بين الذوبان والانعزال: هل من طريق ثالث؟
هل نفهم ديننا، وهل نضحّي من أجله، ولماذا نبقى خلف الأبواب والمدينة تقرر شأن أبنائنا؟
المناسبة: تفريغ محاضرة ألقيت في ICEP بتاريخ ١١ يوليو ٢٠٢٥ (اسم المكان كما ورد في عنوان الفيديو).المصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
يسعدني أن أكون معكم مرة أخرى، وأسأل الله أن يتقبل منا جميعًا. سأحتاج إلى عونكم الليلة. فكما أعلنّا، نحن بحاجة إلى أن نقرر معًا أين موضعنا في هذا البلد: ماذا نفعل هنا، ولماذا نحن هنا، وأي تأثير يمكن أن يكون لنا في المجتمع من حولنا. هل أنتم معي في ذلك؟
هل نفهم ديننا أم نكتفي بممارسته؟
السؤال الأول هو: هل نفهم ديننا حقًّا؟ لنبدأ كأننا ندخل في الإسلام اليوم، من الصفر. هل نفهمه أم نمارسه فقط؟ الأمران مختلفان تمامًا. تخيّلوا طالبًا ذكيًّا يفهم الرياضيات حقًّا. يستطيع أن ينشئ بها شيئًا، وإذا واجه مسألة استطاع أن يفكر حتى يجد حلها. وطالب آخر لا يعرف إلا خطوات العملية، فإذا واجه أي صعوبة توقف.
فنحن، بوصفنا جماعة مسلمة، هل نفهم حقيقة ديننا أم نؤدي حركاته فحسب؟ خذوا مثالًا بسيطًا. تقولون لأولادكم: «تعالوا معي إلى المسجد»، فيسألون: «لماذا؟» فما الجواب الذي في أذهانكم؟ لماذا تريدون أن تأتوا بهم؟ ما الفائدة التي ينالونها إذا جاؤوا؟ وماذا سينجزون؟ علينا أن نقنعهم بأجوبة عن هذه الأسئلة كلها. والحق أن معظم أولادنا لا يحبون المجيء إلى المسجد، أتعرفون لماذا؟ لأننا نجبرهم. يقفون بجانبكم والإمام يقرأ القرآن، فلا يفهمون شيئًا، ويبدؤون بالقلق: «ماذا يفعل هذا الرجل؟ متى سينتهي؟ هذه صلاة طويلة، هيا نذهب». لماذا يحدث هذا؟ لأننا لم نستطع أن نقنعهم بقوة ما سيكسبونه والفائدة التي سينالونها بمجيئهم.
وانظروا إلى السؤال نفسه من جهة البيت. ما نسبة الأسر المسلمة في أمريكا المستقرة الراضية التي لا مشكلات فيها؟ اسألوا أنفسكم، واسألوا أصدقاءكم وأقاربكم ومن حولكم: كم أسرة كهذه تعرفون؟ لنفهم معًا لماذا لا تسود السكينة بيوتنا، ولماذا لا يوجد رضا بيننا ولا انسجام في تعاملنا بعضنا مع بعض. هل دعاني الإسلام إلى القسوة على زوجتي؟ هل طلب منها أن تضربني كل يوم؟ هل طلب منا أن نصرخ في وجه بعضنا أمام أولادنا ونعرض عليهم خلافاتنا؟ أهذا ما يطلبه الإسلام مني؟ فلماذا أفعله إذن؟ هل أفهم حقًّا قواعد ديننا، حقيقة قواعده؟ هذا هو السؤال الأول: هل نفهم ديننا أم لا؟
هل نحن مستعدون للتضحية من أجله؟
