بين يدي سورة الفرقان
وقفات مع الآيات 1–18: العبودية والمنهج، وردّ شبهات المنكرين، والأسباب والنتائج، وتصوّر الجنة، والنعمة المنسية
المناسبة: تفريغ محاضرة أُلقيت ضمن وقفات مع سورة الفرقان بتاريخ 5 ديسمبر 2019مالمصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
الحمد لله، والصلاة والسلام على عبد الله ونبيّه ورسوله سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. اللهم إنا نسألك خير هذا المجلس وبركته وفضله، اللهم اجعلنا ممن حفّتهم ملائكتك وتنزلت عليهم سكينتك وغشيتهم رحمتك وذكرتهم فيمن عندك. آمين يا رب العالمين.
وبعد، فبين يدي سورة الفرقان كانت لنا وقفات في الأشهر الماضية، وسبحان الله ما أسرع الأيام! أسأل الله سبحانه أن يُمضيها لنا في طاعته.
ما سبق: النور والفرقان والملك
تذكّرنا معًا أن الفرقان جاءت بين النور والشعراء، وذكرنا أن دلالة ذلك أن هذا القرآن الكريم الذي يمثّل نورًا للأرض كلها هو الوسيلة التي تفصل وتفرّق بين الصواب والخطأ، وبين الحق والباطل. وإن كان في الواقع لغوٌ فهو موجود على نحو ما يتحدث به الشعراء، أما القصص الحق فهو قصص الله تبارك وتعالى. ومجتمعاتنا التي تنبني على النور والفرقان ليست كتلك المجتمعات التي هي أشبه ما تكون بالعنكبوت، إلى آخر ما قلناه حينها.
وقلنا مرة أخرى: قال الله تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ [الفرقان: 1]، وقال في موضع آخر ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾[8]. فكأن الفرقان الذي هو القرآن يعدل تمامًا كلَّ مُلك الله عز وجل؛ فالمُلك بلا منهج لا يستقيم، والمنهج لا يتحقق إلا على أرض الواقع، وهكذا تنتظم المعادلة.
العبودية: بابُ تلقّي المنهج
وذكرنا في لقاءاتنا السابقة قولَه تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ…﴾ [الفرقان: 1]، وأننا لن نستطيع أن نطبّق الفرقان إلا إذا تمثّلنا العبودية. تصوّر موظفًا في شركة يعيش بروح المدير: لا يتلقى أوامر ولا تعليمات، ولا يوقّع على الحضور والانصراف، فحاله أكبر من النظام الموجود، ومن ثَمَّ لا يخرج منه إنتاج. أما إذا استشعر أنه موظف، سكرتير مثلًا، يتلقى الأوامر والتعليمات وينفّذ، فحينها يمضي في النظام. وكذلك إن لم نستشعر العبودية بين يدي الله تبارك وتعالى لم نستقبل المنهج الآتي من عنده على أنه تعليمات وأوامر، وإنما عاملناه معاملةَ الأنداد؛ فنقول: الله عز وجل شرع، ونحن نستطيع أن نشرّع، والله قال، ونحن نستطيع أن نقول. وهذا هو المنطق الذي يتحدث به الناس إذا لم يتمثلوا العبودية بين يدي رب العالمين.
للعالمين نذيرًا: مَن يخاطب القرآن؟
وقوله ﴿لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ يذكّرنا باتفاقنا على أن في القرآن الكريم من المناهج ما ينظّم حياة البشرية كلها. فعندنا في القرآن تعليمات خاصة بالمجتمع المسلم المؤمن، وتعليمات خاصة بالناس كلهم. فإذا سمعنا ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ فهذا منفعة للبشرية، وليس أمرًا متعلقًا بصحة أبدان المؤمنين دون غيرهم، بل هو أمر عام. وإذا سمعنا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ فهذا أمر خاص بالمؤمنين. وتأتي أوامر أخرى يخصّ الله فيها الخطابَ بالنبي محمد ﷺ، كأن يقول ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾[9]. فقد تسأل: ولماذا خُصّ النبي وأمر الطلاق عامٌّ في الأمة؟ فنقول: لأنه أمر استثنائي وليس أمرًا تكليفيًّا. أما كل الأوامر التكليفية التي أُمرنا أن نطبّقها على أرض الواقع فقد خوطبنا بها بوصفنا مؤمنين: يا أيها الذين آمنوا افعلوا كذا، ولا تفعلوا كذا.
ثم وصف الله استحقاقَه لهذه العبودية فقال: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: 2]. ولكن هذا المنطق لا يعجب كثيرًا من خلق الله.
اتفقنا إذن على مبدأ ننتظر معه حتى يتحقق التنفيذ، وهو مبدأ العبودية: إذا استشعرنا أننا عباد لله سبحانه وتعالى طبّقنا التكليف.
