أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
حِكَمٌ وبصائر

التوبة قبل الحج: يشارك فيها من لم يُكتب له الحج

التوبة مقدمةً بين يدي الحج، يشارك فيها من لم يُكتب له الحج

د. أحمد أبو سيف•٦ أغسطس ٢٠١٨•5 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة أُلقيت بتاريخ ٦ أغسطس ٢٠١٨م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

يشتغل الناس هذه الأيام بأعمال الحج، ممن اختارهم الله تعالى لزيارة بيته. ونسأل الله عز وجل أن يُتمّ لكل مشتاق أمره، وأن يبلّغ الحجاجَ عرفات، وأن يمكّن لهم إيمانهم.

أول ما يُطلب من الحاج

هناك أعمال تُطلب من الحجاج قبل ذهابهم إلى الحج، وأول هذه الأعمال التوبة إلى الله سبحانه وتعالى. ويبقى السؤال: إن لم نكن ممن كتب الله لهم زيارة بيته هذا العام، فهل يمكن أن نشارك الحجاج في بعض أعمالهم؟ هل نشاركهم مثلًا في قضية التوبة؟

التوبة تُطلب من الحاج قبل أن يبدأ صفحة جديدة من حياته. فنحن نقول إن من حجّ بيت الله فلم يرفث ولم يفسق رجع من حجه كيوم ولدته أمه[1]، فيعود إنسانًا آخر وخلقًا جديدًا، يقلب الصفحة تمامًا ويفتتح في حياته صفحة بيضاء. فإن كان هذا ما يُرجى له هناك، فنسأله من البداية: لا تذهب وأنت ملوَّث، لا بد أن تنقّي نفسك أولًا قبل أن تنطلق إلى بيت الله تعالى. فنطلب منه أن يتوب إلى رب العالمين.

هذه التوبة بمثابة الإعلان منه لله سبحانه: إني بريء من كل خطأ كنت أمارسه قبل أن أنطلق إلى بيتك. يقدّمه عربونًا ومقدمةً بين يدي خطواته إلى بيت رب العالمين. فإذا بلغ بيت الله ووجد نفسه أمام هذه المناسك يؤديها كما أمره رب العالمين وكما دلّه محمد ﷺ، فهو مستحق أن يغفر الله له ذنبه وأن يعيده موفور الأجر، مغفور الذنب، موفور الكرامة بإذن رب العالمين.

من حبسه العذر

هذا قسم مشترك بين الناس جميعًا. لكن دعونا نذكّر أنفسنا بداية بأن من لم يستطع الحج فإن الله تعالى يكتب له أجر الحجات إذا توفرت عنده النية: إني أتمنى أن أذهب ولكن حِيل بيني وبين ذلك. فنتذكر حينئذ ما حدّث به النبي ﷺ أصحابَه أن بالمدينة خلفَهم أقوامًا ما ساروا مسيرًا ولا قطعوا واديًا إلا كتب الله لهم من الأجر مثل ما كُتب لهم. فسألوا: كيف يا رسول الله؟ نحن موجودون على أرض الواقع نعمل فعلًا ونتحرك، فكيف وهم هناك لم يتحركوا؟ فأجاب النبي ﷺ أنه حبسهم العذر.[2]

فإذا توفر العذر مع وجود النية وحضور الإرادة، فإن الله تعالى يكتب لمن عجز أجرَ من فعل، وذلك من فضل الله تبارك وتعالى وعظيم ثوابه. فمن أراد أن يحج ولم يستطع بلوغ البيت الحرام، فعلى أقل تقدير يقدّم بين يدي ربه بمقدمات يعملها الحجاج. أولها أن نتوب إلى الله سبحانه وتعالى.

مثال شراء البيت

ما ينبغي أن تبدأ مشروعًا من مشاريع حياتك الجديدة، كأن تشتري بيتًا، وعندك في القانون هنا أن عليك أن توفّي ديونك، أو على الأقل ألّا تكون مدينًا بديون تؤثر على سداد ثمن البيت. تذهب لتتقدم لشراء بيت، فيفحصون الائتمان ويقولون لك: أنت تدفع شهريًا للسيارة كذا، ولكذا وكذا، وعندك قائمة وحدها لا تكاد تكفيها على قدر المرتب، فكيف تأتي لتأخذ منا؟ هذا منطق البشر فيما يتعاملون به. فكيف أذهب إلى الله سبحانه، إلى بيته عز وجل، وأنا ملوَّث بذنوب كثيرة تحول بيني وبين نقاء نفسي وطهر سريرتي؟

الذنب حائل بين القلب والاستجابة. فمن أزال هذا الحائل كان جديرًا بأن يتلقى من الله بركات هذا المكان وما يعطيه الله عز وجل للحجاج.

الماء في اليد المفتوحة

تخيّل أن رب العالمين يعطيك وليس لديك وعاء. تخيّل أن أحدًا يصبّ الماء في يدك وهي مفتوحة؛ أتستطيع أن تحمله؟ الماء ينزل ويسقط، ليس له مكان. لا بد أن تضمّ يدك، وإذا ضممتها فإنك تحوي من الماء بقدر يديك. والتوبة كأنها تطهير لهذا القلب، فيتحول إلى وعاء كبير يستوعب من الله تعالى ومن عطائه عز وجل ما يؤهله أن يكون خلقًا جديدًا، يُغفر له ذنبه ويتحول إلى إنسان وكائن جديد.