السؤال الثاني: هل نحن مستعدون للتضحية بسبب ديننا؟ حين يسمع الناس «تضحية» ينصرف ذهنهم عادة إلى الدم، ولا أريد أن أتكلم عن ذلك. فهذه ليست بيئتنا هنا، والحمد لله. لا أحد يأتي ليعتدي عليكم. لنا مجتمع مسالم. نعم، هناك معاناة هنا وهناك، وأحدهم يسخر منك، لكننا في نهاية المطاف نعيش في سلام. إنما أتحدث عن وقتك وأفكارك ومالك وجهدك. إذا أقمنا فعالية، فهل أنت مستعد لأن تتطوع يومًا طويلًا حتى نهايته، وتقول: «يا إخوة، شكرًا لأنكم أتحتم لي فرصة المشاركة في هذه الفعالية العظيمة»؟ هل أنت مستعد لذلك؟
دعوني أطرح سؤالًا آخر، وأعتذر، فأنا أتحدث عن نفسي أولًا، فدعوني أخرج من أنانيتي. في العادة أفكر في نفسي ووقتي وأجهزتي وشاشاتي. ولا أنظر حولي. ثم أنتبه يومًا: «هذا ابني، وقد كبر»، وأنا لم أكن قد رأيته حقًّا منذ زمن طويل. أنت تراه كل يوم، لكنك لا تعطي اهتمامك لما يجري في داخل أولادك. هل أنت مستعد للتضحية بأن تمنح زوجتك مزيدًا من الصبر؟ وأسأل الأمر نفسه في المقابل: هل هي مستعدة للبذل؟ وهل نحن مستعدون للنظر في احتياجات حيّنا، وأن نرى ما يحتاجه من حولنا ونبذل، من أجل ديننا وحده؟ كان ذلك السؤال الثاني. الأول: هل نفهم ديننا؟ والثاني: هل نحن مستعدون لبذل أي نوع من التضحية من أجله؟ هل هذا واضح؟
القلق وراء المشاركة: هل سنفقد أنفسنا؟
والآن إلى موضوعنا الحقيقي، وهو الانخراط في المجتمع الأمريكي. نحن عادة نقلق منه، لأننا نظن أننا سنفقد كرامتنا ولن نكون مسلمين بعد ذلك. ولذلك تجدون السؤال المألوف: هل يمكن أن نترك أولادنا يذهبون إلى المدرسة العامة، أم يجب أن نبقيهم في البيت؟ هل سمعتم هذا السؤال من قبل؟
فدعوني أسألكم: ما القرار الأفضل لأولادنا في رأيكم؟ (وقد حصلتُ على إذن لثلاثة أيام لأكون هنا، بالمناسبة، ولما أخبرتها قالت: «حسنًا، تفضل». كانت لطيفة.)
جاءت إجابات عدة من الحاضرين. «التعليم المنزلي أفضل. أنت الذي تحبه.» وقال آخر: مدرسة تعلّم الإسلام. وقال ثالث: المدارس الخاصة، مدرسة إسلامية. وقال أحدهم: كلاهما. فسألت: ما العيب في المدرسة العامة؟ قال أحدكم: «فتنة كثيرة». أي فتنة؟ قال: الاختلاط بين الجنسين. هل عندنا شيء آخر؟ حسنًا، سمعتكم.
دعوني أحكِ لكم قصة قصيرة. أحد الأولاد في مسجدنا يدرس في المدرسة العامة. سأله صديق له: «هل تؤمن بعيسى؟» قال: «لا، أنا مسلم.» فقال صديقه: «إذن لا يمكن أن نبقى صديقين بعد الآن، إن كنت لا تؤمن بعيسى.» فأجابه الولد: «لي خمسة أصدقاء، ولي إله واحد. أتظن أنني سأترك إلهي الواحد من أجل واحد من أصدقائي الخمسة؟ هل أنت مجنون؟ أستطيع أن أخسر واحدًا من أصدقائي، لكنني سأحتفظ بإلهي. لن أكون معك مرة أخرى، لأنك لست صديقًا صالحًا إن أجبرتني على ترك إلهي من أجلك. أنت لست أهم من إلهي في قلبي.» أرجو أن تكون الفكرة واضحة. انظروا إلى أي مدى يمكن أن يُعدّ الطفل. فإن كان ولدك هناك في الخارج، فهل تظنون أنه سيترك ربه، الله، بسبب أصدقائه؟ لا أظن.