مثال من البيت: الأدوار والشراكة
وأذكّركم بما قلناه حين تكلمنا عن الأدوار داخل البيوت: إذا حاول كلٌّ من الطرفين أن يأخذ دور الطرف الآخر انهدمت الأسرة. فالزوجة زوجة إلى حدود كونها زوجة، والزوج زوج إلى حدود كونه زوجًا. في الطبخ والغسيل وترتيب الأمور وأحوال الأولاد ونفسياتهم تخصصات للأم لا يستطيع الأب أن يؤديها. فإذا قال لها: «أنتِ لا لزوم لك، وأنا أقدر أن أعمل كل شيء»، فبمجرد أن يصلها هذا الشعور انكسر البيت. وكذلك إذا بدأت هي تحسّ بأنها مستقلة عن وجود الطرف الآخر وتقول: «وما لزومه، وأنا أستطيع أن أعمل وأكسب وأقضي أمري»، تهدّمت الأسرة. وأنا أقول: شريك، لا مالك ولا عبد؛ هي شريك وهو شريك. فإذا استشعرنا روح الشراكة، وأن كل شريك من الشريكين لا يستطيع أن يستغني عن الآخر، استقامت الحياة. أما إذا بدأ أحدنا يرفع رأسه، ويقول بكبرياء: «لا يلزمني أحد»، فقد تنكسر المبادئ كلها.
فاتفقنا على أن انتظام مبدأ العبودية هو المحقّق لاستقامة الإنسان على المنهج الذي أراده رب العالمين.
ماذا قال الكفار؟
ولكن هل سيسكت الكفار؟ هل سيتركون العمل؟ فلننظر ما فعلوا. قالوا أولًا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ [الفرقان: 4]، فادّعوا على النبي ﷺ أنه يتكلم بالإفك، بكلام غريب جدًّا عن أرض الواقع. وقالوا: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: 5]. وكأننا نقول اليوم عن إنسان إنه يخرف. فلو قال أحدٌ: كيف يخرف وهو يتكلم كلامًا منطقيًّا؟ لقالوا: لا، الكلام منطقي، لكن الناقل هو الذي يخرف. فجاء الرد القرآني بسيطًا: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: 6].
لكنهم لم يسكتوا. بدأنا باتهام المنهج، فتم الرد على المنهج، ولم نخرج منه بحق ولا باطل في موضوع المنهج؛ فقد حاولوا أن ينتقدوا ما يتكلم به النبي، فجاءهم الرد، فبدؤوا يتكلمون في شأن مَن يقول الكلام: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: 7].
توقعات الناس من الداعية
وقد تكلمنا في المرة الماضية عن توقعات الناس من الداعية، وكيف ينتظرون منه أن يكون كالساحر الذي يحلّ كل المشكلات، حتى لو ذهبنا إليه بأي مشكلة فمطلوب منه أن يحلّها في خمس دقائق. والداعية بشر مثل بقية البشر، يصدر منه الصواب ويصدر منه الخطأ، ويصدر منه الانفعال ويصدر منه الهدوء. تجده أحيانًا مزاجه سيئ، وأحيانًا مزاجه هادئ، على حسب الأحوال والطبيعة؛ وربما خرج من البيت مبسوطًا أو خرج وقد ضاقت به الدنيا بشكل ما. فلا بد أن نتخيل أن هذا إنسان يجوع ويعطش ويسافر ويجتهد وينام ويتعب، إلى آخر ذلك.
الحياة المريحة والداعية بين الناس
وننتقل إلى مرحلة أخرى مع قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: 10]. اتفقنا أن الدعاة يعيشون حياة مثل بقية الناس، أليس كذلك؟ فهم أيضًا يريدون أن يعيشوا مرتاحين، وأن يأكلوا ويشربوا جيدًا، ويشعروا أن لهم مكانة اجتماعية في المجتمع، وأن يكون معهم قرشان طيبان يشتري بهما جلابية جيدة، ويقتني سيارة نظيفة، ويُدخل أولاده مدرسة محترمة. هذا الشعور موجود عند كل الناس بشكل طبيعي. لكن رب العالمين سبحانه وتعالى يقول لنا فيما يبدو، وعبارة التفريغ هنا مضطربة: حياتكم هذه، لا تتصوروا أنكم سترتقون إلى مستوى الأغنياء الذين يعيشون في الأرض.
وانظروا إلى سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام؛ من الأشياء التي تعلمناها أنه عُرض عليه أن تتحول له جبال مكة ذهبًا[1]، فرفض ﷺ. وخُيّر بين أن يكون نبيًّا ملكًا وأن يكون نبيًّا ليس ملكًا، فاختار أن يكون واحدًا من أفراد الأمة، واحدًا من الناس. وبلغت به هذه الحال أن يدخل الأعرابي المجلس فيسأل: من منكم محمد؟[2] فهو لا يلبس جلبابًا مختلفًا عن بقية الناس حتى يعرفوه، بل هو واحد منهم: يلبس مثلهم، ويأكل مثلهم، ويشرب مثلهم، ويجلس معهم جلستهم، لا يجلس بهيئة معينة كهيئة الملوك أو الرؤساء أو الزعماء. تلك طبيعته. فالمطلوب للداعية أن يعيش وسط الناس؛ فلا نهمل الدعاة، ولا نجعلهم يعيشون في مستوى أقل، ولا نطلب منهم أن يعيشوا في مستوى أعلى من مستويات الناس؛ فهو مثل الناس يدبّر حياته على الوصف الذي ذكرناه.
قال الله تعالى لرسوله ﷺ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾.