لا تقنِّطك الذنوب

نتكلم عن التوبة بوصفها توبة فردية يأمر بها الله سبحانه، والنبي ﷺ يحدثنا بأن الله تعالى يفرح بتوبة عبده.[3] وهنا يدخل الشيطان ليقول للإنسان: إياك أن تفكر في مسألة التوبة. لماذا؟ لأنك أذنبت ذنوبًا كثيرة جدًا، وما ينبغي لمثلك على هذه الحال أن يقف أمام الله، فماذا ستقول له؟ استحِ على نفسك، وابقَ مع المتشرّدين هنا، لا تحاول. الشيطان يريد أن يغلق ذلك الباب.

لكن حديث النبي ﷺ أن الله ليفرح بتوبة عبده. هذا العبد الذي يتوب، يتوب من ماذا؟ من معصية أم من طاعة؟ يتوب من معصية. أتتصور أن الله سبحانه يفرح بعبد يتوب، بمعنى أنه أخطأ؟ فإذا كان قد أخطأ ثم عاد إلى الله فرح به رب العزة سبحانه جل في علاه.

توبة الفرد وتوبة المجتمع

ويحدثنا رب العزة سبحانه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾.[4] وكلما مررت على هذه الآية أردت أن أربط بينها وبين قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾.[5] الخطاب هنا خطاب جمعي، وليس تكليفًا فرديًّا. هناك توبة فردية يُكلَّف بها العبد عن ذنوبه هو ومعاصيه هو، لكن هناك توبة مجتمع. وما معنى توبة المجتمع؟ أن يقال: توبوا كلكم معًا إلى الله توبة نصوحًا، ثم يأتي الرجاء بأن يكفّر الله عنهم، لا عن كل واحد وحده فحسب.

وما موضوع توبة المجتمع هذا؟ المجتمع في أصله أسرة صغيرة. فلو كنا متعودين في البيت أن نقول لفظًا سيئًا ونتردد عليه كلنا، فالخطاب الجمعي هنا: توبوا إلى الله، أمسكوا ألسنتكم جميعًا عن أن تقولوا قولًا بذيئًا. ولو كنا متعودين أن نرى مناظر لا تتسق مع إيماننا، فلو سمحتم سدّوا المنافذ التي يأتي من خلالها ذلك الشر. ولو كنا متعودين أن نفعل معصية مشتركة بيننا كأفراد أسرة، فلو سمحتم أوقفوا هذه المعصية.

ثم ننتقل إلى المجتمع الخارجي. هناك مجتمعات تنتشر فيها الرشوة، فلا تنجز أمرًا ولا تقضي مصلحة ولا تفعل شيئًا إلا برشوة، رشوة، رشوة. هنا يأتي الخطاب الجمعي، لأن هذه أسباب هلاك مثل هذه المجتمعات.

نشارك الحجاج في التوبة

ومرةً أخرى، حتى لا نطيل عليكم حفظكم الله: من المقدمات بين يدي الحج لهؤلاء الحجاج قضية التوبة. فهل نشترك معهم في هذه المسألة؟ نعم نشترك معهم فيها، فنريد أن نقول لله سبحانه وتعالى في هذه الليلة المباركة: اللهم إنا تبنا إليك. لكن هذه التوبة لا ينبغي أن تكون لفظًا، وإنما ينبغي أن تكون عزمًا وعملًا وتنفيذًا، إرادةً وقوةً تستطيع من خلالها أن تمتنع عن معصية أنت أعلم بها، وربك أعظم علمًا بما بين يديك.

اللهم إنا نسألك أن تتوب علينا، وأن ترحم ضعفنا، وأن تجبر كسرنا، وأن تهيّئ لنا من أمرنا رشدًا.

--- [1]: توثيق المحرر: معنى حديث أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: «مَن حجَّ فلم يرفُثْ ولم يفسُقْ رجع كيوم ولدته أمُّه»؛ وقد نقله المتحدث بالمعنى. [2]: توثيق المحرر: أخرجه البخاري من حديث أنس رضي الله عنه في غزوة تبوك بنحوه، وفيه «حبسهم العذر»، وأخرج مسلم من حديث جابر رضي الله عنه نحوه وفيه «إلا شركوكم في الأجر»؛ ونقله المتحدث بالمعنى. [3]: توثيق المحرر: معنى حديث متفق عليه من حديث أنس وابن مسعود رضي الله عنهما في فرح الله بتوبة عبده، نقله المتحدث بالمعنى. [4]: توثيق المحرر: سورة التحريم، الآية ٨. ذكر المتحدث الآية إلى قوله «توبة نصوحًا» وانتقل إلى الربط بما بعدها بكلام لم يتضح في التفريغ. [5]: توثيق المحرر: سورة التحريم، الآية ٦. وردت هذه الآية في كلامه مختصرة كما أثبتنا.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