فماذا نحتاج؟ نحتاج إلى أن نربيهم بعقلية إسلامية. هل لدينا الوقت في البيت لبنائها؟ حتى لو كنا سنضعهم في المحيط، لا في المدرسة العامة فحسب [الجملة تُركت دون إتمام]. ولاحظوا أننا نظل نبحث عن بيئة إسلامية، كأن أولادنا لا بد أن ينشؤوا في بيئة كبيئتنا. دعوني أسأل: في أي بيئة نشأ موسى عليه السلام؟ بيئة مسلمة؟ لا، أبدًا. ويوسف عليه السلام؟ هاتوا لي نبيًّا واحدًا من الأنبياء نشأ في مجتمع مسلم. يعني أن مهمتنا أن ننشأ في مجتمع غير مسلم، لنثبّت هويتنا بين هؤلاء الناس ونغيّر عقليتهم. ولا يهم أن يصيروا مسلمين؛ فنحن لا نجبرهم، ولا نملك حتى الحق في إجبارهم. لكن علينا أن نقنع أنفسنا والآخرين بديننا. نشأ يوسف في مصر في زمنه، بين قوم كافرين، بل أعداء، كما يمكن أن يقال، للإيمان نفسه. ومع ذلك نشأ على هذا النحو.[1]
والسؤال الذي يتبع ذلك هو: كيف تصير قدوة يريد ولدك أن يكون مثلها ويحب أن يكون مثلها؟ كم من الأولاد في بيوتنا المسلمة يريدون الخروج من البيت حين يبلغون الثامنة عشرة؟ «سأكون مستقلًّا. سأغادر البيت. سأكون وحدي. [غير مفهوم] أستطيع أن أدبّر أمري.» وكم من أولادنا يلتصقون بوالديهم ويصرّون على البقاء لأنهم يحبون ذلك الجو؟ إن كانت لدينا مشكلة فليس سببها أن البيئة في الخارج لا يمكن تغييرها.
من يقرر شأن أولادنا ونحن غائبون؟
ثم هناك القرار المتعلق بما يُعرف بـ(LGBT)، أو أيًّا كان ما قلتموه: حين اتخذوا ذلك القرار، من الذي اتخذه؟ لماذا نشتكي من أن الناس يقررون من وراء ظهورنا ويجبروننا على اتباع وجهتهم؟ دعوني أطرح سؤالًا متواضعًا، وأرجو أن تصبروا عليّ الليلة. في المدارس العامة اجتماع شهري لأولياء الأمور، أليس كذلك؟ لا أقصد اجتماعات أولياء الأمور مع المعلمين؛ فتلك شيء آخر. أقصد الاجتماعات التي يناقش فيها أولياء الأمور مستقبل المدرسة ويتخذون القرارات. كم منكم شارك فيها يومًا؟ لا أحد؟ واحد، اثنان؟ قال أحدهم كل ثلاثة أو أربعة أشهر، حين كانت ابنته في المدرسة. حسنًا، فهمت الحالة. نحن نتحدث عن اثنين فقط في هذه القاعة، ولا نعرف الباقين.
يناقشون أمورًا كثيرة جدًّا في تلك الاجتماعات، وأحيانًا يقول أحدهم: لا. وحين يرونك في الاجتماع يقلقون من حضورك، لأنهم إن قالوا شيئًا ضد دينك فسيقوم أحد ويقول: «مهلًا، ماذا تفعلون هنا؟ توقفوا. هذا ضد دين ولدي.» إنهم يحسبون حسابًا لوجودنا حين نحضر. لكننا لا نحضر.
كم منكم يحضر اجتماعات المدينة الشهرية؟ لكل مدينة اجتماعها. وهو اجتماع عام. فيه مجلس وفيه أصحاب قرار، لكن يحق لأي إنسان أن يأتي ويبدي رأيه. قد لا أكون جزءًا من القرار، لكنني أستطيع أن أعلن رأيي. أنا شريك، واحد من المجتمع. لي بيتي هنا. لكننا لا نفعل ذلك. وكم مرة دعونا الجيران إلى بيوتنا، أو لا أقول دعوناهم، بل على الأقل قدّمنا لكل منهم هدية متواضعة، أو بنينا معهم علاقة خاصة؟ نحن لا نؤدي واجباتنا.