الآخرة غائبة: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾
ثم قال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾. وهنا مشكلة المشركين، أو من لا يريدون التزام منهج الإسلام، الذين لا يريدون الاستسلام لمنهج رب العالمين: أنهم لا يؤمنون بقضية الآخرة، ولا يستطيعون أن يستوعبوا أن هناك جنة ونارًا. تجد أحدهم وقد بلغ الثمانين أو التسعين ولا يزال طامعًا في ميراث أخته، أو يريد أن يسرق فلانًا، أو ينهب كذا، أو يبني على أرض الباطل. يا عمّ، الله يرضى عليك، ما بينك وبين الرحيل إلا خطوتان! لكنه لا يؤمن بأن ثمّة يومًا يُفصل فيه بين المتنازعين، هو يوم القيامة.
فما أهمية الإيمان بالآخرة، وما فيها من ثواب وعقاب؟ قلنا قبل ذلك: أهميته أولًا الاحتساب في كل شيء. أتذكرون حين تكلمنا عن المرأة التي تشتغل في البيت ليل نهار، وتتعب وتجري وتجتهد، فيأتي آخر النهار وزوجها يقول لها: شكرًا؟ من حقها طبعًا. لكن إن لم يقل لها شيئًا فهي لم تعمل لأجله، بل عملت لرب العالمين سبحانه وتعالى. فلو جئنا بعد عشر سنين أو خمس عشرة سنة وقال لها الرجل: لا، شكرًا، جزاك الله خيرًا، أنا كفاني إلى هنا وانتهينا؛ فلا تقل: أنا عملت له! بل تقول: أنا عملت لله. وإذا كان رب العالمين هو الذي يوفّي الأجر فلا تنتظر الأجر من ذلك العبد البسيط الذي قد يكون محدودًا في فهمه وبسيطًا في تصوراته. ونفس الحكاية مع من يقول لصاحبه: أنا وقفت جنبك وسندتك وعملت كذا وكذا؛ فهو لم يعمل لأجله، وإنما عمل لرب العزة سبحانه وتعالى. فحضور الآخرة في ذهن العبد يجعله دائمًا محتسبًا أعماله بين يدي الله تبارك وتعالى في كل صغيرة وكبيرة.
حتى اللقمة التي تطبخينها في المطبخ، تطبخينها لأجل ربنا سبحانه وتعالى، لتغذّي هذه الأبدان لتكون طائعة لله عز وجل. وهذه نقطة مهمة جدًّا، وأقولها بسرعة ونحن نجري: يمكن أن تكون نيتك وأنتِ تطعمين الناس أن يكونوا على طاعة، وهذا قد يكون سببًا في أن يكونوا على طاعة. أقولها مرة ثانية: يمكن أن تكون نيتي وأنا واقف لأطعم زوجتي وأولادي أني أريد أن أطعم أبدانًا لتطيع الله. هذه النية في حد ذاتها قد يجعلها الله شفيعًا في أن يكونوا فعلًا على طاعة، وأن يقيمهم على المنهج. فالنية النية، في كل عمل نعمله صغيرًا كان أو كبيرًا: كلمة، تصرف، جري، شراء حاجات، مصروف يخرج، كل شيء احتسبوه عند الله تبارك وتعالى.
مشهد النار
قال الله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: 11]. وهنا نلاقي كلامًا مؤلمًا وقويًّا: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: 12]. تعرفون الشهيق والزفير؛ النار تنفث نفثًا، فينزعج الإنسان له أيّما انزعاج. نسأل الله السلامة يا رب العالمين. وعندنا في سورة الملك يبيّن الله سبحانه وتعالى تشبيهًا مثل هذا، ويُفهمنا أن النار أيضًا لها شهيق ولها زفير: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ [الملك: 8]. كأن النار كائنٌ حيٌّ يتعامل مع كائنات حية.
هل نحن متفقون أن الله تعالى لما خلق الخلق جعل في كل شيء روحًا؟ حتى الجمادات، التي هي من وجهة نظرنا جمادات، فيها روح. يقول رب العزة سبحانه: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ…﴾[10]. قد تختلف الروح الموجودة في الجماد عن الروح الموجودة في النبات، عن الروح الموجودة في الحيوان، عن الروح الموجودة في الإنسان، لكن ما دام مخلوقًا ففيه روح تناسب خلقه ليؤدي وظيفته على أتم وجه إلى أن تقوم الساعة. فيقول الكافر يومئذ: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾؛ لأن التراب أدّى مهمته ومضى وانتهى أمره، وكان من ضمن المعدّات، ولما وصلنا إلى هنا ذهب كل شيء.
فقال رب العزة سبحانه: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: 13]. مقرَّنين: كل واحد في مكانه، مكتّفين. تعرفون ذلك حين ندخل قسم الشرطة أحيانًا فتجد ناسًا مكتّفين واقفين على جنب، فتسأل: من هؤلاء؟ فيقال: مرحَّلون، أي حُكم عليهم بشيء، أو ذاهبون إلى النيابة، أو غير ذلك. فهؤلاء معروفة أماكنهم بالضبط. ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾؛ والثبور الويل، فيجلسون يلطمون ويقولون: يا ليتنا ما فعلنا كذا.
