يسيرًا من جيبك الآن، لو سمحت. أفهذه قضية تقول لي عليها: أنت مجنون؟ أم أنت تسخر مني يا مولانا؟ أهذا موضوع يستحق؟ ولكن لو طلبتُ منك مبلغًا ضخمًا فزعتَ وقلتَ لي: أتمزح معي؟ أتسخر مني لأني رجل فقير؟ أما إذا طلب منك مبلغًا بسيطًا فتقول: خلاص، أعطيك إياه، تحت أمرك يا مولانا. ما الحكاية؟ لماذا تقول لي هكذا؟ لأنك وثقت. إذا انعدمت الثقة وُجدت السخرية، وإذا وُجدت الثقة ما فيش مجال إلا للثقة.
فلمّا قال لهم ما قال، لم يقل لهم: اذبح واحد منكم ولدًا من أولاده! هو يقول: اذبحوا بقرة. هل المسألة كبيرة؟ مسألة بسيطة جدًّا، اذبحوا بقرة؟ حاضر، نذبح بقرة! أيًّا كان التكليف. طبعًا للقصة أحداث ومجريات، لكن ردّ الفعل منهم كان سلبيًّا للغاية: ﴿قَالُوٓا۟ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾. وبدأت المساومات: ادعُ لنا ربك يبيّن لنا ما هي، ما لونها، إن البقر تشابه علينا، إلى أن أوجد الله تبارك وتعالى لهم الحل الفاصل. وهنا نتعلم مبدأً مهمًّا جدًّا: أن من شدّد على نفسه شدّد الله عليه، ومن يسّر على نفسه يسّر الله له. أقولها مرة ثانية: من شدّد على نفسه شدّد الله عليه، ومن يسّر على نفسه يسّر الله له. فلنتعامل مع تشريع الله تبارك وتعالى بيُسر، ولنتعامل مع الموضوع على أنه موضوع سهل.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَٱدَّٰرَٰٔتُمْ فِيهَا ۖ وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾[16]. الله تبارك وتعالى أعلمهم كيف يحيي الموتى، وأراهم ذلك حتى تزداد ثقتهم في نبيهم، ومع ذلك لم يُسلموا، لا لموسى على نبينا عليه الصلاة والسلام، ولا لمحمد ﷺ.
ما نتعلمه من الآيات
نتعلم من الآيات، خلاصةً لما ذكرنا اليوم:
أولًا: أن ربّ العزة سبحانه وتعالى إذا أراد رزقًا فجّره بين يدي العبد.
الأمر الثاني، وهو أمر مهم جدًّا: أن استعمال النعمة ينبغي أن يكون في مزيد شكر لله، ولا يبلغ بنا أن نكفر بالله، ولا أن نصل إلى حدّ قتل الأنبياء كما فعل من سبقنا. فاستخدم ما بين يديك من الخير في إطار العمل أو الشكر لربّ العالمين سبحانه وتعالى.
الأمر الثالث: أن من آمن بنبيه واتّبعه كان له من الأجر مثل بقية المتّبعين للأنبياء، كلٌّ على قدر ما كان عنده من تكليف شرعي.
الأمر الآخر: أن ربّ العزة سبحانه وتعالى قد يسوق العبد إلى مزيد من الطاعة سَوقًا، فيضطر في بعض المواقف إلى أن يلجأ إليه. فإن أصابت العبدَ مصيبة أو ألمّت به مُلمّة فليعلم أنها رسالة من ربّ العالمين سبحانه وتعالى، فلا يسخط أحدنا إذا ابتُلي بشيء، ولا يتألّى على الله عز وجل ويقول: لماذا فعلتَ به ذلك؟ وإنما التسليم، التسليم، التسليم لما يأتي به ربّ العالمين سبحانه جل في علاه.
وفي قضية «كونوا قردةً خاسئين» أخذنا درسًا أن العقاب تختلف أنواعه وأشكاله، فليكن لدى العبد نوع من الحذر من عقاب يتأتّى له من الله سبحانه وتعالى، فإن الله عز وجل يُمهل ولا يُهمل سبحانه وتعالى.
وقضية التكليف: إذا جاءك تكليف فالزمه، والزمه بأيسر ما بين يديك من الأسباب، فإن من شدّد شدّد الله تبارك وتعالى عليه.
ومسألة وجود المستجدات الحياتية في حياتنا العامة: أن الله تعالى قد يُحيي بين يديك مواتًا لا تدري السبب. كثير من الحالات نراها: خمسون طبيبًا يمرّون على الحالة ويقولون: يا جماعة، احتسبوا عند الله تبارك وتعالى فقيدكم، فمعه أيام. وتطول الأيام بنا ونحن مستنيين: الراجل ده هيموت إمتى يا عم؟ ما يموت بقى ويخلّص! الأطباء قالوا له من ثلاث سنين إنك ستموت، تخيّل، ثلاث سنين، يقول لك: أمامك ثلاثة أيام، وتمضي الأيام وتمضي الأيام وتمضي الأيام، وما إن تراهم إلا وهو جالس بينهم على مائدة! وصاحبنا الذي كان دائمًا يذهب يسأل عنه في المستشفى، رايح جاي، مات بقى له خمس سنين. فلا ندري متى يأتي أمر الله تبارك وتعالى، ولا كيف يُحيي الله تبارك وتعالى موات الخلق، ولا كيف يميت الله تبارك وتعالى أحدًا على قيد الحياة. ونسأل الله تبارك وتعالى أن يسلّم لنا هذا القرآن وأن يسلّم لنا حسن فهمه.