إغلاق الباب
وعلى الجانب الآخر، نحاول أن نعزل أنفسنا عن المجتمع. أُبقي أولادي معي، وأضعهم في البيت، وأغلق الباب، طق، طق، طق. [ملاحظة عن «ثلاث نصائح» مفهومة جزئيًّا فقط.] ونصيحة أخرى: «يجب أن نحميهم في الداخل، فلا تدعوهم يخرجون.» لماذا؟
سأخبركم بما رأيته. حين تدخل أخت في الإسلام في سن متأخرة، بعد عشرين أو ثلاثين سنة تقريبًا [العبارة غير واضحة]، انظروا إلى شخصيتها حين تتحدث إلى المجتمع وتتعامل مع الناس. وجدت في تجربتي أن هؤلاء الأخوات أقوى من زوجاتنا وبناتنا. وإن كانت لكم ابنة ذهبت إلى المدرسة العامة بعقلية إسلامية، تعرف ما تفعل، وتناقش هناك وتشارك في الأنشطة والفعاليات، فيا لها من شخصية قوية. هل نريد لأولادنا، وأتحدث عن البنات خصوصًا، أن يبقوا في البيت فقط ويتقنوا الطبخ في المطبخ ولا يفعلوا شيئًا بعد ذلك؟ ماذا نريد؟
ذات مرة كنت أشتري بيتًا، سبحان الله، وحان موعد إتمام الصفقة وأنا غائب، لست هنا. كانت ابنتي الكبرى، أكبر أبنائي، في السابعة عشرة تقريبًا حينها. طلبت منها أن تتصل بالشخص الذي هاتفني، وقلت لها: «اسأليه ماذا يحتاج منا. إن لك صلاحية الوصول إلى كل ما أملك، الحساب البنكي وكل شيء.» فاتصلت وسألت ما الذي نحتاج إلى فعله، فقال لها: عليكم أن تفعلوا كذا وكذا. ومضت في العملية كلها من الألف إلى الياء. كيف بلغت هذا المستوى من مواجهة أي نوع من المشكلات؟ وصهري كذلك يقول لي الآن: «لقد أعطيتني عمودًا فقريًّا، عمودًا فقريًّا قويًّا.» كيف صاروا هكذا؟ الله هو الذي يفعل ذلك، سبحانه. لكن من جهتنا، كيف نكون أقوياء بما يكفي لنصنع جيلًا قويًّا يتعامل مع الجميع دون تردد، ولا يخشى أحدًا، وهو من القوة بحيث يواجه أي مشكلة؟
دين يعدّك لما هو أكبر من الممارسة
بين الانخراط والانعزال، كما يقول موضوع الليلة، كيف نقيّم موقفنا؟ حين أرسل الله سبحانه وتعالى الإسلام لم يرسله لكي نؤدي الشعائر فحسب. لو كان الدين هذه الأمور وحدها لما استطعنا أن نحقق [كلمة مقطوعة]. تخيّلوا أن واجب المعلم لجميع الطلاب في الصف أن ينظفوا السبورة فقط، وتضعون جدولًا ليأخذ كل واحد دوره. أتظنون أن هؤلاء الطلاب يستحقون أن يصيروا أطباء إن كان التحدي الوحيد الذي يواجهونه تنظيف السبورة؟ لو قال الله لي: «ستصلي خمس مرات في اليوم، وستصوم رمضان، وستذهب إلى...» [بقية الكلام مضطربة]، فهذه أمور سهلة. لكنها كلها جاءت لتعدّني لأكون إنسانًا مختلفًا، إنسانًا قويًّا.