لسنا مضطرين إلى الندم
وهذه نقطة أتوقف عندها كثيرًا: لماذا نحتاج أن ندم في وقت من الأوقات؟ لماذا لا نأخذ بالنا؟ تخيلوا، نسأل الله لنا ولكم العافية، شخصًا وقعت له حادثة بالسيارة، ولما جئنا ننظر في الأمر وجدنا أنه كان رابطًا الحزام، وكان ماشيًا بالسرعة المضبوطة على الطريق، وأن غيره خبطه أو وقف أمامه فجأة. هل نستطيع أن نعاتبه؟ لا، لا نعاتبه، لأنه ليس مخطئًا. لكن لو كان ماشيًا بالسرعة المضبوطة وغير رابط الحزام، ثم وقف هذا الرجل وخبطه غيره، فهو ليس مخطئًا في إحداث الحادثة، لكنه مخطئ في إهمال الأسباب التي يترتب عليها ما هو أكبر من المحتمل. فلو كان رابط الحزام كما ينبغي لكان الحال غير الحال.
فلماذا نضطر إلى الندم؟ لماذا تركنا الأولاد لا يدخلون المسجد إلى وقت معين؟ لو كنا ذهبنا بهم إلى بيت ربنا من زمان! لماذا نحتاج أن ندم في وقت من الأوقات؟ لماذا لا نتبع الأسباب على أحسن ما تكون؟ فإذا جاءت النتائج مثل إسماعيل يبني مع أبيه البيت، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وإن جاء مثل نوح ينادي ولده: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا﴾ فيقول الولد: ﴿سَآوِي…﴾[11]، فحينها نقول أيضًا: الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه. لكن ماذا فعلنا نحن؟ اتبعنا الأسباب. إذا خرج الولد صالحًا كولد إبراهيم، فالحمد لله. وإذا خرج سيئًا كولد نوح، فنحن اتبعنا الأسباب أم لا؟ فمرة ثانية: لسنا مضطرين بأي حال من الأحوال إلى الندم. التمسوا الأسباب، التمسوا أسباب النجاة؛ فإن الله تبارك وتعالى لا يعامل العباد بالنتائج[3]، وإنما يعاملهم بالأسباب التي يبذلونها. أنت عملت ماذا؟
وهذا المنهج نريد أن نتبعه حتى مع أولادنا. يجيئني الولد فيقول لي: جبت 85%، فأقول له: كيف؟ والـ 15% الباقية أين ذهبت؟ ثم أقعد أعذّبه، وأنا أراه سهرانًا، وأراه تعبانًا، وأراه مجتهدًا، حريصًا على دروسه، غير مهمل، لا يضيّع وقته؛ أرى كل هذا، لكن قدر الله سبحانه وتعالى أنه نسي، أو ضاعت منه جزئية. فالذي توصّل إليه من النتيجة لم يكن بإهمال. أما واحد آخر مهمل وجاب 93%، فأنا محتاج أن أعاتبه على الـ 7% الباقية، أين ذهبت؟ مع أن نتيجته أعلى من الأول، فلماذا أعاتبه؟ لأنه أهمل في بعض أسبابه. فالله تبارك وتعالى إنما يحاسب العباد على قدر بذلهم، ولا يحاسبهم على النتائج التي بين أيديهم.
وهكذا حين أصعد المنبر: أكون قد حضّرت خطبتي جيدًا، واخترت موضوعي جيدًا، وأخاطب الناس بمنطقهم، وأتعامل بشكل جيد، ثم يتبين أن عشرة فقط هم الذين فهموا؛ فهذه نعمة وفضل. أو أن واحدًا فقط هو الذي فهم؛ فهذه نعمة وفضل. أو أنه ما فهم أحد على الإطلاق؛ فأنا اتبعت الأسباب فيما بين يدينا. وإن فهم الناس كلهم وانتفعوا وسُرّوا؛ فهذا فضل ونعمة. ونفس المنطق مع أولادنا، ونفس المنطق مع جيراننا، ونفس المنطق مع الناس الذين نتعامل معهم في كل مكان.
وقال رب العالمين سبحانه وتعالى، وهو يخاطب هؤلاء الذين يلومون أنفسهم يوم القيامة: ﴿لَّا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: 14]. أي: لا تصوّت صوتًا واحدًا؛ صوّت وصوّت، حتى يسمعك أحد، حتى يصحو لك الجيران ويلحقوك، فصوّت قدر ما تشاء، فلن يتكلم معك أحد.