ثم قست قلوبكم
والقضية التي فاتتنا أن نتحدث عنها: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ﴾[17]. المنشود الأول في عالم الدعوة هو قضية القلوب يا إخواني. ونحن ندعو إلى الله، نفهم هذا؟ فلا نخاطب عقولًا قبل أن نخاطب القلوب. ولذلك وُجد عندنا بند يسمى بند المؤلَّفة قلوبهم؛ لا عقولهم، بل قلوبهم.
فأنت تتكلم مع القلب. الطفل الذي دخل، فطبطبتَ عليه وأخذته في حضنك وقلت له: أهلًا وسهلًا، اتفضل، وأعطيته قطعة كاندي، أنت لا تتكلم مع عقله، أنت تتكلم مع قلبه، حتى يستأنس بك وبالمكان فيستقر. والذي كان يتنطّط ويعمل دوشة، تشخط فيه مرة، لكن وأنت تشخط ابتسم، الله يرضى عليك، وأنت تقول للولد: تعالَ، تعطيه شيئًا حلوًا. تخيّلوا مثلًا كل الأولاد الذين أحدثوا جلبة في رمضان؛ كان بعد أن يُنهي الإمام الأربع ركعات مثلًا أو نحو ذلك، تدخل إلى المكتب قطعة كاندي جميلة، فماذا؟ هنقعد ساكتين ولا إيه الموضوع؟ فالولد يتخضّ في الأول، وبعدين: إيه البني آدم ده الذي يتغيّر ويتحول؟ لكنك تمزج بين قضية التربية والإكرام، فتجلب قلبه؛ يعلم أن عندك شدّة عندما تغضب، ويعلم أن عندك رحمة حين تلين، فيتقبّل، ويمسّه الرجاء في كرمك. وهنا تنتظم هذه المعادلة.
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ﴾، نعوذ بالله تبارك وتعالى من ذلك.
ونسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك لنا ولكم في الأوقات والأرزاق، وأن يحفظ علينا وعليكم عافية الإيمان. اللهم إنا نسألك أن تجعل جمعنا هذا جمعًا مرحومًا، وأن تجعل تفرّقنا من بعده تفرّقًا معصومًا، وألا تدع فينا ولا منا ولا بيننا شقيًّا ولا محرومًا. اللهم أكرم نزولنا، واحفظ موطننا من الإيمان، وثبّت قلوبنا على ما يرضيك، واهدنا إلى أحسن القول وأحسن العمل يا رب العالمين. اللهم خذ بأيدينا ونواصينا إليك، وأكرمنا بمزيد إيمان في قلوبنا. اللهم إنا نسألك ألا تباعد بيننا وبين القرآن، واجعل عودتنا إليه عودة تامة يا رب العالمين. اللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا، وارزقنا مزيدًا من العلم الذي ينفعنا في دنيانا وآخرتنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
--- [1]: البقرة: ٥٨–٥٩. توثيق المحرر: نطق المتحدث بالآية الأولى حتى «وقولوا حطة»، والرقمان للتوثيق فقط. [2]: البقرة: ٦٠. [3]: الكافرون: ١–٣. توثيق المحرر: أُثبت بقدر ما تلا المتحدث. [4]: توثيق المحرر: نقله المتحدث بالمعنى؛ والمعروف في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لفظ «يرحم الله موسى، قد أُوذي بأكثر من هذا فصبر». [5]: البقرة: ٦٠. [6]: فاطر: ٣٧، ولم يذكر المتحدث السورة. [7]: البقرة: ٦٠. [8]: البقرة: ٦١. [9]: البقرة: ٦١. وقوله «﴿ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ﴾» من الآية نفسها. [10]: البقرة: ٦٢. توثيق المحرر: ما ذكره المتحدث هو توجيهه للآية بأن كلًّا يُجزى بحسب ملّته في زمانها؛ وللمفسرين فيها قولان مشهوران: أنها في من آمن من هذه الملل قبل البعثة المحمدية، وأنها منسوخة بقوله تعالى في آل عمران: ٨٥ (ويُروى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما). [11]: البقرة: ٦٣. [12]: توثيق المحرر: لم يذكر المتحدث لفظ الأثر ولا مصدره؛ ويُروى في هذا المعنى، فيما أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، حديث «عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل»، ولم يُتحقق من لفظه. [13]: الأعراف: ١٧١. توثيق المحرر: لم يذكر المتحدث السورة. [14]: البقرة: ٦٤–٦٥. توثيق المحرر: قطع المتحدث الآية ٦٤ عند «فلولا فضل»، وقد تُرك كما قال دون إتمام. [15]: البقرة: ٦٧. [16]: البقرة: ٧٢–٧٣. [17]: البقرة: ٧٤.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.