خذوا النبي ﷺ نفسه. منذ بداية الدعوة، في مكة، أكان يعاني؟ أكان يكابد مع الناس؟ نعم، لقيَ عناءً شديدًا. تخيّلوا لو قيل له: «سنمنحك راحة. اترك هذه الأرض واذهب إلى المدينة.» الحمد لله، الآن نستطيع أن نرتاح، أليس كذلك؟ ولما غادر النبي ﷺ مكة إلى المدينة، أبدأ تحديه من جديد؟ نعم، نعم. راحة بال، لا مشكلات بعد الآن، الحمد لله، نحن بخير الآن؟ لا. هيا. لماذا غادر مكة أصلًا؟ كان بإمكانه أن يبقى. لكنه كان نوعًا آخر من التحدي. في موضع يُرينا الله نوعًا من المجاهدة، وفي الموضع الآخر كان هناك تحدٍّ من نوع مختلف واجهه النبي ﷺ.
والآن أي تحدٍّ نواجهه نحن؟ صفر. لماذا؟ لأننا لا نفكر في الدعوة. نحن لا نجعل الدعوة من همومنا، شيئًا نحمله في قلوبنا. قال لي أخ مرة: «أحيانًا أشعر أنني أبالغ في وضعي، وأنني أفكر في الدعوة أكثر مما ينبغي، هنا وهناك.» فقلت له: اسمع، فلماذا قال الله للنبي ﷺ ما قال؟ هل تعرف معنى ذلك؟ أوشكتَ أن تقتل نفسك؛ احذر، اعتنِ بنفسك.[2] ولم يكن النبي ﷺ يعتني بنفسه قبل أن يعتني بالجماعة والناس والحال والبيئة؛ يذهب هنا وهناك، ويعتني بالأطفال والشباب المهنيين وكبار السن. فما مكانة الدعوة في حياتنا؟ أسألكم، وأعتذر، فأنا أتحدث عن نفسي أيضًا.
السؤال الرئيس يوم القيامة
سأختم بهذا، وأكرره كثيرًا. ما السؤال الرئيس الذي سنُسأل عنه حين نأتي إلى الله يوم القيامة؟ ركّزوا معي.
قال أحدهم: «من ربك؟» هذا هو التمهيد، المحطة الأولى. سنأتي ونقف أمام الله جماعة مسلمة. الحمد لله، نحن هناك، وهذا آخر إذن قبل دخول الجنة. لقد اجتزتم الخطوات كلها حتى الأخيرة، والآن تتلقون السؤال الرئيس الأهم؛ فإن اجتزتموه خُتم جواز مروركم. فما هو؟ وقال آخر: «كيف استعملت وقتك؟» فكرة عظيمة. شيء آخر؟ «كيف استجبتم للأنبياء؟ هل قبلتم الإسلام أم لا؟» وغير ذلك؟ «كيف تعاملت مع الآخرين؟» وقال أحدهم إن أول ما نُسأل عنه الصلاة، لكنني لا أتحدث عن ذلك؛ أتحدث عن آخر شيء. وقال أخ آخر: الصلاة. فصار لدينا اثنان في ذلك، وأظن أنه لا بد أن نتفق. وآخر: «ماذا فعلت بعلمك؟» (وأنا أحاول بهذا، لو كان عندي علم أصلًا. [ضحك])
هل يستطيع أحد أن يعطينا فكرة أخرى؟ تذكروا أن الله يخبرنا أنه سيجمع الجميع ليقفوا بين يديه يوم القيامة. فما السبب الرئيس وراء الأسئلة التي ستأتي في ذلك اليوم؟ هل بلّغتم رسالة الله أم لا. هل أدركتم ذلك من قبل؟ هذا يعني أننا حين نُسأل عن الصلاة فالأمر تمامًا كأن تُسأل عن الواجب المنزلي: هل أديت واجبك المنزلي؟ فإن كان الواجب المنزلي هو المهمة الأخيرة للمعلم، أو مجرد خطوة، فالصلاة خطوة، والزكاة خطوة. خطوة نحو ماذا؟
حتى الصلاة تدريب على الدعوة
وسأخبركم بأكثر من ذلك: حتى أثناء الصلاة، الله يعدّكم لبناء عقلية الداعية. كيف صليتم؟ هل أعجبتكم قراءتي في الركعة الثالثة؟ لا أستعرض قراءتي؛ فقد كنت أقرأ سرًّا. هل سألتم أنفسكم يومًا لماذا يكون لنا ركعتان جهريتان وركعتان سريتان؟ الركعتان السريتان تمنحانك فرصة للتأمل في الآيات التي تلقيتها في الأوليين. أقف خلف الإمام وهو يقرأ [ملاحظة عن خطأ في القراءة مضطربة]؛ وفي الركعتين الثالثة والرابعة تكون لي فرصة لأتأمل ما قرأه الإمام وأعكسه في ذهني: هل أنا من [كلمة ضائعة] أم لا؟ هذا سؤال تسأله نفسك في تلك اللحظات.