﴿أَذَٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾
قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَذَٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۚ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾ [الفرقان: 15]. ما رأيكم؟ أحيانًا نحن، لكي نقرّب المخاطَبين من عمل معيّن، نذكر لهم النتائج ولا نذكر خطوات الطريق. بمعنى أن ابني مثلًا يذاكر ويجتهد، فأقوم فأقول له: ألم ترَ عمّك فلانًا الدكتور؟ ما أجمل بيته! يركب سيارة حلوة، ما شاء الله، وما من مكان يطلب خيرًا إلا ويمدّ يده ويساعد الناس. أتعرف أن هذا الرجل وصل إلى هذه المكانة العظيمة؟ وهو أيضًا مسؤول عن كذا، ويعمل كذا، ويشتغل في كذا. هذه المكانة العظيمة التي وصل إليها بسبب ماذا؟ بسبب أنه كان يذاكر لما كان في سنّك. فأنا لما ذكرت النتائج ذكرتها لتحبيب المخاطَب في اتباع نفس الأسباب. وممكن أذكر سيرة فلان العظيم هذا، وفي الوقت ذاته أذكر سيرة فلان الآخر: هل رأيت فلانًا الذي دائمًا متعثر، وحاله حاله، والدنيا ملخبطة معه، لا يجد ما يطعم عياله؟ تعرف لماذا؟ لأنه لما كان في سنّك ما كان يذاكر. فربنا سبحانه وتعالى هنا يقول لنا: أذلك خير؟ أيدعو المرء ثبورًا كثيرًا هو الأحسن، أم جنة الخلد التي وعد المتقون؟
﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾. سبحان الله القدير! جزاءً على أعمال، ومصيرًا مقرَّرًا لهم من البداية باعتبار علم الله تعالى الذي سبقهم إلى هذا الخير. أقولها مرة ثانية (صلّوا على سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام): ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً﴾؛ والجزاء يكون بناءً على ماذا؟ على العمل. ﴿وَمَصِيرًا﴾: إما أن يكون المراد مصيرًا دائمًا لا ينحرفون عنه، فهم موجودون في الجنة خالدين فيها أبدًا، وإما أن يكون مصيرًا مقرَّرًا لهم منذ أن كتب الله تعالى هذه الأعمال أو هذه النتائج في صحف الأعمال بين يديه يوم القيامة، في اللوح المحفوظ. وتعرفون تدوين الله سبحانه وتعالى لأعمال البشر، كما حدّث النبي ﷺ أن الولد يكون في بطن أمه علقة أربعين، ثم مضغة أربعين، ثم كذا، ثم يأتي الملك فيكتب ويكتب، وأربع كلمات منها: شقيٌّ أو سعيد[4]. فشقي أو سعيد ربنا سبحانه وتعالى كتبها من البداية.
علم الله لا جبر فيه
طيب، لما كتبها من البداية، هل كتبها لكي يأمر الناس: أنت اذهب فاعمل طاعة، وأنت اذهب فاعمل معصية؟ لا، وإنما كتبها لأنه عارف، سبق العلم من البداية. تصوّروا: أنا دخلت الفصل الدراسي الذي نحن قاعدون فيه، وقلت في نفسي: فلانة هذه ستنجح، وفلانة هذه لن تجيب نتيجة طيبة، وفلانة هذه أقصى ما تبلغه 70%. فكتبت هذا الكلام في دفتري من أول حصة، كمدرس شاطر، كتبت نتائج الطلاب قبل أن يمتحنوا. فلما امتحنوا وطبّقت النتائج التي على الورق التي كتبتها، وجدت أن النتيجة متطابقة تمامًا. هل أنا أجبرت الطلاب أن يفعلوا ما كتبته؟ لا. فما الحكاية إذن؟ الموضوع ليس معلَّقًا بأعمال هؤلاء الناس، الموضوع متعلق بعلم الله. فلو أنك تريد أن تناقش: نحن مسيَّرون أم مخيَّرون؟ فلا تناقش حركة الناس، ناقش علم الله، وقل له: لماذا يا رب تعلم أننا سنكون جيدين أو سيئين؟ فهل نستطيع أن نناقش علم الله سبحانه وتعالى؟ تنحسم المسألة بهذا التصور البسيط، والله تبارك وتعالى أعلم.
صلّوا على سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام. فقلنا: ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً﴾ على أعمال، ﴿وَمَصِيرًا﴾ إما مصيرًا دائمًا لا ينحرفون عنه، وإما مصيرًا مقرَّرًا بأنه في علم الله تعالى صلاحُ نفسك. وانظروا الآن: كيف سأكون جيدًا إذا كان ربنا يعلم أني سيئ؟ لا، بل ربنا يعلم أنك جيد، لكنك إلى الآن لا تريد أن تُري نفسَك أنك جيد.
أقولها مرة ثانية: بعضهم يقول: أنا لماذا أكون جيدًا ما دام ربنا يعلم أني سيئ؟ أنا سيئ، أنا أشرب السجائر وأفعل كذا. أو تقول لي: أنا أتكلم كثيرًا في أي شيء، فأنا سيئ، وخلاص مسلِّم أمري لله سبحانه وتعالى، أنا سيئ وربنا كتب عليّ أني سيئ، وشكلي سأذهب إلى النار في الآخر وخلاص، والسلام، وماذا سأفعل يعني؟ فتقوم لترد على هذا. فماذا أقول له؟ أقول له: من قال لك إنك مكتوب سيئًا؟ هل أنت ترى ما في اللوح المحفوظ؟ فيقول لي: لا. فأقول له: طيب، ما يجوز أن ربنا كاتبك جيدًا؟ فيقول: أمّال أنا أفعل هذا الخطأ لماذا؟ فأقول له: لكي تُدرك بشاعة الخطأ وترجع منه إلى الصواب. حاول أن تطابق دائمًا بين مذاكرتك والـ 100% التي كتبها لك الأستاذ من أول السنة. لا تطابق بين العمل، بين الساعتين اللتين لعبتَ فيهما، فتقول: لا، الأستاذ كاتب عليّ أني سأسقط. هل فهمتم الموضوع؟ فالطالب الآن يلعب ساعتين، وهو يلعب هكذا، يقول: يا نهار أبيض! المدرس كاتب لي أني سأسقط، وأنا ألعب! فنقول له: لا، هاتان ساعتان لعب، مثل بعضهما، سأسامحك فيهما، لكن ارجع وعوّضهما.