وفي تلك اللحظات نحن نمسك عن [كلمات ضائعة]. لماذا هذا؟ إنه نوع من التدريب على الصبر، لتكون مستعدًّا للصبر حين تتعامل مع الناس. والتعامل مع الناس هو جوهر الدعوة. وكان ذلك أول تحدٍّ كبير للنبي ﷺ حين بدأ دعوته: أن يكلم الناس ويقنعهم.
فهل جرّبتم يومًا أن تقنعوا أحدًا بدينكم دون أن تزعجوه، ودون أن تضايقوه أو تملّوه بتكرار الشيء نفسه كل يوم حتى يقول: «بالله عليك يا رجل، لن أكون مسلمًا أبدًا، ابتعد، دعني وشأني، لماذا تظل تقول هذا؟» هل جرّبتم أن تنفقوا مالًا في سبيل ذلك، فتدعوه هنا وهناك؟ هل جرّبتم أن تدرسوا مفهوم الدعوة نفسه، لتتعلموا كيف تمارسونها مع من حولكم؟ نحن لا نفعل ذلك. فإن بقينا على الحال نفسها، نعزل أنفسنا عن المجتمع، فلن نصل إليهم أبدًا ولن يكون لنا أي تأثير في الآخرين.
نشحن ثم نخرج
قال لي أحد الحاضرين هنا، لا أعرف من هو، بعد ذلك: «أجبتَ عن ٩٨٪ من الأسئلة التي في ذهني في تلك الدقائق القليلة.» كيف؟ قال: «تحدثتَ عن المستقبل.» فقلت: أنت محق، لأننا في العادة، نحن الأئمة، وأخاطب نفسي وكل إمام، نتحدث عن الماضي. نتحدث عن أوجه قصورنا، لا عن النقاط الإيجابية وأوجه القوة التي بين أيدينا أصلًا. نتحدث عن الأمور التقليدية التي يستطيع كل أحد أن يمارسها، ولا نفتح أعيننا على ميادين الدعوة المختلفة. نستطيع أن نمارسها لا في المسجد وحده بل في المستشفيات والمدارس والمتاجر وفي كل مكان. تلك هي الأماكن التي نُظهر فيها إسلامنا.
كم قضى النبي ﷺ في المسجد، وكم قضى مع الناس، بعد أن ينتهي من الصلاة ويخرج ليمارس ما تعلمه هناك؟ نحن لسنا هنا لنبقى هنا فقط. نحن هنا لنشحن بطاريتنا لنمارس العمل في الخارج. تُطفئ هاتفك في آخر اليوم وتضعه على الشاحن، وفي الصباح تنزعه وتستعمله من جديد. ها أنا أعمل مرة أخرى. فكيف تكون أحد أعمدة المجتمع الذي تعيش فيه؟ لا يهم أين تعمل. المهم هل أنت هناك حقًّا، أم أن الناس يرونك ويعدّونك رقمًا فحسب.
وأسأل الله أن يتقبل منا جميعًا.
--- [1]: توثيق المحرر: التفريغ هنا مشوَّش في الأسماء («Mus Alisam» و«Yuam / Yufu wasam»)، وقد قُرئت على أنها موسى ويوسف عليهما السلام. وقد سُجّل ذلك على أنه غير مؤكد. وجاء كلام المحاضر عن نشأة يوسف عليه السلام في مصر كما قيل، ولم يُصحَّح في المتن. [2]: توثيق المحرر: لم يذكر المحاضر الآية. يشبه ما أشار إليه قولُه تعالى ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، ونحوها ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ﴾ [الكهف: ٦]. والعزو من المحرر ولم يُثبت في المتن.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.