ولذلك نجد، لما نفهم هذه الحكاية، أننا نستطيع أن نستوعب قضية قول النبي ﷺ: «كل بني آدم خطّاء وخير الخطّائين…»[5]. فإذا صدر منا شيء، فليس معناه أننا مكتوب علينا الشقاء؛ بل الاحتمال كبير جدًّا أن نكون مكتوبين من أهل السعادة. فما معنى هذا؟ أن الله سبحانه وتعالى أعطانا الفرصة حتى نعرف أن هذا الخطأ خطأ فعلًا. وانظروا: أكثر الناس استقامة هم الناس الذين جرّبوا المعاصي.
لا تجرّب المعصية
لكن لا تقعد تحاول فتقول: دعونا نجرّب المعاصي! لا تفعل هذا؛ لأن رجلك ممكن أن تنزلق وتقع فلا تعرف أن ترجع. فإذا كان ربنا سبحانه وتعالى حافظك وحاميك فابق في هذه الحال. وأذكر في هذا قصة أحد مشايخنا، حفظه الله ويبارك في عمره، كان يقول لنا: كان له صديق، وهذا الصديق يقول: يا أخي، أنا أتمنى أن أُبتلى بمعصية حتى أحقق التوبة منها. ركبت دماغه هكذا، ويقول: أريد أن أجرّب المعصية لأجرّب التوبة منها، وتكون معصية كبيرة. فكانوا يقولون له: لا تتألَّ على الله، اتق الله سبحانه وتعالى فيما بين يديك من الخير والطاعة. وظل هذا الصاحب يقول هذا الكلام حتى ابتلاه الله سبحانه وتعالى بامرأة أخرجته عن كل ما كان عليه من طول الطاعة والاحترام والتوقير وغيرها. ونسأل الله سبحانه وتعالى الهداية. نسألوا الله العفو والعافية، اسألوا الله العفو والعافية.
والشاهد من الكلام: إذا فعلتُ شيئًا غلطًا، فلعله فرصة أعطانيها رب العالمين سبحانه وتعالى لأعود إلى موطن الخير على أحسن ما يكون.
أَرُوا اللهَ من أنفسكم خيرًا
فاتفقنا مبدئيًّا على أن نعتبر جميعًا أن الله تعالى قد كتبنا جميعًا من أهل السعادة، لكننا نريد أن نُري المدرس أننا شاطرون، ونحن في الفصل الدراسي، أن نقول: يا أستاذ، أنا عملت الواجب، أنا حاضر هنا. والله عز وجل يتعالى عن التشبيه، فنحن لا نشبّه مع ربنا سبحانه وتعالى، أستغفر الله، ولكن كما يقول النبي ﷺ: «أَرُوا اللهَ مِن أنفسِكم خيرًا»[6]؛ أَرُوا ربَّنا دائمًا أحسن ما عندكم، وأَطلِعوه على أحسن صورة لكم، وأَرُوه أنك حاضر. تخيلوا مدرّسًا يشرح لطلابه، والطالب يقول: أنا حاضر، أنا هنا، تمام. تفضل. وهذه ثقة المدرس بالطالب. فلما يأتي مرة ولا يفعل شيئًا، ماذا تظنون أن المدرس يفعل به؟ يعاقبه؟ لا، بل يقول له: ما أخبارك؟ ثم يكلمه بعدها: ما بك يا ولد؟ ما الذي حصل لك؟ أنت كنت جيدًا، الله يهديك، ما الذي حصل؟ فيقول له: والله أبي وأمي كانا متخانقَين في البيت كالعادة وأنا لم أستطع أن أشتغل، إلى آخره. فيقول: خلاص، تعال، سنقعد اليوم ساعة مع بعض قبل أن تذهب إلى البيت، ونخلّص كل شيء.
فلما يسألنا ربنا: ما لكم يا أولاد؟ أنتم شاطرون! فنقول: يا رب، أصل كان عندنا كذا وكذا. ثم يمضي المحاضر، في تفريغ مضطرب هنا، إلى معنى أن الله لا يريد منا حمل الهمّ، وأنه يبعث لنا رزقًا جديدًا ويوفّينا.[14] ومن أجل هذا حصلت عندنا قضية الأوبة إلى الله سبحانه وتعالى، الأوبة إلى الله عز وجل، المعراج الدائم الموجود في حياتنا. تخيلوا: كم سجدة نسجدها لله سبحانه وتعالى؟ سبع عشرة ركعة في كل يوم، في اثنتين، كم يصير؟ يا جماعة، سبع عشرة في اثنتين، كم؟ أربع وثلاثون. حلو. أربع وثلاثون معراجًا في كل يوم على أقل تقدير، وهذا لو لم نصلِّ ركعة نافلة واحدة. فإذا زدنا في النوافل نعرج إلى الله سبحانه وتعالى أكثر من ذلك بكثير.
قيام الليل
وتأتي بعد ذلك قضية قيام الليل، التي جعلها رب العالمين سبحانه وتعالى دافعًا قويًّا لكل الدعاة، كما قلنا كثيرًا قبل ذلك: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾[12]. هذا هو علاجك لكي تبقى واثقًا بنفسك، مبسوطًا، مرتاحًا، مستقرًّا نفسيًّا، قادرًا على مواجهة مشكلات الناس عليك. فعليك بقيام الليل. نسأل الله تعالى أن يبلّغنا هذه المنزلة يا رب العالمين.
﴿لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾: المكان قبل المتاع
قال رب العزة سبحانه وتعالى: ﴿لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا﴾ [الفرقان: 16]. أحيانًا يستوقفنا التبديل في الترتيب، والتقديم والتأخير. لماذا قال الله تعالى: «لهم فيها ما يشاؤون»؟ لم يقل: «لهم ما يشاؤون فيها»! لماذا؟ هو سبحانه لا يريد أن يشغل ذهنك بالنعيم قبل أن يشغلك بالمكان الذي سيكون فيه المنعَّم. تصوّروا أنني جئت لك الآن بسرير من الفضة، وفرشة وليس أيَّ فرشة، والمفرش الذي على السرير جلبناه لك خصيصًا من دمشق، ولا أعرف من أين، من تركيا أو من سوريا. أوصل لك النعيم وأصفه، لكن هذا السرير موضوع أين؟ على شط الترعة؟ أم في غرفة مترين في مترين؟ أم أصف البيت أولًا، فأقول: هذه الغرفة التي فيها الفراش، قبل أن أصل إلى وصف الفراش، الغرفة ثمانون في تسعين، تُطلّ على المكان الفلاني؟ فينشغل الذهن بالموطن قبل أن ينشغل بما فيه. فقال الله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا﴾ كي يشغل أذهاننا بالجنة، أيًّا كان ما وُضع في الجنة فإننا نتمناه.
ولذلك مسألة المحدِّدات هذه غير موجودة. كل الكلام الذي وصف به رب العزة سبحانه وتعالى الجنة أتى على سبيل التشبيه، لكن الحقيقة موجودة أين؟ «لهم فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على بال…»[7]. فإن قال قائل: أمّا الذي كُتب في القرآن فقد خطر على بالي، وأنا أراه بخيالي! قلنا: لا، هذا مثال، هذه أشياء بسيطة. فلا تزعلوا حين يقول أحدٌ: اللهم إنا نسألك الحور العين. أنتنَّ الحور العين، ما في غيركنّ، سبحان الله، أنتنَّ المقدِّمات، لكنّ مَن تؤهِّل نفسها منكنّ تكون الحورية العظمى التي يتلهف إليها أهل الجنة بما فيها من الخير.
ويُحكى أن جماعة كانوا واقفين في صلاة جنازة، والإمام يقول: سمعتُ وأنا أصلي بمن ورائي ضجة في الصف الذي خلفي، فالتفتُّ فوجدت خناقة بين زوج المرأة المتوفاة، ونحن نصلي عليها، وبين رجل واقف بجانبه! فقلت لهم: يا جماعة، أستغفر الله، هذا ليس موقف خناق، ماذا تفعلون؟ فقال لي الزوج: أيرضيك هذا يا شيخ؟ فقد كان الذي بجانبه يدعو فيقول: «اللهم ارزقها دارًا خيرًا من دارها، وأهلًا خيرًا من أهلها، وزوجًا خيرًا من زوجها». أينفع هذا الكلام؟
فالشاهد في القول أننا نتصور الجنة قبل أن نتصور ما فيها ومن فيها، وحينئذٍ يحصل الشوق الحقيقي، حينئذٍ يحصل الشوق الحقيقي.
العتاب لأسباب الغواية
قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَٰؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان: 17]. هذا العتاب الحاصل من رب العزة سبحانه وتعالى موجّه لكل أسباب الغواية، وهذه الأسباب قد تكون بشرًا. أتذكرون في سورة سبأ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ…﴾؟[13] تذكّرون هذه الآيات. اللهم صل على البشير ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا يا رب العالمين.
فسواء كان المعاتَب بشرًا، أو إلهًا مزعومًا من صنم، أو أيًّا كانت أسباب الغواية، فإن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَٰؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾، ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: 18].
﴿مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾: النعمة المنسية
وننظر الآن، ونقف هنا عند جزئية صغيرة: ﴿وَلَٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾. أنا متأكد، بإذن الله سبحانه وتعالى، أنه لا أحد منا يعيش حالة الشقاء. لا أحد منا في شقاء، مهما كان عندنا من مشكلات، مهما كان عندنا ألم: ركبتي التي توجعني هذه، ودماغي التي تصدّع أحيانًا، وكتفي، وكل هذا الكلام. كل هذه مسائل مؤقتة، لكن تصحبها نعم لا تُعدّ ولا تُحصى. ولو قارن كل واحد منا بين ما أُخذ منه وما تُرك له لاختار حاله الذي هو عليه مقارنةً بغيره.
وأنا أحاول دائمًا أن أستفيد من كل ما أراه في الطريق. وكان لي لقاء مع عدد من الأخوات الكفيفات في دار من دور الرعاية للناس الطيبين، فلما سمعنا صوت كل واحدة منهن وهي تتكلم عن تصورها للحياة، وتصف الحياة من وجهة نظرها، فانظر أنت أين الأحلام التي تحلم بها الأخت؟ الكلام الذي نتكلم نحن عنه غير موجود عندها خالص. فما الذي يحصل؟ الذي يحصل أن من سُلب النعمة لا يستطيع أن يتخيل حال الآخرين حوله.
طيب، عندنا نعم منسية في حياتنا أم لا؟ خذ نفسًا عميقًا وقل: الحمد لله. وعارفون الجماعة الذين عندهم الأرجي سيزون، حساسية الموسم؟ يطلع الفجر وعمّنا الشيخ أحمد يقرأ، فتقول له: ما بك يا عمّ الحاج؟ هل تريد أن نأتي لك بسيخ نخلّص به سلك المواسير التي جوّا؟ ما الذي يحصل؟ فيقول لي: مجرد وجود النفَس وخروجه نعمة عظيمة جدًّا من رب العزة سبحانه وتعالى. ودخول الحمّام والخروج منه من غير مشاكل ولا ألم ولا دوشة نعمة كبيرة من رب العالمين سبحانه وتعالى. وباب بيتنا يُقفل علينا، مهما كنا نتخانق فيما بيننا في داخله، نعمة من رب العالمين سبحانه وتعالى.
﴿وَلَٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُوا الذِّكْرَ﴾[15]. فاجعلوا نعم الله التي في أيديكم أسبابًا لشكر الله تبارك وتعالى، وليست أسبابًا لعذاب الله تبارك وتعالى.
وقد وقفنا عند الآية الثامنة عشرة ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾. نقف هنا قليلًا ونأخذ ربع ساعة مع الأسئلة والأجوبة، ونختم إن شاء الله سبحانه وتعالى بعد ذلك. جزاكم الله تعالى خيرًا وبارك فيكم. سؤال؟
--- [1]: توثيق المحرر: ورد نحوه في سنن الترمذي من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، وفي إسناده كلام لأهل العلم؛ ولم يذكر المحاضر لفظه ولا مصدره. [2]: توثيق المحرر: القصة في صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله عنه (قصة الأعرابي ضمام بن ثعلبة)، وقد أشار إليها المحاضر بالمعنى دون عزو. [3]: توثيق المحرر: هذه عبارة المحاضر كما وردت، ويظهر من سياقه (مثال الدرجات والخطبة والأولاد) أن المقصود المحاسبة على بذل الأسباب لا على ما تؤول إليه النتائج مما ليس بيد العبد. [4]: توثيق المحرر: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في الصحيحين، وفيه الأمر بكتابة أربع كلمات: رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد؛ ذكره المحاضر بالمعنى. [5]: توثيق المحرر: رواه الترمذي وابن ماجه من حديث أنس رضي الله عنه، ولفظه «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون»؛ وقد جاء آخر اللفظ في التفريغ مبتورًا («التواب») فاقتُصر في المتن على ما سلم منه. [6]: توثيق المحرر: نسبه المحاضر إلى النبي ﷺ، ولم يتبيّن للمحرر إسناد ثابت لهذا اللفظ؛ فيُتحقّق منه قبل الاحتجاج به. [7]: توثيق المحرر: أصله حديث قدسي في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقد ذكره المحاضر بالمعنى، ولفظ الصحيح: «ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». [8]: توثيق المحرر: الآية الأولى من سورة الملك، ولم يُسمِّ المحاضر السورة هنا. [9]: توثيق المحرر: المواضع كما يظهر من الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا…﴾ [البقرة: 168]، و﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ…﴾ [البقرة: 183]، و﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: 1]؛ ولم يذكر المحاضر السور. [10]: توثيق المحرر: [الإسراء: 44]، وتمامها: ﴿وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. وقوله ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ في [النبأ: 40]. ولم يذكر المحاضر السورتين. [11]: توثيق المحرر: [هود: 42–43]، وتمام الثانية: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾؛ ولم يذكر المحاضر الموضع. [12]: توثيق المحرر: [المزمل: 2]؛ ولم يذكر المحاضر السورة. [13]: توثيق المحرر: [سبأ: 33]، وتمام الآية: ﴿…الَّذِينَ كَفَرُوا ۖ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ وقد جاء لفظ الآية في التفريغ مشوّشًا في أولها ومقطوعًا في آخرها. [14]: توثيق المحرر: هذا المقطع مضطرب في التفريغ، ولا يصح عدّه كلامًا منسوبًا إلى الله تعالى بلفظه؛ وهو تمثيل من المحاضر بحوار المدرّس مع الطالب، وقد نبّه على تنزيه الله عن التشبيه. [15]: توثيق المحرر: [الفرقان: 18]؛ وقد جاء في التفريغ «بل متعتهم» والذي في الآية «ولكن متعتهم»، فأُثبت رسم الآية.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.